الأربعاء, أبريل 24, 2024
دراساتتاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر: الفن، الهوية الثقافية والإبادة الثقافية

تاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر: الفن، الهوية الثقافية والإبادة الثقافية

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة

تاريخنا الموسيقي المعاصر، ليس تاريخ معاهد التربية الموسيقية المرفهة، وليس تاريخ شرف فني وثقافي على هذا، فإنه من المؤكد ليس تاريخ القاعات الخلابة والتصفيق المدوّي من الجمهور المتخم بالمال والبذخ الفاحش في الواقع، إنه تاريخ تعذيب وملاحقات ومضايقات، وتاريخ معاناة وحصار فني وثقافي وتاريخ استجداء اللحظة للتواصل مع جمهور جائع للخبز والفن معا، وتاريخ كفاح الاستمرار الوجود وليس أبعد من هذا قيد شير.

لا يمكن الحديث عن تاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر بالطريقة التي يتحدث فيها البحاثة عن تواريخ موسيقية أخرى. لأن تاريخ الموسيقى الأحوازية لا يشبه تواريخ الموسيقي لدى المجتمعات الجوار، إنها قصة فريدة ويتيمة، والأسوأ من هذا كله هو ان هذه القصة المستمرة لم يقصصها أحد علينا ولا على العالم، أو حتى على أبناء المجتمع الذي خلف هذا الدمار لتسود لغته وثقافته وموسيقاه على حساب هويات أخرى.

تاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر هو تاريخ الفنان أحمد كنعاني وأسنانه المهشمة بقبضات عناصر «السافاك» لأنه غنى كلمات شهيد تمزق بوابل من الرصاص عندما نادى بحقه في الحياة. كما إنه تاريخ الفنان يونس خلف وشطب أعماله الفنية من أرشيف الإذاعة وتاريخ الفنان علي الصافي والمضايقات التي رافقته حتى الموت، وتاريخ الفنان سالم الصافي ومخاوف الإعدام، وتاريـــخ الـفـنــان ســيـد جواد وهروبه من العقاب، وتاريــخ الـفـنــان صـفـــر حمد النيسي وأمــراض السجن، وتاريــخ الـفـنــان عبد الأمير دريـس وظهره المتصلــب عـلـى كـرسـي التحقيق، وغيرهم من الفنانين ممن تجرعوا العذاب لأنهم مارسوا الموسيقى العربيـة، تاريــخ الموسيقى الأحوازية بمجمله لا يبتعد عن إيقاع السوط في لظى الصيف الحارق. إنها قصـة مــا يقـــرب الـقـرن مـن المعاناة. لكن، نظرا لضيق المقام، اختارت هـذه الدراسة أهم المحطات والمنعطفــات فــي تاريــخ الموسيقى الأحوازية المعاصر، كما أنها اختارت واحدا من أهم الفنانين والثقافيين في تاريخنــا الفني والثقافي المعاصرين، أي الفنان الراحل أحمد كنعاني.

 

 الموسيقى بصفتها نشيد الهوية

 

الموسيقى باب واسع للتعرف على ثقافة شعب من الشعوب، ولأنها لا تتطلب سوى أن نصيخ السمع للتعرف إلى أنواعها. كذلك، لأن اللغات الموسيقية لا تحتاج إلى ترجمان أو وسيط تنتقل بسرعة بين الثقافات من بلد إلى بلد ومن قارة – إلى اسواء أكان بإذن أو من إذن رغم الكل ثقافة خصوصية موسيقية خاصة بها كما أنها تظهر القيمة الجمالية في هوية الشعوب . وليست المكانة الرفيعة التي تحتلها الموسيقى وليدة التطورات الحديثة التي مر بها هذا الفن. بل لقد كان القدماء يؤمنون بأن النفس تأثيراً يتجاوز تأثير سائر الفنون فيها. غير أن هذه الرؤية تجاه الموسيقى ليست بمستوى واحد لدى جميع الشعوب، ولا حتى تستمر بوتيرة متناغمة لدى الشعب الواحد خض النظر عن شرائحه المختلفة وطبقاته الاجتماعية، لأن رؤية الشعوب والجماعات والطبقات تتطور وتتغير وأحيانا كثيرة ترجع القهقري اذ بالإمكان ملاحظة هذا في تاريخنا الموسيقي المعاصر وتواريخ موسيقية أخرى.

موسيقى كل شعب جزء من هوية ذلك الشعب فلا ينبغي الاستهانة بها وتنزيلها لدرجة المتعة العابرة، وقد أجمعت الأمم من جميع الطبقات على حب الألحان، ولكن ذلك حسب عاداتهم واصطلاح بلادهم؛ لأنك تجد لكل أمة من الناس الحاناً ونغمات يستلذونها ويفرحون بها، لا يستلذها غيرهم ولا يفرح بها سواهم». إذا لكل مجتمع ثقافة موسيقية يستحسنها ويتأثر بأنغامها وتشارك في إثارة أحاسيسه وانفعالاته الوجدانية لكن تطورت الموسيقى عما سبق من تاريخها وأصبح لها دورها الريادي في ثقافة الشعوب، بل ساهمت الموسيقى في العصر الحديث في عملية تكوين الشعوب، فبعض الثقافات اهتمت بالهوية الموسيقية لدرجة متقدمة، إذ صيرتها ضمن ركائز هويتها الثقافية والوطنية وطورت الموسيقى وأسست المعاهد للتربية الموسيقية وأنشأت المكتبات لدراسة الموسيقى الخاصة بهم وللموسيقى عميق الأثر في الحضارة البشريّة منذ فجر التاريخ، فهي لغة الشعوب. والأم تصوّر العواطف أصدق تصوير، وتعبر عن المشاعر والأفكار بأمانة وصدق». إذ إن تقل الموسيقى جزء من التكوين النفسي والثقافي للإنسان.

للموسيقى مكانة مرموقة بين باقي الفنون، لأن كل الفنون مرتبطة بعضها ببعض ولا يمكن أن نتصور الموسيقى بمعزل عن الشعر أو عن المسرح أو عن علم الصوت. وبالتالي تطورت الموسيقى على طريق استكمال العناصر التي دفعتها إلى الأمام. فالموسيقى متواشجة مع الشعر، إذ إن الشعر يستبطن نغمات موسيقية في أوزانه وإيقاعاته، لأن الوزن موسيقى بحد ذاته ويصدق هذا بدرجات عالية مع الشعر العربي الموزون.

لا شك أن الموسيقى تتأثر بالمستوى الحضاري والثقافي في مجتمع ما بعينه، ه، لأنه كلما ازداد رقي الحضارة ونضوج الإنسان، زادت أهمية الفنون والجمال في الحياة والموسيقى في أحلك ظروف الإنسان لعبت دورها الجمالي والحضاري، وهنا، يقصد من الموسيقى؛ الفن الراقي الذي يمثل الحياة الثقافية والفنية لشعب ما.

الوعي بأهمية الموسيقى ودورها؛ يظهر في تفاصيل حياة الشعوب الثقافية، لأن الموسيقى تمثل جانبًا صادقًا من الهوية الثقافية. وأغلب الشعوب التي أنجزت ذاتها تمتلك هوية موسيقية لنفسها، وهي التي تسمى الموسيقى القومية تارة والموسيقى الوطنية تارة أخرى، ولكن كيف توصل هؤلاء القوميون إلى أساليبهم القومية، التي حققت هذه الطفرة الموسيقية لشعوبهم ولهم؟ كان لا بد لهم من الغوص بحثاً عن الجذور فاكتشفوا منابعهم في أحد مصدرين الموسيقا الشعبية أو الفلكلور الموسيقي من جانب والموسيقا الدينية المحلية من جانب آخر، وكان الوعي الفلكلوري أي الفنون الشعبية قد بدأ ينتشر كملمح جديد في الفكر الأوروبي، ولكن وسائل جمعه و دراسـتـه كـانـت ما تزال في المهد ومع ذلك أصاخ القوميون السمع لأغاني الفلاحين، وأمعنوا النظر في رقصاتهم، وعنوا أسرع من بآدابهم وأقاصيصهم ودراسة تقاليدهم المتوارثة في تيار حي من التفاعل والنمو والحفاظ في آن واحد، وهذا الذخر الهائل هو الذي ألهم خطاهم في البحث عن لهجات موسيقية جديدة صادقة التعبير عنهم. هذه الرحلة إلى الأعماق لاكتشاف الذات الموسيقية جعلت الغرب أن ينجز هذه الذات بوعــي قـل نظيره، فكان الإنجاز من صميم ثقافاتهم ووإليها. كذلك وجدوا في آلات موسيقاهم الشعبية ألوانا مميزة من الرنين الموسيقي تصلح لتطعيم التلوين». وهكذا أدخلوا الآلات الموسيقية الشعبية إلى الموسيقية الوطنية، ولا شك أنهم طوروا هذه الآلات لتواكب التقدم الذي طرأ على مجتمعاتهم. وخرجوا من هذا كله بلهجات موسيقية أبدعوا بها أعمالاً محلية في جوهرها وقومية في روحها وموضوعات أوبراتها وأغانيها، ولكنها غريبة في أساليبها بحيث يستطيع المستمع في أي مكان ان يستمه بها ويتعرف على مصدرها”.

يتضح أن المحلية أو الخصوصية الموسيقية لا تتعارض. الانتشار الواسع أو العالمية، بل تزيد من ألوان الإبداع في العالم، وتســاهـم فـي إثراء الثقافة الموسيقية في عالم الموسيقى، ولا يقتصر هذا بالموسيقى فقط، بل بكل الفنون. الإشارة الدقيقة التي ذكرتها سمحة الخولي، الباحثة في الشأن الموسيقي؛ هي أن المستمع للموسيقى يتعرف على مصدرها، أي خصوصيتها الثقافية التي نشأت فيه، وهـذا هـو الإثراء والمشاركة بفاعلية في الثقافة الموسيقية في العالم. ويتأتي هذا عندما يرفض التقوقع داخل منظومة التراث الفلكلور) الموسيقي دون تطويره من جهةٍ ورفض الانسلاخ منه جهةٍ أخرى. بل الأجدر أن يكون هذا التراث الأساس الذي تُستخرج منه اللغة الموسيقية التي تعي وتمثل ثقافة الشعب ولغته ورؤيته تجاه ذاته والعالم. فهذا الوعي بالذات وبالعالــــم، ليس نتيجـــة اختيار شخصي صرف، بـل هـو نـتـاج عمليــة تاريخية تقوم فيها المجتمعات الشيئية، بعضهــا أسرع من الاخر بسبب التحولات البنيوية التي تتعرض لها”.

 

تاريخ الموسيقى الأحوازية: المحمرة العاصمة الأغنية العربية (١٩٢٥-١٩١٢)

 

يبدأ تاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر من عهد الأمير خزعل، إذ تتحدث جل المصادر عن رواج الموسيقى في عهده، ومعروف عنــه دعمه للموسيقى العربية وشغفه بها.

قبل الحديث عن الموسيقى الأحوازية في عهد الأمير خزعل، ينبغي أن يعرف القارئ أنه لا توجد مصادر مكتوبة بأقلام أحوازية عن المستوى الثقافي والاجتماعي والفني في مركز الحكم المحمرة – لأنه من الطبيعي أن العاصمة في كل بلد تجتذب أهل الفن والطبقة المتعلمة إليها أو بصورة عامة تتراكم فيها الثقافة العليا لكل شعب.

 

هنا في هذا المقام تعتمد الدراسة على المصادر التي تطرقت إلى الموسيقى العربية في الأحواز، ومدى اهتمام السلطة – المتمثلة بالأمير خزعل – بالثقافة الموسيقية. هل كان الأمير خزعل يهتم بالموسيقى؟ يجيب أمين الريحاني المعاصر للأمير خزعل «أجل، أن للشيخ خزعل ذوقاً إنسانياً شاملاً فلا ينفر من غير القبيح والذميم في الحياة، ولا يعرف في مكارمه التفضيل والتمييز تجيء المغنية من حلب أو دمشق إلى المحمرة وهي لا تملك خلخالها فتقيم عدة أشهر في القصر وتعود غنية مثقلة بالحلي. ويجيء الشعراء وفي قصائد المديح فيعودون من المحمرة وفي جيوبهم أكياس من المال. المعلومة التي يقدمها الريحاني، تؤيدها مصادر أخرى رغم أن المصادر التي تحدثت عن الموسيقى الأحوازية أو الموسيقى العربية في الأحواز قليلة جدا. ومن أهم المصادر المتوفرة، كتب عبد المسيح الأنطاكي وسيرة حياة الموسيقار العربي الشهير، علي الدرويش، كما إن كلاهما عاشا في الأحواز ردح من الزمن. سجل عبد المسيح الأنطاكي مشاهداته آنذاك ونشرها في مجلته الموسومة بـ العمران التي كانت تُطبع في مصر بتمويل من الأمير خزعل. بينما سيرة حياة علي الدرويش كتبها أحد أفراد أسرته بعد وفاته. كان الدرويش من الشخصيات الموسيقية التي لعبت دورا بارزا في الموسيقى العربية في الأحواز والعالم العربي بصورة عامة. عاش عامين متتاليين في قصور الأحواز في المحمرة وكان مجيئه إلى الأحواز بطلب رسمي من  الأمير خزعل، إذ كان الأمير (خزعل) أميــر المحمرة – الواقعة شمال شرقي مدينة البصرة قد تولى حكمها في عهد الأتراك العثمانيين وهي جزء منا المنطقة العربية المعروفة في الوقت الحاضر بـ (عربستان) وحدث أن الأمير (خزعل) أرسل في طلب علي الدرويش على رأس فرقة موسيقية وعدد من المنشدين والمغنيين بعد ذيوع شهرته خارج القطر السوري]، فانتهز الفرصة وسافر على رأس فرقة موسيقية إلى إمارة المحمرة حوالي ١٩١٢ وكان هذا سفره الأول خارج البلاد (١). بدأت رحلة الدرويش وفرقته الموسيقية في العام ١٩١٢م وبقي في ضيافة الأمير قرابة عامين اثنين كان خلالهما موضع حفاوته وإكرامـــه مـــع أعضــاء فرقته الذين كان منهم ملحن الموشحات الشهير فيما بعد الشيخ عمر البطش)، وقد عهد إلى الشيخ علي برئاسة الفرقة الموسيقية النحاسية الخاصة بالقصر والإشراف على تدريباتها وكان الأمير ينظم أحياناً أبياتاً من الشعر العربي بنفسه ويعهد بها إليه لتلحينها فيلحنهــا لـه ويؤديها بصوته منفرداً تارة وبمرافقة فرقة الإنشاد والآلات الموسيقية تارة أخرى. إذ كان قد عمل منشداً ومغنياً ومطرباً في بداية حياته الفنيـة إلــى جانب مزاولته العزف بآلتـي النـاي والـعــود وقيامه بدور الملحن والمؤلف الموسيقي والمدرس في ان واحد” (٢).

