المقدمة
لا شك أن تتبع الانتفاضات الأحوازية، وخروج الشعب العربي وثوراته، ضد نظام الاحتلال الإيراني يستوجب تتبعها تاريخيا، وعرضها بشكل أفقي ممتد على طول الزمان منذ ليل الاحتلال قبل قرن من الزمان.
ولا شك كذلك أن من بوابات دخول الأحواز للعالم الحديث، والحداثة، بكل ما فيها من معنى، كانت الانتفاضات والثورات والخروج ضد دولة الاحتلال؛ الأمر الذي جعل هذه البوابة، البوابة الحداثية، ذات مفعول مزدوج: فمن خلالها تعرف العربي الأحوازي على آخره المستَعْمِر عبر انتفاضاته ضده من جهة، والبوابة التي سجل بها فعلا حداثيا دون أن يعي الزاماته الفكرية وحمولاته الفلسفية، وظل يدور في دائرة تعثره في تحديد ذاته كمستعْمَر من جهة أخرى. وذلك لأن فعل الانتفاض والتظاهر والخروج المسلح ضمن حركات منظمة، هو فعل ينتمي إلى العالم الحديث، ومناهضة دولة ما، بتنظيم تراتبي، في سبيل أنا قومية جماعية وشعبية، هو من سمات المجتمعات الحديثة من دون نقاش.
كما أن فعل الانتفاض سرعان ما تبطن في علاقة مضمرة لم تنكشف للأحوازي لغاية اليوم، هي علاقته بطرف انتفاضته، كمستعمِر، وتعامله معه بوصفه مستعمَر. إنها علاقة بوتقية انصهارية، إذا جاز القول، تصنع بالان ذاته المستعمِر والمستعمَر معا، وتفرض عليهما طبيعة علاقات تبدو طبيعية ويومية.
إنه العالم الأحوازي الحديث الذي لم يعهد غيره مذ أدخلته دولة الاحتلال الإيراني إلى هذه العلاقة، وفرضت عليه الزامات جعلتها تسري في كل مناحي الحياة وتتسربل في كل دوائر المجتمع والسلطة.
إنها علاقة بين مستعمَر ومستعمِر يتم إعادة انتاجها يوميا عبر لغة التعليم الحديث في المدارس والجامعات، وتقسيم العمل، وفي البنية التشريعية والقانونية لدولة المحتل المستعمِر، والإعلام والدعاية، واللغة الوطنية، وسلامة أراضي الدولة، بل في النظر إلى الذات والحب والغضب.
لا تتكشف هذه العلاقة على هيأة تعاط بين متغطرس مستوطن مستعمِر، بشكل فج يظهر عُطْبَها وعدم سيرها مسرى الطبيعي، بل هي على العكس من ذلك تماما تجنح نحو اللا مرئي، نحو محاكاة الأمر الطبيعي في الحق المكفول للسيد المستعمِر، والدونية المقبولة والطبيعية للعبد المستعمَر؛ ولذلك لا يمكن الوعي بها ناهيك عن رفضها.
لقد تمكن ألبير ميمي من كشف هذه العلاقة، وبين كيفية تسربل هذه العلاقة الاستعمارية المعطوبة، وآليات رسوخها في المجتمع، على المستوى الفردي والجمعي، وفي دوائر المجتمع والأسر والقيم. لقد بين ميمي أننا هنا بإزاء منظومة معرفية وشبكة علاقات مجتمعية لا تجعل المستعمَر يرى إلا ما يراه المستعمِر؛ وإن مدى رؤية ذلك لا يمكن أن تتجاوز نطاق ما حدده له هذا (راجع في ذلك: ألبيرت ميمي، صورة المستعمِر وصورة المستعمَر، ترجمة ميشال سطوف، الوكالة الوطنية للاتصال والنشر، 2007). وبناء على ذلك نريد وضع الانتفاضات العربية الأحوازية ضمن هذه العلاقة التاريخية، التاريخ الأحوازي الحديث المعيوب، بعيب الاستعمار والاحتلال؛ ثم نبين أن الانتفاضات الأحوازية لم تكن تندلع تاريخيا إلا إذا مُس ما هو حياتي، أي ما يتعلق بالجانب الحيواني من حياة الأحوازي، أي دمه ولحمه ومكان إقامته.
