مقالاتتعرية ازدواجية الخطاب لدى المعارضة الإيرانية تجاه الأحواز

تعرية ازدواجية الخطاب لدى المعارضة الإيرانية تجاه الأحواز

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

 في كل مناسبة سياسية تقريبًا، ترفع قوى من المعارضة الإيرانية شعارات براقة: “الديمقراطية”، “حقوق الإنسان”، “العدالة للجميع”. لكن ما إن نقترب من ملف الأحواز والعرب الأحوازيين، حتى يتعرّى الخطاب، ويتحوّل من خطاب شامل إلى خطاب أعور لا يرى إلا ما ينسجم مع مركزية الرواية الفارسية عن الأرض والتاريخ والهوية.

فعلى مستوى الخطاب العلني، يصرّ كثير من رموز المعارضة الإيرانية على أن الأحواز “جزء طبيعي” من الجغرافيا الإيرانية وامتداد “طبيعي” للحضارة الفارسية، متجاهلين عمق الانتماء العربي للأحواز وخصوصية هويتها وثقافتها. هذا الإصرار ليس مجرد اختلاف في قراءة التاريخ، بل يتحوّل عمليًا إلى غطاء سياسي وأخلاقي لتجاهل ما يتعرض له الأحوازيون من تمييز وانتهاكات موثقة على مدى عقود.

وعندما تتصاعد الأحداث في الأحواز اعتقالات، قمع مظاهرات، تضييق على الناس تفضّل قطاعات واسعة من هذه المعارضة الصمت، أو الاكتفاء بجمل عامة لا تلامس جوهر المظلومية الأحوازية. هنا تظهر المفارقة الصارخة من يتصدرون المشهد باسم حقوق الإنسان، يلتزمون الصمت حين تكون الضحية خارج إطار “الأكثرية” الفارسية أو خارج الدائرة السياسية القريبة منهم.

هذا “الخطاب الأعور” لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى منظمات ومراكز وكيانات إعلامية في المنفى تتحدث ليل نهار عن الحرية، لكنها عملياً تعيد إنتاج منطق الإقصاء نفسه الذي تنتقده في النظام الحاكم. فحقوق الإنسان في عيون بعض هذه ما تسمي النخب، تبدو حقوقاً مشروطة: تُمنح لمن يوافقني سياسيا وثقافيا، وتُسحب – أو تُختزل – حين يتعلّق الأمر بلشعوب الغيرالفارسية وبأقليات دينية لا تنسجم مع السردية المركزية.

من هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الوثوق بمنظمات ومعارضين يستخدمون أسمى الشعارات  الحرية، الكرامة، المساواة كأدوات انتقائية لفرض رؤيتهم على الآخرين؟ حين تصبح شعارات حقوق الإنسان مجرد لغة تسويق سياسي، وليست التزاماً أخلاقياً شاملاً، تفقد هذه القوى جزءاً كبيراً من شرعيتها المعنوية، سواء داخل خارطة إيران السياسية أو خارجها.

المصداقية في أي معارضة لا تقاس فقط بحدة خطابها ضد السلطة، بل بقدرتها على حماية أضعف الفئات والدفاع عن أكثر الملفات حساسية، حتى عندما يكون ثمن ذلك خسارة جزء من الجمهور أو الاصطدام بموروث قومي متجذر. والمعارضة التي تعجز عن الاعتراف بخصوصية الأحواز وحقوق سكانها، وتلتزم الصمت أمام ما يتعرضون له، تعطي خصومها أقوى سلاح: اتهامها بأنها ليست بديلاً حقيقياً، بل نسخة مخففة من منطق الهيمنة نفسه.

في النهاية، يبقى معيار الثقة واضحاً: من يطالب بالحرية عليه أن يطالب بها للجميع، بلا انتقائية ولا استثناءات؛ ومن يتحدث باسم حقوق الإنسان، عليه أن يبدأ بالمناطق والأقليات  الدينية و الشعوب المستعمرة التي اعتاد الجميع تجاهلها، لا أن يواصل بيع الهواء بشعارات لامعة وخطاب يتمايل على حساب كرامة الآخر ووجوده.

في الختام، تبدو الرسالة الأهم موجَّهة إلى الشعب العربي الأحوازي لا تقعوا مجدداً في فخ الشعارات الرنانة، أياً كان من يرفعها. فالتجربة مع الخميني  بكل وعوده البراقة عن الحرية والعدالة ونصرة المستضعفين  انتهت على أرض الواقع إلى مزيد من القمع والتهميش، وكانت دماء العرب الأحوازيين من بين الأثمان التي دُفعت. والمعارضة الإيرانية بمختلف أطيافها، حين تتجاهل قضيتكم أو تختزلها في هوامش الخطاب، لا تقدم في جوهرها نموذجاً مختلفاً جذرياً، بل تعيد إنتاج المنطق نفسه مركزية فارسية، ووطن واحد بهوية واحدة، وشعوب تُطالَب بالصمت أو الذوبان.

لذلك، فإن التعامل مع هذه الخطابات يجب أن يكون بعينٍ نقدية واعية، لا بعين الرجاء أو الوهم. الاختلاف بين الخميني والخامنئي و المعارضين ليس اختلافاً في البنية العميقة للفكر تجاه الأحواز، بل في الوجوه والزمن وأسلوب التسويق السياسي. أما الحق في تقرير المصير، والاعتراف بالهوية العربية الأحوازية، واحترام الكرامة الإنسانية بعيداً عن أي وصاية قومية أو مذهبية، فهو حق لا يُهدى بالشعارات، بل يُنتزع بالوعي والتنظيم، وبناء تحالفات على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على أساس أوهام الخلاص القادم من خطاب أعور جديد.

بقلم: ناصر ابوشيخة 

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here