احتفى الأمير خزعل بالفرقة الموسيقية وكانت محل اهتمامه، وقد جعل الموسيقار علــي الدرويش رئيسًا للفرقة، كذلك عهـد لـه تدريب فرقة موسيقية عسكرية خاصة بالأحواز، أي تأسست الفرقة النحاسية الأحوازيـــة بيـــن عـامــي ١٩١٢ و١٩١٤م وهذا التاريخ كان مبكرًا في تاريخ الموسيقى العسكرية الخاصة بالدول والحكومات في المنطقة وقتئذ. الفرقة الموسيقية التي رافقت الدرويش؛ برز كثير من أفرادها فيمـا بعـد فـي الموسيقى العربية في العالم العربي وكـانـت مــن رواد تجديد الموسيقى العربية.

الأمر اللافت للنظر، ذكر التدريس الموسيقي في المحمرة، بينما لم تكن المحمرة فيما بعد رائدة في الموسيقى الأحوازية، بل الريادة كانت لمدينة عبادان، إذ إن أغلب الروّاد كانوا من هذه المدينة، ومعظمهم من الجيل الثاني الذي نشأ بعد عام ١٩٢٥م، عدا الجيل الأول الذي عاصر الأمير خزعل. كما أن تاريخ الموسيقى الأحوازية يذكر لنـا قلـة مـن الفنانين الأحوازيين الذين عاصروا الأمير خزعل، مثل الفنان مري كاظم الخواف (۱۸۹۰ – ۱۹۲۴) والفنان مزبان العليجم (١٨٩٤-١٩٨٥) وكلاهما من قرى الأحواز المدينة ولم تكن لهما صلة مباشرة بقصور المحمرة، بل كان الفنان مري كاظم الخواف الأحواز المدينة المحاذي لشاطئ كارون، عندما قد اتصل بالأمير عبد الله بن خزعـل في قصر استقر الأمير عبد الله حاكمًا للأحواز المدينة من قبل والده حينذاك.

من المحتمل أن التدريس الموسيقي المشار إليه في سيرة علي الدرويش كان يقتصر على الموسيقى العسكرية فقط، التي سماها الأنطاكي فيما بعد «الموسيقى الخزعلية»، إذ يقول: وتحيط بالقصر الخزعلي العالي روضة غنّاء فيها من كل فاكهة زوجان وهي مستطيلة على نفس شط العراق شط العرب] فيزيدها مرأى الشط والبواخر الماخرة فيه زهـواً وبهاءاً وفي هذه الروضة من أنواع الزهور والرياحين ما يعبق شذاه وتستهوي النفوس رؤياه ولعظمة مولانا السردار أقدس عناية خصيصة بهذه الحديقة وقد جاء لها ببستاني من بني الروم يسهر على تنظيم مماشيها وترتيب مغارس أزهارها على نحو ما نعرف من حدائق مصر وأوروبا الجميلة. والحديقة ذات مماشي وأدغال وفيها المقاعد لراحة روادها. وفي كلّ مساء تأتي إليها الموسيقى الخزعلية فتشنف الأسماع بنغماتها الشجية» (٣). ويضيف في مكان آخر: «وفيهم رجال الموسيقى الخزعلية وأفرادها من العرب والعجم أيضاً وهؤلاء يلبسون الزي العسكري ويشنفون الأسماع بالأنغام الشجية في القصر الخزعلي العالي في كل صباح ومساء وفي الاحتفالات الرسمية» (٤). ويكمن قوله ان “لدى سموه موسيقى عسكرية كاملة العدد والأدوات والموسيقيون من حرس سموه الخاص، وهــم من العجم والعرب، وهذا الجوق في كل مساء يشنف الأسماع أنغامه المطربة في الحديقة الخزعلية بجوار القصر الخزعلي العالي» (٥). الفرقة الموسيقية العسكرية التي أشار إليها الأنطاكي أنها في الواقع رمز الحكم حينذاك، وقلما نجد الحكومات الصغيرة آنذاك تمتلك موسيقى عسكرية وبذي عسكري”.

يحدثنا الأنطاكي عن تفاصيل الفرقة الموسيقية العسكرية وفعالياتها، إذ يقول: «عند الظهر صدر أمر سمو سيدي الشيخين الجليليـــن أعــز اللـه بهما الإسلام بالمسير وفـــي الحـــال صدحت الموسيقى الخزعلية من القصر الخزعلي العالي بسلام الوداع وصفرت اليخوت صفير الوداع» (٦). ويضيف: «كانت الموسيقى الخزعلية مع ثلـة من الحرس الخزعلي الخاص عند باب القصر البحري المطل على شط العراق [شـط الـعــرب] واقفين بالسلاح الكامل لاستقبال مولانا ولي النعم صاحب السمو الشيخ مبارك باشا الصباح المفخم في زيارة الوداع الرسمية التي تعين لهـا ذلك الوقت فلما أشرقت أنوار سموه من اليخت المباركي العالي يحف بـه سـمـو مـولاي الشيخ حمد باشا الصباح صغير أنجاله مولاي الشيخ عبد الله السالم الصباح حفيده (وهما اللذان كانا بمعية سموه مع بقية الحاشية الكريمة صدحت الموسيقى الخزعلية بالســلام بينما البلم الملوكي يحمل سموه مع الحاشية من اليخت إلى القصر» (٧). ويكمل: «فجلست ونظمت قصيدة الوداع ولم أكد أنهيها حتى كانت ساحة القصر الخزعلي العالــي قـد امتلأت الشاكة السلاح وصدحــت الموسيقى الخزعلية بالسلام الخزعلي العالي فعرفت أن سمو مولانا ولي النعم الشيخ خزعل خان المعظم قد سطعت أنواره في فناء القصر» (٨). ويختم حديثه: «وفي الساعة الثانية عربية من الصباح تحرك اليخت وفي حال تحركه ضربت المدافع وأطلقت البنادق وصدحت الموسيقى من القصر الخزعلي العالي» (٩).

السلام الخزعلي الذي يشير إليه الأنطاكي بالأحرى هـو مـا نسميه اليوم النشيد الوطني أو التحية العسكرية الرسمية حينذاك. كما تأكد أن التعليم الموسيقي الذي تحدثت عنه سيرة علي الدرويش، هي الفرقة الموسيقية النحاسية أو العسكرية. بينما الفرق الموسيقية الأخرى وحتى فرقة علي الدرويش كانت تمارس الغناء والموسيقى في القصور بشكل عروض للاستماع وليس للتعليم، كما لا توجد آثار من الموسيقى الشامية وألوانها في موسيقى الجيل الأول والثاني من فناني الأحواز، ولم يصلنا حتى الآن أسماء أو أثــر مــن فنانين أحوازيين من المحمرة عاصروا تلك الحقبة.

يشير عبد المسيح الأنطاكي إلى احتفالات زفاف الأمير كاسب نجل الأمير خزعل، إذ «كانت حفلة الزفاف بالغة حدّ الإعجاز من الفخامة والعظمة، بحيث بقيت المهرجانات في القصر الخزعلي العالي، والفيلية، مدة ثلاثة أشهر كاملة وجيء بأجواق المغاني من طهران ومصر والشام وتوزعت من العطايا والمنح والهدايا، على سواد الناس مايزيد على ألوف الألوف” (١٠). يتحدث المصدر عن الفرق الموسيقية والغنائية التي جيء بها من عدة دول وعواصم والاهتمام البالغ بحفل زفاف الأمير كاسب. و”بالحقيقة أن مهرجانات المحمرة في ذلك الزفاف المسعود كانت تفوق حد الوصف ولا تعادلها إلا المهرجانات التي أقيمت في الفيلية، ممـا ســيـذكره الأهـلــون، جيلا بعد جيل، وقد أنستهم هذه الاحتفالات كل ما يحفظه التاريخ عن أمثالها، من عهد الخلفاء الأمويين والعباسيين حتى اليوم” (١١). حقيقة الأمر أ مر أن التاريخ، خلاف ما تصوره الأنطاكي، لم يذكر لنـا تلـك الاحتفالات المبهرة، وظلت طي النسيان، ولا يتذكرهـا النـاس بعد مرور ثلاثة أجيال فقط. والغريب أن جيل الفنانين الأحوازيين الذي اتصل بالحقبة التي يتحدث عنها الأنطاكي لا يذكرون الفنانين الذين كانوا قبلهم؛ أي الذاكرة الفنية الأحوازيــة لا تذكر سوى الفنانين الاثنين اللذين ذكرتهما آنها، وهذا بسبب بقاء الفنان مزبـان العليجــم على قيد الحياة، حتى عام ١٩٨٥م فعرفنا عن طريقه الفنان مـري كاظم الـخـــواف المتوفــى عــام ١٩٢٤م.

إن الاهتمام الموسيقي لدى الأمير خزعل، كان اهتمامًا شخصيًا، وعندمــا نفــر مـن الموسيقى والحفلات الغنائية في عام ١٩١٨م انقطع وفود الفنانين والمطربين إلى القصور واقتصرت الأمسيات على الشعراء ورجال الدين. كما أن اهتمامه السابق بالفن لم ينجم عنه تطور فني أو ثقافي واجتماعي بالنسبة للمجتمع الأحوازي بصورة عامة ومدينة المحمرة بصورة خاصة. وقد يكون هذا النفور بسبب استفحال دور رجال الدين السياسي بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة ضد الوجود البريطاني في المنطقة، أو بعد شعوره بالمخاطر التي كانت تحيــق بـه جــراء تنامي الشعور القومي لدى النخبة في البلاط القاجاري. هذا لأن الموسيقى كانت متداولـــة على صعيد المتعة العابرة وليس على صعيد الثقافة والتحديث والانفتاح.

 

الموسيقى الاحوازية: سنوات الحصار الثقافي (١٩٢٥-١٩٤١)

قرار حظر دخول وتداول الغوانات العربية في الأحواز

 

صارت الموسيقى العربية محاربة بعد أن فقدت الدعم الذي كانت تتلقاه في عهد الأمير خزعل. وهذا من أسباب عدم تطور المواهب الموسيقية ومواكبتها للتطور العالمي؛ إذ فرض نظام رضا خان خلال سنوات حكمه حصارًا ثقافيا شاملًا على الأحوازيين عامة والفنون كانت في مقدمة الضحايا التي نالتها مخططات حاشية رضا خان العنصرية والاستعمارية.

كان رضا خان رجلًا عسكريًا دمويا وأميا، لا عهد له بالتفكير السياسي والثقافي، غير أن الحاشية التي كانت ترسم له الطريق وتملي عليه القرارات تجاه الشعوب غير الفارسية – وبالأخص الشعب الأحوازي – لديها أيديولوجية قومية فارسية-آرية متطرفة شخصيات من أمثال عيد نفيسي ومحمد علي فروغي وأحمد كسروي وغيرهم.

 

نفذت هذه الأيديولوجية المتطرفة ممنهجة ومتعددة للقضاء على هوية الشعب الأحوازي ولم تترك ركيزة أو سمة هووية إلا وتــم تنفيذ أشرس العقوبات والقرارات ضدها. فكانت الموسيقى الأحوازية ضمن الركائز الثقافية التي تعرضت للتدمير الممنهج، إذ صدر قرارًا حكوميًا ينص على منع دخول الغوانات (الأسطوانات) الموسيقة العربية في الأحواز.