ولذلك لم تكن الثورات والانتفاضات الأحوازية تندلع لأجل إرباك تقسيم العمل، أو الدعوة لتقسيم الثروات على العدالة، أو المطالبة بالتعليم باللغة الأم، أو نحو ذلك من المطالبات التي تمَكَّن الاحتلال من قولبتها بقالب الأمر الطبيعي: حتى صار الطبيعي هو أن لا يدرس العربي الأحوازي بلغته، وأن لا ينعم بخيراته، ولا أن يمانع قدوم المستوطنين، وأن لا يتميز بهوية وطنية تنبثق عن عروبته إلخ. وذلك لأنه المستمعَر الأحوازي الذي قَبِلَ هذه العلاقة بوصفها هي الأمر العادي في الحياة؛ بل كانت الثورات تندلع إذا ما تمادى المستعمِر فأربك منظومة الاستعمار بنفسه، وأخرجها من سيرها مسرى الطبيعة، ومن هذه العلاقات، إلى ما فيه مساس جانب الحياتي لدى الأحوازيين، كأنْ أراد إخراجهم من أرضهم، أو مصادرة مزارعهم، أو قتل مواشيهم؛ وفي هذه الحال فقط، حال المساس بعلاقة المستعمِر بالمستعمَر، كانت ثورات الأحوازيين تندلع، وهِمَمهم تُشحذ.
-
تاريخ الانتفاضات الأحوازية: تاريخ الخوف الوجودي
دعوني أستبق الاعتراض القائل بأن في الانتفاضات السابقة ما ينقض كلامي، من مطالبات قومية وحداثية وقيمية إلخ، ومن رجالات وقيادات، ما لم يكن الدافع فيها كلها ما هو حياتي حصرا؛ أي ما يتعلق بصون النفس والعِرض والمأمن أو الكِن (بعبارة أهلنا وبنطق الكاف جيما فارسية).
ولكن مع ذلك يثبت تاريخ هذه الانتفاضات انحسار نطاقها، وحركتها ضمن دائرة نخبوية ضيقة، قبلية أو مدنية، لا يجعل منها انتفاضات شعوب، ولا يجعلها تنتمي لزمن الشعوب المستمر، بل لزمن الفزعة، وعلوها فخبوها سريعا متقضيا.
لقد أُقتيد الشيخ خزعل (الذي نسميه لأغراض إيديولوجية بأنه أمير البلاد، ولم يكن سوى أمير قبيلة ولا بلاد ولا ما هنالك) على يد قوة خارجية دون شعور بها، ولا بعظم الهزيمة الحضارية التي مني بها الأحوازيون، فلم نسمع انتفاضة في أية جهة من ربوع الوطن، إلا انتفاضة الغلمان: وهي انتفاضة في صلب الحياتي، لأنها قضت على ركن حياة هؤلاء المنتفضين، وأربكت عيشهم؛ فكانت انتفاضة متقضية سرعان ما هدأت لم تتجاوز نطاق جغرافي مدني ضيق، ولم تمتد إلا لثلاث أيام أو خمسة.(علي نعمة الحلو، الأحواز ثوراتها وتنظيماتها:1914-1966م، مطبعة الغري الحديثة، 1970).
ثم جرت انتفاضات أخرى هي بذات الطابع الحياتي المتكرر، فكانت ثورة الشهيد حيدر الطليل الذي كان يأبى قبول الطاعة والسلطة المباشرة، وهو شيخا من شيوخ العرب وسيدا من ساداتهم، فخرج بعنفوان نسبه ومكانته التقليدية ضد الفرس لأنهم أرادوا كسر جبروته. لم يكن الطابع الحياتي مغيبا عن انتفاضة الشهيد حيدر، ولم يكن بطل قوميا يعي معني الوطن، ويعي معنى الاحتلال (راجع في ذلك، فاطمة التميمي، معركة الونج).
ثم إذا قفزنا هكذا إلى عصر الإيديولوجيات (وهو عندنا القرن العشرين على خلاف تحديد هابسباوم بذلك الوصف للقرن التاسع عشر) تجنبا لتعديد الانتفاضات الأحوازية، وأتينا الستينات والسبعينات والثمانينات، وجدنا الشعب الأحوازي على شقاق لا ثالث فيه: أكثرية مطلقة تعيش هكذا عيش الحياتي (أي العيش الحيواني المختصر على الغرائز) وأقلية على قدر أصابع اليد هي من تمكنت من الوعي الذاتي النسبي بعلاقة المستعمِر والمستمعَر فخرجت بحركات وانتفاضات سرعان ما قضي عليه قضاء مبرما لفقدانها الحاضنة الشعبية والقاعدة المجتمعية، ولإخفاقها في بث مكتسبها بين المجتمع، فظلت لا تمثله ولا تحتمي به. وإذا جئنا إلى عصر الإصلاحات الإيرانية، الذي عاصره معظم من سيقرأ هذه السطور، استذكرنا عامل الانتفاضة الكبرى التي سُميت بانتفاضة ١٥ نيسان ٢٠٠٥؛ تلك الانتفاضة التي أوقدتها وثيقة مسربة ومنسوبة إلى الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، دعت إلى تغيير ديموغرافي للأحواز من خلال تهجير ثلثي سكانها العرب واستبدالهم بقوميات أخرى خلال عشر سنوات. هذه الانتفاضة انتهت باستشهاد مئات من خيرة شباب الشعب الأحوازي.