أغلب الأسطوانات العربية كانت تدخـــل عـــن طريق العراق والكويت والموسيقى العربية بصورة عامة كانــت هـي النبــع الأم بالنسبة للموسيقى الأحوازية. فهذا القرار غير الإنساني جاء ليقطع الصلة التاريخية والثقافية والفنية بين الموسيقى العربية الأحوازية وبين الموسيقى العربية في المجتمعات العربية الأخرى، لكــي تتوقف الموسيقى الأحوازية عن التطور والتقدم بموازاة الموسيقى العربية في تلك المجتمعات.

السؤال المهم الذي ينبغي إثارته، هــو هــل كانت السياسة المتعلقة بحظر الموسيقى العربية في المقاهي تحارب الموسيقى فقط، أم لهـا مآرب أخرى غير طمس الموسيقى العربية؟ لا شك أن حظر الموسيقى العربيــة يـعـنــي حـظــر اللغة العربية والثقافة المرتبطة بها وكذلك حظر القيمة الجمالية التي تتضمنها، لأن الغناء في الأغلب يمثل الصيرورة العاطفية والاجتماعية والثقافية والجمالية للشعوب، وحظــر مـوسيقى معينة يعني بتر الاتصال الحضاري الذي بيــن اللغة والفن من جهةٍ وبين المجتمع من جهة أخرى.

إن العقلية التي صاغت تلك القرارات كانت تفكر بعقلية المستعمر، لذا دأبت بكل ما لديهـا من قوة وآليات أن تتخلص من ركائز الهوية الثقافية للمجتمع الأحوازي. لا يمكن القول إن القرارات التي نفذوها، لم تكن مؤثرة، لكنها لـم تصل إلى مآربها تماما، لأن الموسيقى الأحوازية استمرت بعد تلك القرارات رغم ضياع كثير من التراث الموسيقي الشعبي. كما أن هذا الاستمرار كان لأجل البقاء، إذ لم تتقدم الموسيقى الأحوازية خطوات ملحوظة إلى الأمام.

لعبت الموسيقى الأحوازية دورًا ثقافيا ولغويا وسياسيا رياديا في التاريخ الأحوازي المعاصر، خاصة في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، إلى الوقت الحاضر، وخاصة بعد مجيء جهاز تسجيل البكرة، والدور الذي تعهدته الموسيقى الأحوازية؛ هو الحفاظ على اللغة العربية والثقافة الأحوازية ونظرتها تجاه القيم الجمالية؛ إذ إن الموسيقى الأحوازية كانت تجابه الموسيقى الفارسية المدعومة من السلطة والمؤسسات التابعة لها وحتى من المؤسسات غير المرتبطة بالسلطة. لكن، الصحيح أنه لم يكن وجودا لمؤسسة غير رسمية ناطقة بالفارسية في الأحواز حينذاك. كانت هنالك موسيقى فارسية مدعومة من السلطة وهي غير ناطقة بلغة السكان الأصليين، وهنالك موسيقى أحوازية عربية لا تعترف بها السلطة لكنها تحظى بتعاطف المجتمع الأحوازي غير المحدود.

عملية تهميش الموسيقى الأحوازية، ثم حظرها، كان قرارًا سياسيا وثقافيًا بدأ به نظام رضا خان بداية من حظر دخول الأسطوانات الموسيقية العربية إلى الأحواز. يظهر هذا مدى تأثير الموسيقى في الحفاظ على الهوية الثقافية والأمر الآخر أن حظر دخول الأسطوانات يقطع الصلة التاريخية بين الموسيقى الأحوازية وبين الموسيقى العربية عامة، ويفتح الباب للموسيقى الفارسية المدعومة من السلطة أن تتمدد على حساب الموسيقى الأحوازية، وهذا أسوأ ما يمكن أن تتعرض له ثقافة موسيقية، إذ هي بمستوى الإبادة الثقافية.

قرار حظر الموسيقى العربية شمل المقاهي التي تعرض الموسيقى العربية لروادها من جهاز الجرامافون هذا الجهاز كان باهض الثمن ولا يملكه غير الأثرياء والشيوخ وبعض مالكي المقاهي، لذا كانت دائرة الانتشار الموسيقي، مع ذلك أثارت مخاوف السلطات ضيقة جدا حينذاك مما جعلها تتخذ خطوات غير إنسانية وخطرة.

هنالك وثيقة يعود تاريخها لعام ١٩٣٦م تنص على حظر الموسيقى العربية في الأحواز وفرض الموسيقى الفارسية . وقد قمت بترجمة الوثيقة:

” جلالة وزارة الخارجية المنيعة لوحظ في المحمرة وعبادان وحتى الناصرية [الأحواز المدينة[ أن معظم المقاهي التي تحتوي على جهاز الجرامافون تستخدم الأغاني والموسيقى العربية، وهذه الغوانات الأسطوانات] لها تأثير خاص على معنويات الناس هناك، حيث معظمهم من العرب، ويعزز الشعور القومي في نفوسهم، وقليل منـا انتبه لهذا الأمر. ولأن حظر هذه الغوانات دون مقدمة سيترك تأثيرًا سلبيًا، يعتقد المفدي، لأجل منع دخول الغوانات العربية إلى خوزستان | الأحواز[ تأمر دائرة الجمارك أن يُمنع دخول كل الغوانات غير الفارسية إلى إيران، وإذا لم يروا ذلك مناسبًا، فعليهم فرض رسوم جمركية مفرطة على الغوانات غير الفارسية، لكي يتوقف الجماهير عن شرائها واستخدامها تماما. قد تكون هنالك غوانات موسيقى أجنبية تخلو من الكلام، لا بأس بها، كي يكتفي الناس بالغوانات الفارسية فقط”.

جاء هذا القرار في عام ١٩٣٦م والذي كان ملينا بالقرارات التعسفية والاستعمارية؛ إذ فرض النظام السفور على النساء في العام ذاته، كذلك فرض قرار تغيير الزي العربي بزي آخر، وكذلك عملية اغتيال الأمير خزعل جرت في العام ذاته، كما أن بعض الأحداث المهمة الأخرى. حدثت في العام نفسه، مما سهل عملية حظر سماع الموسيقى العربية وفرض الموسيقى . الفارسية على المجتمع الأحوازي، دون أن يثير ـ هذا الحظر رد فعل من الناس الذي في واقع الأمر عملية إبادة ثقافية بامتياز. مــا جـاء في الوثيقة، يستحق التوقف عنده؛ إذ تشمل قضايا ثقافية مهمة للغاية، مثل الهوية اللغوية والهوية الموسيقية، وتغيير البنية الثقافية بأساليب استعمارية لا تقبل التأويل أو المناقشة. كما تظهر الوثيقة عجز القرارات السابقة في سبيل دمج المجتمع الأحوازي قسريًا وطمس هويته، رغم شدتها وقسوتها. هنالك وثيقة أخرى تتحدث عن السياسة الثقافية للنظام في عهد رضا خان تعود لعام ۱۹۳۷م، أي بعد عام من القرار الأول:

وزارة المعارف وأوقاف الصناعات المختلفة:

دائرة الطباعة

معالي الوزير

لأنه وفقا لأحكام قانون الصحافة المصادق عليه، في الثامن من شباط ۱۹۰۸م يحظر أي إهانة للمناصب الرسمية والشعب والوطن، أو نشر أخبار وكتب ومقالات فاسدة مخلة بالآداب العامة. الترويج للأفكار لم يُتوقع اقتراح مراعاة المبدأ الأساسي نفسه لقانون الصحافة فيما يتعلق بتسجيلات الجرامافون والتعاون مع إدارة الشرطة بالترتيب التالي:

١- نظرًا لملء جميع الأسطوانات بحضور ممثل الإدارة العامة للشرطة، يجب أن يكون ممثل وزراة المعارف حاضرًا أيضًا حين ملء الأسطوانة.

٢- تلتزم جميع شركات مبيعات الجرامافون بإبلاغ وزارة المعارف بمجرد استيراد أسطوانات جديدة، ويحق للشركات نشر الأسطوانات بحضور ممثل الوزارة بعد الحصول على إذن رسمي من الوزارة.

٣- بمجرد إدخال الأسطوانات الجديدة، تلتزم كل شركة بتقديم نسختين من كل أسطوانة إلى الوزارة.

٤ – تلتزم كل شركة بتقديم نسختين من جميع الأسطوانات المتوفرة في تاريخ تطبيق هذا القانون إلى الوزارة.

أيضًا، نشير إلى أن تنفيذ هذا الاقتراح بالإضافة إلى الأمور المذكورة أعلاه ومنع نشر الأفكار والقصائد المبتذلة والمتناقضة، التي تنافي الشؤون الوطنية لن يستغرق وقتا طويلا، الأمر الذي يجعل الوزارة تقدم إلى إنشاء مجموعة أدبية، أو في الواقع، لتأريخ التطور الفكري والاجتماعي المعاصر.

 

جاءت هذه الوثيقة في تاريخ ۱۹۳۷/۱/۲۷م تبين مدى تضييق السلطات على الأعمال الفنية الثقافية حينذاك، خاصة في مرحلة وثوب المجتمعات نحو الفن والثقافة والتقدم الاجتماعي السلطة القومية التي كانت ترى اللغة الفارسية ركيزة الهوية الوطنية الموهومة سعت إلى هندسة الوسط الفني وضربت بید من حديد أي محاولة للشعوب الأخرى بالأخص محاولات الشعب الأحوازي.

لملء أسطوانة موسيقية واحدة يتطلب حضور ممثل من وزارة المعارف التي سميت فيما بعد وزارة الثقافة وممثل من قوات الأمن، كما توعدت الوثيقة بإنشاء مجموعة أدبية تحلل كلمات الأغاني قبل أن تُغنَّى. لا شك أن هذا القرار، إضافة إلى قرارات أخرى؛ كانت لطمس أي ثقافة موسيقية غير الموسيقى الفارسية، خاصةً أن شركات تسجيل الجرامافون كانت تعمل على نطاق عالمي، وكان من الممكن أن تصل أصوات الفنانين إلى خارج الحدود، أو تزداد طموحهم الفنية والثقافية نتيجة تعاملهم مع شركات التسجيل. وهذا مما لم تكن تطيقه السلطات والنخبة التي تحيط بها حينذاك. يمكن فهم هذا بوضوح من خلال هاتين الوثيقتين اللتين حصلت الدراسة عليهما. لا شك هنالك وثائق أخرى تكشف جوانب متعددة من تاريخ الحصار الثقافي والإبادة الثقافية التي عانى منها المجتمع الأحوازي.

 

جهاز تسجيل البكرة بداية سقوط الحصار الثقافي (۱۹۷۲-۱۹۵۰)

 

مجيء جهاز تسجيل البكرة، كان بشارة أمل للموسيقى الأحوازية، إذ خرجت عملية تسجيل الأغاني من يد شركات تسجيل جهاز الجرافامون؛ الذي قلما كان من يملكه بسبب سعره المرتفع وتكلفة الاحتفاظ به بدد جهاز البكرة هيمنة شركات التسجيل وسهل عملية التسجيل لدرجة أنه بإمكان شخص بدخل متوسط أن يقوم بهذه العملية. وعلى هذا بادر العديد من الأحوازيين باقتناء جهاز البكرة، لتسجيل الحفلات وأغاني الفنانين والجلسات الشعرية. لعب جهاز البكرة دورًا كبيرًا في الانتشار الموسيقي الأحوازي، والحفاظ عليها كما اتسعت الفرصة لتعرُّف الفنانين بعضهم ببعض من جميع المدن الأحوازية.

معظم أجهزة تسجيل البكرة كانت في الأحواز المدينة، وبالذات في أحياء الأحواز القديمة. سأذكر أبرز الأشخاص الذين حصلوا على جهاز تسجيل البكرة واهتموا بالتسجيل للفنانين مراكز التسجيل ازدهار الذوق الموسيقي الأحوازي (۱۹۷۱-۱۹۸۰) اقتنى أبو صبري الحويدراوي جهاز البكرة حوالي ١٩٥١م في حي آسية في الأحواز المدينة.

اقتني حميد عباس جهاز البكرة عام ١٩٥٥م في قرية الغزاوية الكبيرة في الأحواز المدينة.

اقتنى عبدويس جهاز البكرة عام ١٩٥٨م في حي العامري في الأحواز المدينة.

اقتنى مالك صخيراوي جهاز البكرة عام ١٩٥٨م في حي الصخيرية في الأحواز المدينة.

اقتنى السيد فخيمي جهاز البكرة عام ١٩٦٠م في حي رفيش في الأحواز المدينة.

اقتنى وهاب ناصر الكاطعي جهاز البكرة عام ١٩٦٣م في حي كمبلـو فـي الأحواز المدينة.

اقتني رحيم طرفي جهاز البكرة عام ١٩٦٤م في ي آسية في الأحواز المدينة.

اقتنى عاشور الغضبان الكاطعي جهاز البكرة عام ١٩٦٥م في حي كمبلــو فـي الأحواز المدينة.

اقتنى خلوفي دايخ الديلمي جهاز البكـــرة عـــام ١٩٦٥م في مدينة ملاثاني.

اقتنى عبد الزهراء الصوفي جهاز البكرة عـــام ١٩٦٥م في مدينة الفلاحية.

اقتنى عبد الله مياحي جهاز البكرة عام ١٩٦٨م في حي آسية في الأحواز المدينة.

هنالك أجهزة أخرى في مدن أخرى لا يتسع المقال لذكرها لعبت دورًا أفضــل مـــن جهــاز الجرامافون في الحفاظ علـى بعـض مـن الإنتـاج الفني حينذاك. حتى الآن تتوفر أعداد من أشرطة جهاز البكرة المهتمين باقتناء الأدوات المختصة بالتسجيلات، كذلك لدى هواة الموسيقى الأحوازية.

 

مراكز التسجيل ازدهار الذوق الموسيقي الأحوازي (۱۹۷۱-۱۹۸۰)

 

إنشاء مراكز الإنتاج الموسيقي في الأحواز كان نتيجة ضرورة ثقافية وهووية وفنية ملحة جدًا؛ إذ توفرت الشروط الموضوعية لهذا الأمر، كما كان الفن الموسيقي الأحوازي نحو الاندثار والنسيان لأسباب معلومة، منهـا وجـود المذياع وانتشار الموسيقى الغربية في بعض المدن الأحوازية الصناعية وبالأخص الأغاني الفارسية المدعومة بصورة ممنهجة من قبل النظام – الشاه محمد رضا آنذاك – وكانت الأغنية الفارسية تحظى بتمويل من قبل مؤسسات الدولة والإعلام المسموع والمرئي والمكتوب، بينما الموسيقى الأحوازية كانت مهمشة ودون وجود أي معهد أو مؤسسة للفنون ترعاها وتطورها أو حتى تحافظ عليها، بل كان الفنان يواجه القمع والسجن أحيانًا كثيرة. ففي هذه الظروف كيف يمكن للموسيقى الأحوازية أن تواكب العصر أو تتقدم ؟ بل وكيف تحافظ على وجودها ؟ فمــن هذا المنطلق تأسست مراكز التسجيل ساهم مجيء أشرطة (الكاسيت) التسجيل في تسهيل حصــول الـنـاس عـلـى الإنتاج الموسيقي، لأن آلة الغوان (الجرامافون) لــم يحصل عليها إلا قلة من الناس، بسبب تكلفة هذا الجهاز الباهض كذلك تكلفة جهاز البكرة رغم أنه كان أقل تكلفة من جهاز الغوان، بينما مجيء ء الشريط في العالم، وبالأخص في المجتمعات المقموعة (الكاسيت) أحدث ثورة في التسجيل الصوتي أو التي تفتقد المؤسسات الثقافية والفنية.

بدأت مراكز التسجيل عملها عام ١٩٧١م في الأحواز، وتكاثرت شيئًا فشيئًا في العديد من المدن، معظمها في الأحواز المدينة ومدينة عبادان. بينمـا بعض المدن لم تتأسس فيها مراكز للتسجيل، وهذا الموضوع بحد ذاته يحتاج إلى دراسة ثقافية – تاريخانية لفهم الظروف الموضوعية والذاتية للمدن التي تأسس فيها مراكز التسجيل والمدن التي لم يتأسس فيها.

اتحــدت مراكز التسجيل الأحوازية عام ١٩٧٥م باقتراح من ناصر الشميلي، لأجل التنسيق الفني وتطويره، وبالفعل ساهم هذا التعاون الفني في ازدهار الأغنية الأحوازية، والفن الموسيقي بصورة عامة، كما ساهم في تحسين ظروف الـفـنــان ومكانته في المجتمع. استمر هذا التنسيق حتى ثورة عام ۱۹۷۹م، ثم توقف النشاط الموسيقي الأحوازي عام ١٩٨٠م. يجدر ذكر سنة تأسيس ابرز مراكز التسجيل الموسيقي في الأحواز.

أسس عبدالزهراء المقدادي مركزا للإنتاج الموسيقي في حي الكواخة في الأحواز المدينة في علم ١٩٧١ م- ١٩٨٠ م .

أسس «سعدون بلام زاده» مركزا للإنتاج الموسيقي في مدينة عبادان عام ١٩٧١م – ۱۹۸۰م.

أسس «ناصر الشميلي» مركزا للإنتاج الموسيقي في حي رفيش في الأحواز المدينـة عــام ۱۹۷۲م – ۱۹۸۰م.

أسس «محمد أحمد زاده» مركزا للإنتـاج الموسيقي في مدينة عبادان عــام ۱۹۷۲م- ۱۹۸۰م.

أسس «ظاهر البدوي» مركزا للإنتاج الموسيقي في العامري في الأحواز المدينـة عـام ۱۹۷۳م – ۱۹۸۰م.

أسس كاظم الموسوي مركزا للإنتاج الموسيقي في العامري في الأحواز المدينــة عــام ۱۹۷۳ م – ۱۹۸۰م.

أسس «مراد الكعبي مركزا للإنتاج الموسيقي في مدينة عبادان عام ۱۹۷۳ م – ۱۹۸۰م.

أسس «عبد الزهراء شكوهي» مركزاً للإنتاج الموسيقي في مدينة الحميديـــة عــــام ١٩٧٤ و -١١٩٨٠م.

 

حظر التقديم العربي للأغاني الأحوازية

 

حظر جهاز أمن «السافاك» عام ١٩٧٥م، التقديم العربي المعهود في تسجيل الأغاني العربيـــة وفَرَض التقديم باللغة الفارسية، إذ كان بدايـــة التسجيل أو الجلسة الفنية؛ أحد أعضاء الفرقة الموسيقية، يقدم كل أعضاء الفرقة التي من باللغة العربية، كذلك يذكر مركز التسجيلات والمسؤول عن المركز وعنــوان المركز وسنة تسجيل الأغنية، وكان هذا التقديم بمثابة سجل الأغنية أو الجلسة الفنية.

بعد الحظر كانت بعض الفرق الموسيقية تتحدى وتقدم الأغاني باللغة العربية، لذا تعــد تتعرض لمتاعب جمـة وعندما تقبلت الجهات الأمنية التقديم باللغة العربية بإصرار من الساحة الفنية، ضغطوا على مسؤولي المراكز أو الفرق الموسيقية أن تقدم بالعربية، لكن من دون ألف ولام أي ينطقون الأحواز من دون ألف ولام (أحواز). كانت هذه السياسة الثقافية تهدف إلى إضفاء الطابع الفارسي على أسماء المدن والأماكن الأحوازية. جاء هذا الفرض الثقافي واللغوي في منتصف السبعينات من القرن العشرين. لكن معظم مراكز التسجيل رفضت بصورة قاطعة وتقبلت الثمن مهما كان عسيرا. غير أن بعض مراكز التسجيل التي كانت بإدارة مستعربين أو من الوافدين من ديار أخرى تقبلوا حظر التقديم العربي، مثل مركز تسجيلات محمد أحمد زاده في مدينة عبادان، إذ غير تسمية «عبادان» الأصلية بـ(آبادان)، بينما زميله في المدينة ذاتها، «سعدون بلام زاده رفض تزييف اسم المدينة واستمر في التقديم العربي وذكر اسم مدينة عبادان. كما هو هذا الحظر اللغوي نوع من الإبادة الثقافية واللغوية وإحلال لغة أخرى مكان اللغة الأصلية للفنانين بصورة قسرية.

 

ثورة عام ۱۹۷۹: مشاركة فاعلة وآمال أشبه بالسراب

 

شارك الفنانين، إلى جانب جميع شرائح المجتمع الأحوازي في ثورة عام ١٩٧٩م، لها المقام. واستبشر الجميع خيرًا في التغيير المنشود ودفعوا أثمان باهضة، لكن بعد تثبيت دعائم الثورة واستقرارها، تبخّرت الشعارات المنادية بالحرية والعدالة وحقوق الشعوب.

تعرضت هذه الشريحة للملاحقات والاعتداء وتشويه السمعة، كما أن جميع مراكز التسجيل اغلقت عام ۱۹۸۰م، وصودرت ممتلكاتها ومقتنياتها. هذه الأعمال سببت تدمير جانب كبير من الذاكرة الفنية الأحوازية والتي هي جزء من

تعرضت هذه الشريحة للملاحقات والاعتداء وتشويه السمعة، كما أن جميع مراكز التسجيل اغلقت عام ۱۹۸۰م، وصودرت ممتلكاتها ومقتنياتها. هذه الأعمال سببت تدمير جانب كبير من الذاكرة الفنية الأحوازية والتي هي جزء من

الهوية الثقافية المعاصرة، وضاع أرشيف كبير جدا من الصور والأشرطة (كاسيتات) تعــد سجلا للتاريخ الفني والأحوازي المعاصر.

اضطر الكثير من الفنانين إلى ما يسمى «التوبة واعتزال الفن نهائيًا، كما البعض الآخر منهم اضطروا أن يصبحوا رجال دين أو منشدين دينيين، أما الذين حاولوا الاستمرار أو لـــم يعلنوا التوبة تعرضوا لمتاعب جمة، بل تعرّض بعضهم للجلد أمام مرأي من الناس. ومنهم من تعرض للاعتقال ودفع مخالفات مالية كبيرة للتخلص من العقاب. كل هذا لأنهم فنـانــون اهتموا بالثقافة الفنية.

يُذكر أن بعض الفنانين استمروا بالفن في القرى النائية لأنها بعيدة عن الأعين، غير أن بعضهم كان يُكتشف أمرهم، كما يُذكر أن الفنان حمدي صالح تعرّض للاعتقـــال هــو ومـــن كان معه، بعد عودتهم من حفل زفاف فــي قـريـة العلـوانــة البعيدة عن مركز الأحواز المدينة عام ١٩٨٤م، وحكم عليهم بالجلد. كذلك حدث للفنان هاني الثامري أمر مماثل؛ إذ كان في حفل زفاف في حي قلعة كنعان في الأحواز المدينة عام ۱۹۹۷م، فدخل عليهم الجنود ومعهم ضابط وصادروا الآلات الموسيقية وحصل إطلاق نار من القوات لتفريق الجمهور” (١٢). وحدث في وقت آخر أمر مماثل في قرية السويسة، إذ تعرض الحضور للعنف والضرب وكان من بينهم كبار في السن، وهناك أحداث أخرى لايتسع لها المقام.

 

تسجيل: الوادع: نهاية مأساوية لمسيرة فـنـيـــة مُعَذِّبة

 

بعد أن تأكد لمسؤولي مراكز التسجيل نهاية مسيرتهم الفنية والثقافية، سجلوا آخر الأشرطة التي يمكن تسجيلها من أبرز الفنانين الذين تقبلوا المجازفة والتسجيل في المراكز. هذه التسجيلات عُرفت بأغاني «الوداع»، ومعظمها كانت أغاني حزينة تظهـر خيبة جيل من الفنانين قدموا كل ما لديهم من الأجل الرقي بالإنسان ومكانته وحقوقه، ودفعوا ألمان باهضة من المتاعب والجهود الذاتية في الفن، إلى تحمل السجون والمعتقلات والتعذيب، لكي يستمر الفن ويستمر الإنسان بإنسانيته. لكنهم شعروا بالمأساة التي ستحل بهم قريبا، لذا استقبلوها لا حول لهم ولا قوة. ربما كانت أول شريحة بالمجتمع شعرت بالخيبة من النتائج هي شريحة الفنانين، كذلك هم أول شريحة دفعوا ضريبة التغيير.

يظهر في تقديم شريط من أشرطة الوداع، اجتماع مسؤولي مراكز التسجيل الأحوازيين في مكان واحد، وهم ناصر الشميلي، وظاهر البدوي، وعبد الزهراء المقدادي، وسعدون بلام زاده وقد غنى في ذلك الاجتماع الفنان القدير عبد الأمير دريس، بصوت يقطـر حزنًـا وخيبة وكان هذا في العام ۱۹۸۰م وكان آخر اجتماع فني في تاريخ مراكز التسجيل الموسيقي الأحوازي تألفت الفرقة الموسيقية، من ضابط الإيقاع رحيم طرفي، وضابط الإيقاع الريفي رزاق كريم، وعازف السنتور محمد سعيد كنعاني وبإشراف عازف الكمان عبد الله خضير أما الكلمات التي غناها عبد الأمير دريس كانت للشاعر الغنائي مرد عبد الحسين مقدم. بعد هذه التسجيل لم يسجل أي شريط في مراكز التسجيل على الاطلاق.

 

عودة الأغنية الأحوازية بعد تغييب طويل (١٩٩١م -٢٠١٢م)

التغيير السلبي في بنية الخطاب الثقافي للأغنية الأحوازية

 

بعد حظر عمل مراكز التسجيل ومنع الفنانين عام ١٩٨٠م ساءت أوضاع الفنانين والفن على حد سواء. استمر هذا الحظر الشديد حتى عام ۱۹۹۱م أي عندمـا فكـكـوا منظمة الـ كميته وأحالوا عناصرها إلى قوات الشرطة والأمن العام هذه المنظمة كانت تمارس التفتيش والعقاب، ضد القيم والأيديولوجية التي كانت تؤمن بها. وكانت صارمة جدا في تنفيذ العقاب ويذكر أن معظم المحاكمات كانت في المكان ذاته.

تعرضت الموسيقى الأحوازية لهزات كبيرة أثناء هذه السنوات الطويلة بالنسبة للتاريخ الموسيقي المعاصر، كما أنها قبل هذا لم تكن بوضع يُحسد عليه، بينما الموسيقى الفارسية لم تتأثر كثيرا، بل استمرت كما كان وضعها في السابق لأن خلال العقود التي سبقت الثورة، حصلت على تراكم فني وثقافي واجتماعي كبير جدا، كما أن أغلب فناني الموسيقى الفارسية كانوا من الطبقة المترفة ولها رصيــد اقتصادي واجتماعي ممتازين جدا، وعندمــا ينزعـــج الفنان الفارسي يهاجر إلى دول أخرى بأقل جهد ممكن، فكان الفنانين يهاجرون إلى أمريكا، وهناك تتـاح لهم فرص أكبر للإنتاج الموسيقي، كذلك كان الفنان الفارسي يمارس الفن الموسيقي ويسجل الأغاني دون اللجوء إلـــى الغنــاء فـــي حـفـــلات الزفاف وأماكن مشابهة عكس ما يضطر لفعله الفنان الأحوازي بسبب الضرورة والعسر المعيشي وفقدان الدعم.

عاد بعض الفنانين إلى الفن بتوجس وخوف لكن معظمهم حتى نهاية حياتهم وكبر السن كانوا خائفين من العقاب، بسبب السنين الطويلة من التخويف الذي تراكم في شخصيتهم.

معظم الذين شغلوا الساحة الفنية بعد عام ١٩٩١ء كانوا من الجيل ذاته الذي تنبع من الفن قبل عقد من الزمان أمثال الفنان رزاق شاخورة، وعبد الأمير دريس، ويونس خلف، وحسين العنقي، وحبيب البندقيلي، وعاصي الزنبوري وغيرهم من الفنانين الرجال، بينما انحذفت الأصوات النسائية الجميلة على الإطلاق. كما عودة هذه الكوكبة من الفنانين لم تكن عودة إبداع أو عطاء جديد يتناسب مع التقدم الموسيقي في العالم أو حتى الهويات الموسيقية المجاورة، بل كانت عودة خجولة ولأجل عيش كريم بعد سنوات مشبعة بالفقر.

لكن مع الأعوام الأولى من القرن الواحد والعشرين ظهر بعض الفنانين الشباب اكتفى معظمهم على مستوى حفلات الزفاف والمناسبات، وكان بمثابة استمرار المسلسل التاريخي والفن العصامي غير المدرب غير أن الاختلاف بين هذا الجيل الجديد والذي سيقه أن هذا الجيل لم يتشرب الفن الراقي ويطغى عليه التخلف الاجتماعي والثقافي كما أنه يفتقد لعنصر الجمال الفني والإبداع. ولهذا أسباب عدة، منها عدم الاتصال بالفنانين ومنابع الموسيقى العربية؛ أي لم تتوفر لهم الفرصة التي توفرت للجيل الذي قبلهم، لكن الظروف الذاتية هي السبب الأهم في عدم تطور الجيل الذي ظهر بعد عام ٢٠٠٠م، لكن، من بين هذا الجيل، ظهر فنان اكتسح الساحة الفنية منذ عام ٢٠٠٤م حتى الآن، وتأثر بفنه جيل بأكمله من هواة الغناء الأحوازي هو الفنان عباس الإسحاقي، الذي تميز بصوته وألحانه الجميلة وكذلك بكلمات الأغاني التي ينتقيها، وقد ساهم كوكبة من الشخصيات الأدبية والثقافية والسياسية في تقويم مسيرته الفنية، ومن أبرز هذه الشخصيات، الشاعر الحماسي حميد أبي أمجد الحيدري.

 

الفنان أحمد كنعاني فنان واجه العواصف بالفن

 

ولد الفنان أحمد كنعاني عام ١٩٢٧م في قرية بريم التابعة لمدينة عبادان في الأحواز، في أسرة لها مكانة اجتماعية مرموقة، تعلم أحمد كنعاني الغناء للوهلة الأولى من أمه؛ إذ كانت تجيد الغناء والنعــي معـا، لكن، بسبب منع والده له كان يمارس الغناء خفية بين أقرانه في بساتين النخيل وخلواتهم، ثم بعد أن توفي والده أعلن عن شغفه بالغناء والموسيقى مرة أخرى.

تعاون مع فرقة إبراهيم السلمان الموسيقية بصورة تجربية، كما للوهلة الأولى غنى «الأبوذية، ثم بعد أن توفي مسؤول الفرقة، رشحه الأعضاء مسؤولا جديدا للفرقة، وتقبل المسؤولية، ولأجل تطوير الفرقة، ذهب للكويت لجلب الآلات الموسيقية الجديدة. وهكذا جدد الفرقة بآلات موسيقية حديثة، إذ بلغ أعضاء الرفقة الموسيقية فيما بعد قرابة الأربعين شخص.

 

 

عندما تأسست إذاعة مصفاة النفط بعبادان عــام ١٩٥٣م، تمت دعوته للمشاركة في الإذاعة فكان أول أحوازي يشارك فيها بالفن الأحوازي وكانت الإذاعة تبث باللغة الفارسية والإنجليزية إلى جانب فسحة ضئيلة للبث باللغة العربية لا تتجاوز الساعة الواحدة لكل يوم، فانتهز أحمد كنعاني هذه الفرصة لإيصال الموسيقى الأحوازية للمجتمع الأحوازي. لا شك أن دافعه للتعامل مع الإذاعة هو عدم وجود بديل لهذه المهمة التي كان يشعر بمسؤولية إيصالها للمجتمع.

تعرض للاعتقال عام ١٩٦٦م وحكم عليه بالسجن عدة سنوات بسبب تمثيلياته وأغانيه الهادفة، إذ لم يتحمله جهاز المخابرات (السافاك)، لذا نفذوا ضده أقسى العقوبات الجسدية والنفسية كما تعرض للتعذيب بالكهرباء، وهموا بعض أسنانه لثنيه عــن فـنـه الهادف، لكنه، دفع الثمن وعاد للفن فور خروجه من السجن.

كان مُراقبا من قبل جهاز المخابرات «السافاك» فإذا أراد أن يذهب لحفـل مــا فـــي مـــن أحوازية أخرى خارج عيادان، كان يتوجب عليه أن يذهب لفرع «السافاك» في مدينة عبادان ويخبرهم عن المدينة والعنوان البيت الذي يريد أن يجري

حفلا فيه، فيجد فرع تلك المدينة قد أرسلت عنصرًا لها في الحفل لمراقبة مجريات الحفل والكلمات التي يغنيها. يروي ابنه الفنان شهاب أحمد كنعاني، أنه كان برفقة والده في حفل بمدينة الحميدية، وبعد الحفل توجهوا إلى بيت في المنطقة ذاتها، فغنى الوالد أبياتًا من طور العلوانية لامرأة، فبكت بحرقة، ثم تبين أن هذه الأبيات كانت لشقيق تلك المرأة الذي أعدمه نظام الشاه قبل مدة من الزمان، كما أنه كان قد تعرّف إليه في السجن وحفظ تلك الأبيات عنه. تم توبيخ الفنان أحمد كنعاني لأجل موقفه هذا، الذي فسره النظـام نـوع مـن التحريض ضد السلطات.

كان يتمتع بمعنويات عالية رغم الضغوط القاسية التي كان يواجهها، والعبء الفني والثقافي الذي كان يشعر بمسؤوليته، كما أنه كان محبوبا لدى عامة الناس، فالجميع، عندما يلقونه في مكان ما يقدمون له التحيات، وهذا الموضوع ذكره جملة من الفنانين الذين عاصروه وتعاونوا معه.

شارك الفنان القدير أحمد كنعاني في إثارة كثير من القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية التي كان يخاف أهل الفن الاقتراب منها، لكنه تجاوز الخطوط الحمر المرسومة حينذاك. سجل تمثيلية لمركز تسجيلات محمد أحمد زاده لكن امتنع المركز من نشر التمثيلية بسبب المحتوى الذي تتضمنه هذه التمثيلية، غير أن الراحل أحمد كنعاني، طلب أن ينشرها بنفسه، وهو وحده يتقبل مسؤولية هذا العمل الفني.

تجدر الإشارة أنه كان ضمن اهتمامات الفنان أحمد كنعاني تحسين ظروف المرأة ورفع مكانتها الاجتماعية والاهتمام بحقوقها، وتصحيح الثقافة الخاطئة تجاهها. من المحتمل أنه تشرب هذه النظرة من الوسط السياسي والثقافي الذي عايشه في سنوات السجن.

سجل أحمد كنعاني علوانية في الكويت برفقة الفنان سيد جواد فكان في المجلس عدد من الأحوازيين الحزبيين وكذلك يعقوب آل ناصر، شقيق الشهيد محي الدين آل ناصر، لذا فـور عودتهما تعرضا للاعتقال، كما أن العلوانية ذاتها كانت لدى جهاز المخابرات «السافاك»! أطلق سراح الفنان سيد جواد بعــد مـدة قصيرة، بوساطة من أحد الشيوخ المقربين من المخابرات في عبادان. أما الفنان أحمد كنعاني ظلَّ في السجن لمدة طويلة، يُذكر أن كلمات الأغنيـة هـي الأبوذية المشهورة التي تنسب للشهيد عيسى المذخور.

حول الفنان أحمد كنعاني معاناة السجن إلــى فرصة لتطوير طاقاته، فتعلم القراءة والكتابة، كما تعرف على الأيديولوجيات التي كانت سائدة حينذاك، مثل اليسار السياسي، والشيوعية وكذلك الأحزاب السياسية والعمالية والقومية وهذا ما جعل أعماله أكثر نضجا من ذي قبل.

كان يحضر في المجالس الشعرية التي تقام شهرياً في مدن ومقاطعات عدة مثل؛ المحمرة، ودور خوين ومسير الكرخة، وكارون، والقصبة. معظم هذه المجالس التي كانت تقام في بيوت الشعراء والشخصيات المهتمة بشأن الشعر؛ هي بمثابة الندوات الثقافية التي حرم منها المجتمع الشعراء معا.

عاش الفنان أحمد كنعاني تجربــة حــب ناجحة وغير مألوفة في الوقت ذاته؛ إذ كان من المقرر أن يتزوج ابنة عمه لأن أسرتيهما قد قررا لهمــا مـذ كانا طفلين، لكنه، خرج عن المألوف ورفض هذا القرار، وساقه شغفه بالفن إلى علاقة حب مع شقيقة صديقه وزميله في الفن. واجه مشاكل عديدة مع أسرته، أما النجاح اصطف إلى جانب التغيير الإيجابي. كما أن زوجته كانت رفيقة درب قوية تشجعه للاستمرار في عمله المحفوف بالمخاطر.

يذكر بعض معاصري الراحل أحمد كنعاني أنه كان يستمع كثيرًا إلى محطات الإذاعة خاصة إذاعة «القاهرة» ثم إذاعة «صوت العرب» التي تأسست عام ١٩٥٣م، وقد تأثر بتقديم المذيع المصري الشهير أحمد سعيد وكان لا يفوت نشرة من نشرات هذا المذيع التي بلغت شهرة عالمية إبان صعود المد الناصري بين الجماهير العربية. وتحت هذا التأثير سمى الراحل أحمد كنعاني أحد أبناءه بـ محمد سعيد» تأسيا باسم المذيع المصري أحمد سعيد.

 

 قلة الإمكانات ذكاء أحمد كنعاني واستقطاب الطاقات الفنية

 

تاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر، هو في الواقع تاريخ قرن من التهميش والطمس سواء أكان من قبل المعاهد الفنية الخاصة أو الحكومية واستمرت الموسيقى الأحوازية إلى اليوم بقدرات ذاتية بسيطة جدا، لكن بهمم عالية من جانب الفنانين لكي تستمر الأغنية الأحوازية بالحياة وتحافظ على خصوصيتها، إلى جانب السعي لتطويرها وتحديثها، كي تواكب العصر وثقافته وضروراته.

انهمك الفنان أحمد كنعاني منذ بداية مسيرته الفنية، بتطوير الموسيقى الأحوازية واستقطاب الطاقات الفنية، وكانت له محاولات مصيرية في والقرى. هذا الشأن ليست من المبالغة بشيء عندما لقب من قبل الوسط الفني الأحوازي به أبو الفنانين لدوره الكبير في استقطاب الطاقات الفنية المحترفة من جهة وتربية طاقات فنية مبتدئة من جهة أخرى.

بدأ تأمل أحمد كنعاني في وضع الموسيقى الأحوازية بعد أن لامس وعايش السياسة الثقافية التي ترمي إلى تهميشها وطمها لكنه، وجد أن الواقع المفروض بدرجة من الصعوبة والاستبداد لا يمكن مواجهتهما، لذا حاول أن ينقذ خطوات أقل تكلفة وفي الوقت ذاته تخدم الموسيقى الأحوازية بصورة جذرية وهذه الخطوات هي بي أنه بدأ يرتاد معهد الفنون الجميلة، الكائن في مدينة عبادان آنذاك، يتابع الذين يرتادون المعهد للتعلم كان المعهد خصيصا لخدمة الثقافة الفارسية بشكل مطلق دون أي اهتمام للموسيقى الأصلية لهذه المدينة العريقة.

كانت غايته من الاختلاف إلى المعهد أن يتعرف على المتعلمين الأحوازيين في المعهد فيستقطبهم إلى ساحة الفن الأحوازي، ونجح في استقطاب بعض المتعلمين بالعزف على بعض الآلات الموسيقية، أي أن استقطابه كان في مجال قناني الآلات الموسيقية فقط، بينما مواهب الغناء كان يكشفها في الحفلات وجلسات الأفراح التي تقام في مختلف المدن والقرى.

هذه الخطورة الذكية التي اعتمدها الراحل أحمد كنعاني ساهمت في تحديث وتطوير أدوات الموسيقى الأحوازية، إلى جانب رفع مستوى الذوق الفني لدى الوسط الفني والجمهور معا. من الإنجازات التي تكتب للفنان أحمد كنعاني الله سعى لتوسيع رقعة الموسيقى الأحوازية لأن بعض المدن كانت تعاني حالة جمود أمام الهيمنة الثقافية التي روج لها النظام بواسطة المؤسسات وكذلك بواسطة الفن، وبالأخص الموسيقى الوعي بهذه المخاطر الهووية دفع أحمد كنعاني للتفكير في حل يقلل من هذه الهمينة، ويحافظ على الهوية الثقافية، وعلى رأسها اللغة العربية، خاصة بعض المدن مثل رامز والخلفية وتستر والسوس والعقيلات ورغيوة هلشكل) وقلعة هيكل الالي) ومناطق أخرى مثل (باشت باوي) في مدينة إيذج، لذا أسس بعض الفرق المتكونة من أربعة أشخاص ليتسع العمل والتأثير الثقافي، حدث مرة أن سأله ابنه الفنان محمد سعيد عن سب سبب ذهابهم للقرى العربية النائية رغم صعوبة الطريق، وإقامة حفلات زفاف شبه مجانيـة للناس! فأجابـه الوالد: «إن لم نذهب لهم سيفقدون لسانهم ثم إذا عادوا إلى ثقافتهم العربية، سنذهب لهم إزاء مقابل مثلما نأخذ من غيرهم في المدن الأخرى. هذا الموقف يفسر لنا مدى وعي يعاصرها، ولم يحدث أن تكررت شخصية فنية هذا الفنان بالقضايا الثقافية والهووية التي كان تماثل المستوى الذي وصل إليه هذا الفنان العبقري.

فقد رجليه بسبب الداء السكري، مما جعله يستخدم الكرسي المتحرك، لكن هذا لم يؤثر سلبيا على معنوياته؛ إذ حدث مرة أن شاهدته شابة عائدة من المدرسة وهي من الحي ذاته الذي يعيش فيه الفنان أحمد كنعاني، وقد كان يدفع إطار الكـرسـي بـيـده، فوقفت بالقرب منه تتأمله بحزن، مما أثار انتباه الراحل، فحاول أن يبدد حزنها قائلا: «أما تعلمي أني بترت رجلي لأجل الموضة» فضحكت الشابة.

توفي الفنان القدير أحمد كنعاني بعد مسيرة فنية وثقافية مثمرة، في ٢٨ من شهر أغسطس عام ۱۹۹۳م متأثرا بداء السكري وتأثير السنين المريرة التي قضاها في السجون.

 

تمثيليات أحمد كنعاني اندماج الفن والوعي المرحلي

 

عرف المجتمع الأحوازي، تمثيليات الفنان أحمد كنعاني، وتفاعل معها وتأثر بها؛ إذ لم يكن بينًا أحوازيا يخلو من أشرطة تمثيلياته حينذاك. كذلك كان الشباب يتسابقون إلى حفلاته حيثما كانت. مواضيع التمثيليات التي كان يؤلفها بمساعدة الفرقة تناقش قضايا ثقافية واجتماعية وسياسية مهمة للغاية، إذ يمكن ملاحظة الصراع الثقافي غير المتكافئ في تمثيلياته، إضافة إلى الأزمة اللغوية التي طرأت على المجتمع الأحوازي، خاصة في مدينة عبادان لأنها شهدت هجرة منظمة وغير طبيعية إليهـا مـن قوميات أخرى. فهذه الأزمة كانت موضوعة أصلية في مجمل تمثيلياته، واستطاع بذكاء ثقافي وفني أن يصور الوضع اللغوي في عموم الأحواز وينبه الجمهور تجاه اللغة القومية.

انعكست اهتمامات وهواجس الفنانين في الإنتاج الفني الأحوازي؛ إذ انهمك أمثال أحمد كنعاني بإيصال الرسالة أكثـر مــن العمل لتطويــر المستوى الفني، وهذا بحد ذاته جريمة أخرى من قبل السلطات ومؤسسات الدولة بحق الفن الأحوازي والفنانين والمجتمع بأكمله، بينما الفنان الفارسي لم يكن يجرب هذه المعاناة أو الهواجس، بل كان همه الوحيد هو أن يطور مداركه الفنية، كما الظروف مهيأة له على جميع الأصعدة ولمستويات.

تصور لنا تمثيلية «السفر» أو «أبو هطك” (١٣) زوجين أحوازيين يعيشان حالة فقر مدقعة تتداين الأسرة من الجيران باستمرار، تطرق الزوجة (نادرة) أبواب الجيران للحصول على أبسط الحاجات اليومية التي تختص بالبيت من خلال حوار الزوجين، يتضح أنهما لا يملكان شيئًا في البيت. تضعنـا هـذه التمثيلية أمام الوضع السائد حينذاك، أي فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين. تبرز موضوعة وجود شركة النفط، أي الحلم المستحيل بالنسبة للإنسان الأحوازي: الشروة التي لم يدق منها غير الدخان. لكن تظهر التمثيلية الكسل الزوجين بينهما، بينما كان المساعد يشاهدهما، الاجتماعي من جهة أخرى؛ إذ إنه كان مأزقا ثم عادا للنقاش معه، لكن فاجأهمـا بصفع اجتماعيا يضاعف التأثيرات السلبية للسياسة الممنهجة لتفقير المجتمع الأحوازي.

شخصية «أبو هطك» ترمز للإنسان الكسول الذي يكون عالة على الآخرين تقول الزوجة (نادره) في حوارها مع زوجها: (أتحمل كل شيء إلا الجوع). يجدر التوقف عند هذه النقطة تحمل الجوع أو سده مقابل تحمل كل شيء الرسالة التي تضع المتلقي أمام قراءات صعبة وقرارات أصعب، خاصةً إذا أردنا أن نفهم التمثيلية فهما تاريخانيًا يتناسب وتلك المرحلة.

تبرز قضية الأزمة اللغوية في أغلب حوارات الزوجين، كذلك مع شخصيات أخرى في التمثيلية، مثل بائع تذاكر السفر، ومساعد سائق الحافلة خاصة مع بائع التذاكر وهو موظف وعدم الفهم اللغوي بينهما سبب أخذ تذاكر من غير السكان الأصليين العرب في عبادان لمكان غير الذي اتفق عليه الزوجين. إذ اتفقا للسفر لمكان غير الذي فهمه بائع التذاكر يظهر من خلال الحوارات أن الموظف الوافد يستعلي عليهما لكونهما لا يجيدان الفارسية، ويتذمر منهما، وهي نتيجة ثقافة الهيمنة التي تشربها الوافدين بشكل ممنهج ومنظم من خطاب الدولة وسياساتها الثقافية والاقتصادية تعرج التمثيلية إلى صلب الأزمة رويدا رويدا إذ ما سبق كان تمهيدا. يبدأ نقاش «أبو هطك» ونادرة» مع مساعد السائق، عندما يعترضان بأن مكانهما في مؤخرة الحافلة وبالذات قرب محرك الحافلة غير مناسب ومؤذ لكنهما يواجهان صعوبة في التوصل إلى حل مناسب معه، بسبب الحاجز اللغوي الذي بين الجهتين؛ إذ كان المساعد من غير السكان الأصليين، بعد اشتداد النقاش صفع المساعد على حين غفلة «أبو هطك” فكان رد الفعل غير مدروس، إذ صفع “أبو هطك” زوجته بدلا من صفع المساعد! مما تسبب بانشغال الزوجين بينهما، بينما كان المساعد يشاهدهما، ثم عادا للنقاش معه، لكن فاجأهمـا بصفع «نادرة»، وظل الزوجين أمام موقف حرج لا يعرفان التعامل السوي مع الحالة، بينما استمر المساعد يهينهما ويصفهما بالحمق لكونهما لا يجيدان التعبير بالفارسية، دون رد فاعل منهما يعرفان التعامل السوي مع الحالة، بينما استمر المساعد يهينهما ويصفهما بالحمق لكونهما لا يجيدان التعبير بالفارسية، دون رد فاعل منهما تجاه اهاناته واعتدائه عليهما.

ترسم هذه التمثيلية ملاح شريحة كبيرة في المجتمع، عاشت الهشاشة والضياع والانفعال السلبي أمام الوافد الجديد، شريحة ليست فقط مسلوبة الحقوق، بل بسبب غياب الوعي والفاعلية تعرضت لمهانة وإذلال مضاعف. استطاعت هذه التمثيلية أن تحلل التغيرات الجحيمية التي طرأت على المجتمع حينذاك. لكن في تمثيلية «طريق الشوش» يناقش الفنان أحمد كنعاني موضوعا محظورًا حينذاك. التمثيلية تصوّر أشخاصًا يسافرون من مدينة عبادان إلى مدينة السوس بغية زيارة مقــام النبي دانيال، وكل الأحداث التي ناقشتها التمثيلية مقدمات لكسر صنم رمز السلطة، أي الشرطي أو ما يسمى بـ (الآمني) لدى عامة الناس، كان الراحل أحمد كنعاني على علم عميق بخوف المجتمع من السلطة ورمزها «الشرطي» لذا عمد إلى هذه التمثيلية بذكاء فنــي خـــلاق وساهم في هدم الصنم المرعب الذي صنعته مؤسسات النظام حينذاك. لكن قبل تمثيلية طريق السوس كانت هنالك تمثيلية، أهـم ما قدم الراحل أحمد كنعاني، هي تمثيلية «أم خضير واجهت حظرًا باتا من جهاز المخابرات تمثيلية أم خضير» تصور إنسانا أحوازيا يجابه شرطيا بعد تعرضه للإذلال منه، مما دعا المخابرات أن تفسر التمثيلية على أنها تشجع الإنسان الأحوازي لمواجهة النظام وأنها تهدم جدار الخوف الذي استحكم خلال ثلاثة عقود من القمع المستمر وقتئذ.

لم تختصر تمثيليـــات الـراحــــل أحمـــد كنعانــــي على قضايا سياسية، بل دمج بين الاجتماعي والسياسي والثقافي، يمكن ملاحظة بعض القضايا الاجتماعية الموجودة في المجتمع حينذاك. تظهر تمثيلية المقيط» الإنسان الأحوازي واغترابه وضياعه في وطنه، بينما الوافدون يستولون على الوظائف. تصور لنا بطل التمثيلية، شخص فقير يغريه شاب بالثراء السريع، وامرأة أرملة تستجدي المال، وكذلك شاب سكير يستجدي لأجل مزيد من السكر. هذه الشخصيات كلها مهدورة وضائعة ومغتربة في مدينة عبادان النفط والفقر، لكن يقابلها شخصيات من غير السكان الأصليين؛ سائق سيارة، ومالك مقهى، ومالك نزل للمسافرين اللقطة الطريفة حدثت عندما بطل التمثيلية يحاول مواجهة مالك المقهى، لكنه لا يعلم لأي سبب يريد مواجهته إنه أراد مجرد المواجهة دون أن يعي الدافع والأسباب والنتائج، مما يجلي للمتلقي مدى ضياع السكان الأصليين في التمثيلية. لكن التمثيلية ذاتها، لم تتمكن من تقديم قيمة اجتماعية إيجابية للمتلقي الأحوازي بمعنى أنه لم ينتج محتوى يدفع الشخصية الأحوازية إلى الوعي الذاتي وتقبل قيم تنمي شخصيته وفهمه لذاته والعالم وما يجري حوله لكي يتمكن أن يتعامل بوعي مع الظروف.

بطرح الراحل في تمثيلية – أريد أخطب أمرأه (١٤) موضوعًا اجتماعيا مهما للغاية، وهـو الزواج من القوميات الأخرى في مرحلة تاريخية-ثقافية-لغوية مصيرية للغاية. يتعرف بطل التمثيلية على «دلال» يجد نساء للزواج من قوميات أخرى في أقاليــم أخـــرى، فيغريـــه للذهاب إلى «بروجرد» فيتفق معه بالذهاب والزواج من امرأة من ذلك الإقليم تظهر مرة أخرى الثنائية اللغوية العربية الفارسية ضمن موضوعات التمثيلية، وكالعادة مع سائق السيارة. لكن الموضوع الأهم الذي تطرحه التمثيلية هو الاختلاف الثقافي بين بطل التمثيلية الأحوازي وبين المرأة التي وجدها الدلال له، فالخلاف بينهما ظهر قبل أن يتزوجا أو قبل أن يوقع كل منهما على ورقة، الزواج، كما أن التمثيلية أشارت إلى موضوع مهم وهو أن بطل التمثيلية اضطر للوهلة الأولى أن يتحدث الفارسية التي لم يكن يتقنها. وهذه الظاهرة، أي الزواج من خارج القومية العربية في الأحواز كان ينظر إليـه حينذاك، وإلى اليوم من منظار فقدان الهوية والذوبان في ثقافة الآخر، لأنه في واقع الأمر أن الزواج بين العربي وغيــره كـان بـضــر الأحوازي من المنظار الثقافي لأن اللغة الفارسية مدعومة تعليميًا وإعلاميًا واقتصاديًا وثقافيًا، بينما اللغة العربية مهمشة. بمعنى أن مخاوف الانصهار فــي ثقافة الآخر هي التي دفعت المجتمع أن يتخذ هذه الخطوة الاحترازية. الموضوع الآخر الذي تجدر الإشارة إليه، أن الزواج خارج القومية العربية بدأ به عنصر الرجال، واستمر هذا لوقت طويل حتى استشرى إلى عنصر النساء في الآونة الأخيرة.

 

أغاني احمد كنعاني: تعدد المواهب وخصوبة المواضيع

 

غنى الفنان الراحل أحمد كنعاني، أنواع الأطوار والمقامات الغنائية، وكان ناجحا في معظم هذه الألوان الموسيقية. غنى المقام الحويزي، وطــور العلوانية، وطور الساعدية، وطور المحمداوي والأطوار الأخرى وأجادها وأبدع فيها. كمـا غـنـي مع كثير من الفنانين الأحوازيين، مثل؛ يونس خلف، وحبيب البندقيلي، وخضير أبو عنب وجبار معتوق، وسيد جواد، وعبد الأميــر دريس، وعبد الأمير العيداني، وآخرين. كذلك غنـى مـع الفنانات الاحوازيات، مثل؛ جميلــة مـهــدي، وفــاة لطيف، وغيرهما من الفنانات.

كما تجدر الإشارة إلى أنه غنـى ثنائي مــع الفنان العراقي القدير سلمان المنكوب؛ إذ استضاف الراحل أحمد كنعاني؛ الفنان سلمان المنكوب، وظل هذا الأخير في ضيافة أحمد كنعاني مدة غير قليلة بسبب أزمة كان يعاني منها في بلده العراق. كذلــك غـنـي مـع الفـنــان داخل حسن، والفنان شهید کریم، کما غنی في بعض الدعوات في العراق والكويت في فترات مختلفة مع فنانين من هذين البلدين يُذكر أنه كان يغني في حفل دعي له في العراق برفقة الفنان العراقي القدير داخل حسن، فعندما كان يغني واقفا، سمع الجمهور يقولون: «هذا عراقي واضح من صوته وملابسه». ردَّ عليهم الفنان داخل حسن قائلا: «هذا صديقي الفنان أحمد كنعاني من مدينة عبادان في الأحواز ثم غنّى أحمد كنعاني هذا البيت:

 

طلع طوله شبه دانه هوازي

سبع براز شخصيته هوازي

سألته امنين کال آنه هوازي

نشدته: الوطن كال الناصرية

 

ربما أراد الراحل أن يثير ذاكرة المستمعين العراقيين وهواة الفن منهم، ويذكرهم بهوية الإنسان الأحوازي. كما ذكره للناصرية قد تكون إعادة ذكرى أغنية «للناصرية» التي غنتها الفنانة العراقية صديقة الملاية للأمير خزعل قبل عقود وحضورها في قصور المحمرة العامرة والاحتفالات الموسيقية. كذلك غنـى هـذه الكلمات، في حفل زواج عام ١٩٧٥م في مدينة “ملا ثاني” وكان لها تأثير بالغ في الحضور.

الفنان الراحل أحمد كنعاني، إلى جانب الإبداع الفني وإتقان الأطوار، والمقامات اهتم بأنواع الغناء، خاصة الغناء السياسي والاجتماعي اللذين عرف بهما حينذاك، وكان يعتمد على أساليب النقد الساخر لتبيين أوضاع الشعب، الأوضاع الموضوعية والذاتية. ولم يجد حرجًا في تأدية الأغاني التي تقترب من ذوق الشارع بالرغم من ابتعاد أغلب الفنانين من هذا اللون من الغناء، فهذا يظهر مدى تكيفه مع الذوق الشعبي وثقافته ونمط تفكيره، وهذا من أسباب الشعبية التي اكتسبها طوال مسيرته الفنية الزاخرة بالإبداع.

 

الأغاني السياسية: الكوميديا السوداء وتعرية الواقع

 

يمكن ملاحظة توظيف الكوميديا السوداء، في بعض أغاني الراحل أحمد كنعاني وليس في تمثيلياته فقط. لا شك أن نقده للوضع المعيشي للإنسان الأحوازي حينذاك، كان له تأثير إيجابي لفهم الواقع وتحليله، وكذلك ساهم بتطوير الوع السياسي والثقافي؛ إذ كانت أغانيه تنتشر بسرعة وتؤدي الرسالة التي أراد إيصالها للمجتمع، وخاصة الشريحة المعنية والمستهدفة بالدرجة الأولى. أدناه نقرأ كلمات أغنية غناها الراحل أحمد كنعاني إبان قرار شركة النفط إزاء العمال الأحوازيين بعد إعدام الشهداء الثلاثة عام ١٩٦٤م ، كان القرار يهدف للتخلص من العمال الأحوازيين في شركة النفط وجلب العمال اللـر والفرس ومن قوميات أخرى لتغيير التركيبة السكانية وتجويع | لأن التوظيف في الشركة رفع الوضع المعيشي وبدأت تنبثق طبقة وسطى واعية تسعى لتطوير المجتمع شمل القرار كل قطاعات الشركة في المدن التالية: عبادان والمحمرة، والأحواز المدينة ومسجد سليمان. نفذوا القرار بحيلة لا يواجه رد فعل من العمال فخدعوا العمال أنه يمكنهم استلام راتب شهرين من السنة الكاملة، دون المجيء إلى العمل. وهكذا طردوا العرب من الشركة وجيء بغيرهم. وبسبب هذا انبثقت أغنية (أحمد آقا) لنقد الواقع وتوعية المجتمع، فيمكن ملاحظـة شـطر چه ماخذ «بلسنه شهرين»)؛ إذ جعلها مركز الأغنية ليذكر المتلقي المستمع السياسة التي يجرونها لتفقيره. كما تصوّر لنا هذه الأغنية تأثير البعد الاقتصادي في السلم الاجتماعي الداخلي.

شفتها شايلة السلة (٢)

وريلها حاكل الدلة

سكران وشايل الدلة

وتالي نايم بالزبالة

زبالة زبالة، أحمد (آقا) زبالة (۲)

على الشط شفت أنا أم نصرة

لابسه دبابة خضراء

كاضة شبوط بالفالة

زبالة زبالة، أحمد (آقا) زبالة (۲)

امصخن هاي إله يومين

چه ماخذ «بلسنه شهرین”

ومرته شاله أحواله

زبالة زبالة، أحمد (آقا) زبالة (۲)

على الشط شفت أنا إبراهيم (۲)

گلتله خل نمشي ننهم (۲)

الروح الزهيه الدلالة

زبالة زبالة، أحمد (آقا) زبالة (۲)

تصور لنا هذه الأغنية، تأثر الوضع الاجتماعي والعلاقات الأسرية بسبب البطالة والفقر، إذ يكرر كلمة «زبالة» لإظهار مدى الذل الذي وصل إليه المجتمع رغم وجود الثروات. كما يمكن ملاحظة وجود المرأة في الأغنية، وهذا بارز في كل أعمال الراحل أحمد كنعاني إذ حاول إخراج المرأة من هامش الهامش الى النص محاولا أن يغير المخيال الثقافي أغنية أخرى: والاجتماعي المترسخ في المجتمع وتكون مشاركة في المعادلات الاجتماعية.

 

أغاني الحب والعيد مركزية الحب وجمالية العيد

 

أغاني الحب التي قدمها الفنان أحمد كنعاني زاخرة بالتفاعل والشغف، المرهف كذلك بعيدة عن الرؤية التقليدية لعلاقة الحب بين الجنسين، بل نجد الحب علاقة تكامل إيجابي. لكن بالإمكان فهم مدى مخاطر الحب في المجتمعات المحافظة؛ إذ تُعد علاقة غير مقبولة بصورة عامة دمجت أغاني أحمد کنعانی شغف الحب ببهجة العيد، أما اللقاء فكان الأمنية التي يكتمل به الفرح يبرز السوق بصفته المكان الذي يلتقي فيه الحبيبين، في مخيال المجتمع المحافظ، لأن الأمكنة محدودة لحضور، المرأة، ومن بين هذه الخيارات المحدودة، يُفضل السوق على الأمكنة الأخرى لو ما عيونك (٣).

ما عايد أهلك دوم، لو ما عيونك

خل يمنعونك (٤)

من تشوف السوك خل يمنعونك

خل ينظرونك (٤)

 

وأنه أجري أشوف السوك، خل ينظرونك

 

توكف يم السماج، حطلك….

الو تسمع الجراس

عيونك خمار نعاس لو ما عيونك (٤)

ما عايد أهلك دوم

خل ينشدونك (٤)

اش معنى الولف زعلان، خل ينشدونك

لو ما عيونك (٢)

واتعامل الخضار وعيون اله انظار

خل تفرح العذال

كلهم عليك أحباب (۲)

تالي المحب شيكول، لو ينشدونك

لو ما عيونك ما عايد أهلك دوم

خل يلومونك (٤)

 

اغنية أخرى:

 

ما لازم العيد، ما لازم العيد (۲)

يوم الشكاك…

ما لازم العيد ما لازم العيد (۲)

حتما وأنا العيد (٢)

سمرة وحلوة وياك مهى العيد

ولول يبايش، اشلون أسوي وياك

ولول يبايش، مثل الشرايج

نتعارك أنا وياك مثل الشرايج

ما لازم العيد، ما لازم العيد (۲)

انحب أنا وياك ما لازم العيد

سهرة وييت عيد (۲)

فرحة وليلة عيد (۲)

ونبقى ويه الخلان، سهرة وليلة عيد

آه آه آه آه

كوم اترك النوم، كوم اترك النوم (٢)

واطيني أسد الباب، واترك النوم

وانذب الهدوم اغلب الهدوم (۲)

نتشابك أنا وياك، ونذب الهدوم

خيولي العيد ما لازم العيد (۲)

خيولي العيد، كوم احضر العيد

ما لازم العيد، ما لازم العيد (۲)

نتشابك أنا وياك موعد مو اتريد

 

الغنية غزلية ومكتلة جسد المرأة

 

يمتزج الفن والحداثة، في البينات والمدن التي يطغى فيها عمل الآلات والمكننة، فيمكن ملاحظة هــذا فـي بعـض أغاني أحمد كنعاني إذ تظهر تأثيرات الآلات والمدينة أضفى الإنسان هويته الجسدية على الآلات التي صنعها، لكن نجد خلاف هذا افي أغنية أحمد كماني إذ أضفى هوية السيارة على جسد المرأة، بمعنى آخر أنه شبه أعضاء جسد المرأة بأجزاء من السيارة. مع ذلك ظلت الأغنية تتأرجح بين ترشحات الحسب التقليدية من السهر والانتظار من جهة، وبين الحداثة والمكننة من جهة أخرى. كما يمكن ملاحظة كلمات الأغنية العقبات يتضمنها كلمات إنجليزية. وهذا يدل على أن المكننة أو الآلية عندما جاءت من الغرب جلبت معها اللغة والثقافة الغربيتين.

 

بعدج صغيرة على السهر ليش سهرانه

تسهرين إلى طلع الكمر ليش تعبانه

تدرين مو ظلمه وخطر ليش سهرانه

أهلج ترى هم بالنظر وأنت تعبانه

بعدج صغيرة على السهر ليش سهرانه

تسهرين إلى طلع الكمر ليش تعبانه

راحت تجيب الماي، فدوا الهل الحزام

والعمر عشر سنين توا النهد تام

خليني أنه بالصبر ليش أنتى تعبانه

بعدج صغيرة على السهر ليش سهرانه

تسهرين إلى طلع الكمر ليش تعبانه

نتبارز آنه وياچ، حطاك سباحه

مثل گواش بالشط ما اگعدت راحه

والليل كله انطرت ثاريها سهرانه

بعدج صغيرة على السهر ليش سهرانه

تسهرين إلى طلع الكمر ليش تعبانه

بالسمرة من تمشين چنچ شفرليت

السياقة بالخطر ليش سهرانه

و نهودج کلوچات واستيرن وایدیچ

بعدج صغيرة على السهر ليش سهرانه

تسهرين إلى طلع الكمر ليش تعبانه

يا طراش أم جنام حبها ابحلكها

الو وديت النيشان بأيام..

 

كلمات الأغاني: بين شعره وشعر الأبطال

 

تلعب كلمات الأغنية دورًا كبيرًا في مدى نجاح الأغنية سواء أكان يختص بانتشار الأغنية أو بقاءها في ذاكرة الشعب الفنية، صحيح أن الوضع الغني الأحوازي، مختلف عما هو موجود في مجتمعات أخرى ويعاني من عدة جوانب خاصة الإعلام الفني، لأن الدعاية المنظمة الفنان مـا أو لأغنيـة مـا تـسـاهـم فـي حضور الفنان أو الأغنية في الذاكرة الفنية لكن الأغاني الخالدة ستظل في الذاكرة الفنية والثقافية رغم العقبات.

كتب الفنان أحمد كنعاني كلمات معظم أغانيه بنفسه، خاصة الأغاني التي تتسم بطابع اجتماعي سياسي، إذ تميز عن باقي فناني جيله. بالأغاني السياسية، كما عرف بتمثيلياته الهادفة. وكان يعتمد في كلماته إلى بساطة اللفظ وعمق المعنى والرسالة.

غنى الفنان أحمد كنعاني لكثير من الشعراء. وكان يبحث عن شعر يقترب من القضايا الحساسة والمسكوت عنها، أو بالأحرى كان يختار الكلمات التي يمكنها أن تصور الواقع بأسلوب تزيد من وعي المتلقي، إضافة إلى عنصر الجمال الذي يبرز في الفن الموسيقي. وممن غنى لهم من الشعراء يجدر ذكر بعضهم مثل: الشاعر جبار الزعير، والشاعر الشهيد شايع حسن الهلالي، والشاعر عليم الزميل والشاعر عبود الحاج سلطان والشاعر خلف الطرفي، والشاعر سيد صالح النزاري، والشاعر أمير منصور السلامي، والشاعر عبد علي الفيصل، والشاعر سيد سعيد، وغيرهم من الشعراء وكما ذكر في سيرته أنه غنى أبياتا وذبوا كتلة الناطور بيه لأحد الشهداء من مدينة الحميدية كذلك هو ذاته غنى من الأشعار التي كتبها. ويمكننا ملاحظة اختياره بعض الأبيات لشخصيات مقلة في الشعر لكنها عرفت بقضايا أخرى غير أدبية، مثل دعير البستان وحنش الجابر والشهيد عيسى المذخور.

للفنان أحمد كنعاني أبيات أبوذية كثيرة، غنى بعضها. هنــا ســتذكر بعض أبياتـــه الـتـــي غناهـــا بطور العلوانية أو بستات ضمن أغاني مختلفة:

اشوي التفت صوبي لوميانه

بزعل وأنت تسبني لوميانه

بعد ما ألوم غيري لوميانه

كسرني هواك وعمل بي

 

العبت ما فادني لعبي ويمحاي

ودهري ملتهي ايقيد ويمحاي

شبه الأمنو ميت ويمحاي

الميت مات الحي حصل أذية

 

غنى هذه الكلمات التي كتبها بنفسه، في حفل زواج عام ١٩٧٥م في مدينة ملاثاني، وكان لها تأثير بالغ في الحضور له بيست آخر.

بنينا بيوت من العمل سايات

وطعنا للزمن بغير سايات

أريدلي خوي ضمام سايات

الو مال الوكت عندي تجية

 

عندما أطلقوا سراح الفنان أحمد كنعاني من سجن كارون، استقبله عدد من محبيه وأصدقاءه عند بوابة السجن وأخذوه إلى مجلس في حي رفيش في الأحواز المدينة، وفي مساء ذلك اليوم، غنى هذه الأبوذية التي تظهر رؤيته تجاه الفن والقضايا الإنسانية التي يؤمن بها:

 

ايوز من الطرب وارجع وعنباي

أسهرت وعيون خلاني وعنباي

من ايدي فرهدو سلتي وعنباي

وذبوا كتلة الناطور بيه

 

وقد تأثر الجمع بها وبرسالته الهادفة. لكن غير معلوم – حتى الآن في أي من اعتقالاتــه حــدث هذا الأمر.

عليك ابصوت أنادي بستاني

عليك ابصوت أنادي بستاني

وشبع عوده المكضب بستاني

تری آخر ما خفت ربك بستاني

ترف ويبين النيشان بي

 

أحمد بسك من النوح شيباك

نسيم الحدد للشجر شيباك

قبلت للصبح من شفت شيباك

گلت: مطرب قديم يحن عليَّ

 

 

لون عطشان ضامي ما نردلك

ولو بيدك الجنة ما نردلك

صرت شايب يه أحمد مانرد لك

ولك وله حدر ضلعي شجية

 

الدهر هدم علي بيتي بعد شجرا

او شعل كانون بدلال شجرا

عشرتي أوياك شجرا اكبال شجرا

لا أبدي ولا أنت اطر عليه

 

 

النتيجة

 

كتابة نتيجة لموضوع مسكوت عنه وغير مفكر فيه مثل تاريخ الموسيقى الأحوازية، تعتريها بعض الصعوبة، لأن الموضوع يتطلب حفريات معمقة أكثر وجهود فكرية تؤسس لرؤية موسيقية تتسم بالأصالة من جهة، وتواكب التجديد والتحديث من جهة أخرى.

الموسيقى الأحوازية الإبادة بشكل ممنهج ومنظم، ليس فقط على مستوى قرارات السلطات، بل تغافل المشتغلين بالموسيقى في معاهد طهران وغضوا النظر عن الجرائم بحق الهوية الموسيقية الأحوازية، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى دراسة مستقلة تفي الموضوع حقه لأجل الاستشراف المتكامل على قرن من التاريخ الموسيقي.

بعد الإمعان في أعمال الفنان القدير أحمد كنعاني، والتعمق في سيرته الحافلة بالأحداث الفنية والثقافية والسياسية ومواقفه الوجودية التي يندر ملاحظتها في تاريخنا الفني والثقافي المعاصر؛ يمكن القول بوعي وجرأة أنه كان يمثل ذروة الوعي بالمرحلة حينذاك. كذلك يشير مُعظم الذين عاصروه أنه يمثل طليعة الفنانين في اتخاذ القرارات التي تختص بالقضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية، وقد دمج هذه القضايا في أعماله، سواء أكان في مجال الأغاني أو التمثيليات أو حتى في أشعاره.

 

سعيد إسماعيل

 

 

المصادر والهوامش

  • المصادر والهوامش ١٤ شارك في التمثيلية أحمد كنعاني، حميد السلمان، محمد سعيد، محمد مطر دريس صبیح <> الثقافة السيكولوجية: التعبير الموسيقي، فؤاد زكريا مكتبة مصر. د. ت ص ۸ .
  • كتاب الموسيقى الشرقي، محمد كامل الخلعي مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة جمهورية مصر العربية. ۲۰۱۲، ص ۱۲.
  • موسوعة أعلام الموسيقى العرب والأجانب. د. ليلى مليحة فياض دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ط أ ۱۹۹۲، ص ۳.
  • الأسس العقلانية والسوسيولوجية للموسيقى ماكس فيبر ترجمة: حسن صقر، مراجعة فضل الله العميري المنظمة العربية للترجمة بيروت ۲۰۱۳، ص ۱۳.
  • القومية في الموسيقا القرن العشرين سمحة الخولي الكويت- سلسلة كتب عالم المعرفة ۱۹۹۲، ص ۷.
  • المصدر نفس، ص ٨.
  • المصدر نفسه، ص ٨.
  • العمل الثقافي من أجل الحرية باولو فيراري ترجمة الدكتور تور عوض دار القلم بيروت، لبنان د ت ص ١٥.
  • ملوك العرب رحلة في البلاد العربية مزينة برسوم وخرائط و فهرست اعلام أمين الريحاني دار الجيل بيروت الطبعة الثامنة ۱۹۸۷، ص ٦٨٢.

 

١)الشيخ علي الدرويش حياته وأعماله ١٨٨٤-١٩٥٢. مصطفى الدرويش، ص ۲۱

٢)  الشيخ علي الدرويش حياته وأعماله ١٨٨٤-١٩٥٢. مصطفى الدرويش، ص ۲۱

٣)الرياض الخزعلية في السياسة الإنسانية، الأمير خزعل، ج ۱، ص ١٥

٤)الرياض الخزعلية في السياسة الإنسانية، الأمير خزعل، ج ۱، ص ٦٢.

٥)المصدر نفسه، ص ٥٧.

٦)الرياض المزهرة بين الكويت والمحمرة، عبد المسيح الأنطاكي.

٧) المصدر نفسه، ص ۱۲۰.

٨) المصدر نفسه، ص ۱۲۸.

٩) المصدر نفسه، ص ۱۳۳.

١٠) الدرر الحسان في منظومات ومدائح مولانا معز السلطنة سردار أرفع سمو الشيخ خزعل خان أمير المحمرة عبد المسيح الأنطاكي دور ، ص ٥٥.

١١)  المصدر نفسه، ص ٦٥.

۱۲) تجارب شخصية حدثت للشاعر وحيد أبو سمير الناصري أثناء رفقته لبعض الفنانين في الثمانينات والتسعينات. ١٣ ١٣) كانت الأدوار في تمثيلية (أبو هطك) كالتالي : أحمد كنعاني أبو هطك. صبيح دريس دور نادرة حميد السلمان دور السابق عازف السنتور: محمد سعيد كنعاني تسجيلات: سعدون بلاد زاده.

١٤) شارك في التمثيلية: أحمد كنعاني حميد السلمان، محمد سعيد محمد مطر صبيح دريس.

[۲٤] اعتمدت الدراسة في معظم محاورها على المصادر الميدانية، مثل الفنانين والشعراء والأشخاص الذين كانوا على صلة بالفن الموسيقي كما اعتمدت على لقاءات مع عوائل الفنانين واصدقاءهم.

٢٥] لقاء مع ناصر الشميلي، مؤسس تسجيلات الشميلي عام ١٩٧١م. كان اللقاء بالاشتراك مع الناشطة في مجال التراث فاطمة التميمي

[٢٦] لقاء مع حبيب الشريفي، منسق حفلات ومدير متجر لبيع الأشرطة قبل ثورة عام ١٩٧٩م.

[۲۷] لقاء مع ظاهر البدوي، مؤسس تسجيلات البدوي عام ۱۹۷۳م.

[۲۸] لقاء مع أسرة عبد الزهراء الصوفي. لم يكن اللقاء مثمرا كما ينبغي بسبب تحفظ الاسرة.

۲۹] لقاء مع ا الفنان سالم الصافي، بالاشتراك. مع الناشطة فاطمة تميمي.

[۳۰] لقاء مع ا فاطمة تميمي الناشطة الفنان ورور الساعدي بالاشتراك مع الناشطة فاطمة التميمي.

[۳۱] لقاء مع الفنان خشن ساعدي، بالاشتراك مع الناشطة فاطمة تميمي,

۳۲] لقاء مع أسرة الفنان صفر حمد نيسي، تعاونت الأسرة في فهم علاقات الفنانين والإطلاع على معاناتهم في السبعينات من القرن العشرين.

[۳۳] لقاء مع أسرة الشاعر عبد الله مياحي، كذلك كان يمتلك جهاز البكرة.

٣٤] لقاء مع أسرة لفتة الحويدراوي (أبو صبري)، بالاشتراك مع الناشطة فاطمة تميمي، لم يسفر اللقاء عن معلومات كثيرة بسبب غياب الابن البكر للأسرة والذي عاصر حياة والدها أكثر من الإخوة الآخرين.

[٣٥] لقاءات سيد كريم الشبري (أبو وسام)، وهو من هواة التراث الموسيقي الأحوازي وقد استطاع أن يجمع عددًا كبيرا من أشرطة الكاسيت والبكرة من التراث الموسيقي الأحوازي، كما مماته. افتنى بعض أجهزة البكرة والجرامافون القديمة، وحتى الآن مستمر في عمله سعيا منه أن يحافظ على التراث الموسيقي من الضياع

٣٦] لقاءات مع سعيد عبدويس، نجل الشاعر الراحل عبدويس، كذلك كان يمتلك جهاز البكرة، وله علاقات واسعة بالفنانين والشعراء منذ منتصف القرن العشرين حتى مماته.

[۳۷] لقاء مع أسرة الفنان أحمد كنعاني، اللقاء مصور من قبل الناشطة فاطمة تميمي بمفردها أرسلت أسئلتي دون التمكن من الحضور في اللقاء

[۳٨] أتقدم بجزي الشكر لكل شخص ساهم في إثراء هذا العمل وأخص بالشكر الصديق محمد حسن فرهود ومساعداته الوافرة، والصديق محمد محيسن من . سكان الأحواز القديمة ومساهمته في البحث عن الفنانين، وحكيم سواري ورفقته لي بعض اللقاءات والزيارات وأتقدم بجزيل الشكر للآنسة زكية نيسي وإرسالها معلومات ثمينة عن الموروث الغنائي النسائي في منطقة الشعيبية.

[۳۹] هذه الدراسة مجزوءة من دراسة شاملة تختص بكل ما يختص بالموسيقى الأحوازية، سواء أكان أنواع ألوان الغناء أو الفنانين والفنانات كذلك أنواع الغناء الشعبي، بدءً من أغاني الحصاد وأغاني جز الصوف ورعي الغنم، وركوب الأثمار والبحر، إلى أغاني النساء العاملات والأمهات والقوالات التي يمثل الذاكرة الفنية العفوية للمجتمع الأحوازي كما إن الدراسة ناقشت الدور المهم الذي قام به المكون الغجري الأحوازي في الحفاظ على جانب. من الموروث الفني الأحوازي كما بسبب ضيق المقام اضطررت لحذف كثير من المحاور والعناوين التي تختص بتاريخ الموسيقى الأحوازية المعاصر، واكتفيت بما هو الان بيد القارء العزيز.

 

 

 

 

 

 

 

 



error: Content is protected !!