لم يكن التاريخ الطويل من الإذلال، ولا الفقر المستشري بفعل منع الشعب من خيراته الحديثة كالنفط والغاز، ولا التعلم باللغة الفارسية، ولا تنصيب مستوطنين على القضاء والدوائر والرياسة إلخ، ولا أيا من ذلك، مدعاة لانتفاض الأحوازيين بل كان تهديد تهجيرهم، أي التطاول على الكِّن والمأمن هو باعث الانتفاض. ليس لأنه في صلب الحوائج الحياتية، بوصفه سكنا وموطنا يؤوي من الضياع فحسب، بل لأن هذه الرسالة هي من كسرت العلاقة الطبيعية المقبولة والشرعية بين المستعمِر والمستعمَر، فكأنَّ المستعمِر هو من انتفض بكسره هذه العلاقة التي حافظت على سبات العرب في الأحواز وتعبُّدهم وتحافظ لغاية اليوم على ذلك. كسرها هو بفعله وتطاوله على تلك العلاقة الثابتة الشرعية، في نظر الطرفين. علاقة متقولبة على أساس أن يتبق العربي فلاحا بطالا حارسا بلدية او فراشا، مقابل الفارسي المستوطن المدير الثري التاجر الأعلى إلخ.
لقد انقلب هنا تماما معنى الفاعل والمفعول، بانقلاب شروط استمرار علاقة المستعمِر بالمستعمَر، لأن هذه الانتفاضة لم تكن فعلا ذاتيا من المستعمَر انبثقت عن وعيه الذاتي بهذه العلاقة وفسادها وعارها، بل هي كانت رد فعل من المستعمَر حين أخل المستعمِر نفسه بالعلاقة التي بناها هو بنفسه وأسسها، فانتفض المستعمَر يرد على المساس بأقل ما لديه، بجانبه الحياتي وهو بيته؛ كأنه أراد أن يسترجع له المستعمِر مألوفه من العالم الذي يتقوقع فيه هو في الأسفل، مقابل ضمان الغريزي له وعدم التطاول عليه.
لا أظن سيخالفني كثيرا أحد إنْ قلت بأن معني التهجير هنا اكتسب في وعي المنتفضين، لا أقول ذلك عن تلك الصفوة القيادية ومنهم الشهداء الأبرار بل كلامي عن الشعب بعامته ككتلة قومية واحدة لها سماتها، معنى الطرد من البيوت، وترك الأهل والأسرة في العراء، أو تركهم في عالم غير مألوف في بلاد فارس. ولا أخال يخالفني أحد إنْ قلت أن بين البيت وبين الوطن بوصفه بيتا فرق كبير، وكبير جدا.
ولنذهب بعيدا في معنى الحياتي فنقول إنه يمكن أن يشمل العروبة والهوية أيضا، في معناها الضيق جدا. فحين ينتفض أحدهم أو تنتفض مجموعة ضد من يمس هويتها اللغوية أو القومية أو الجينية بتعيير أدق، فذلك لا يعني ألبته بأنه انتفض لقوميته بوصفها شعبا أو بوصفها أنا جماعية، بل هو ينتفض لأنه جُرِّح في نسبه وفي سلامة عرضه. وبناء على هذا حين ينتفض أحدهم أمام نعت عرب زبان فهو ينتفض لسلامة نسبه وطُهر أجداده، لا ينتفض لكونه ينتمي لشعب عربي أحوازي له حقوقه القومية الحديثة، بكامل تمظهراتها. تماما كما اعتاد الانتفاض ضد من ينعته بأنه “ذباب جرش” ويصارع من يصفه بغير انتماءه لقبيلته، بل لقبيلة مجاورة. المعنى هو بذاته، والانتفاض هو من المصدر ذاته.
-
الاستلاب عن الدولة
إنها دولة احتلال، ليس فيها علاقة إلا علاقة دولة مستعمِر بمستعمَرين، لا تمثلهم، ولا يراد لهم أن يتصورا أنها تمثلهم؛ بل هي دولة فرس يمكن الإشارة لها بالبنان، الإشارة لها في المدرسة باللغة الأم والمعلم الفارسي، وفي الدوائر الحكومية بالمستعمر المستوطن المدير والأستاذ والمستعمر العربي الفراش أو الحارس، وفي رجل الأمن القاضي والمتهم العربي المدان إلخ.
وقد يكون معنى كل ذلك، من وجهة نظر إيجابية رومنطيقية، نمو بذور أولية لوعي ذاتي قومي يعي التناقض وعدم الالتقاء بين دولة الفرس المحتلة، والشعب العربي الأحوازي؛ تناقض يظهر في الحياة اليومية على شكل هذا البعد بين ما يجري في هذه الدولة، وما يحيى فيه هذا الشعب، حتى جعل كل طرف أجنبي عن الآخر.
ولكن على الرغم من هذه النظرة الرومنسية، التي تحتوي على عناصر من الواقع، تبقى النتيجة هي هي واحدة، والتبعات القومية هي واحدة على حال الانتفاضات في الأحواز وأسباب اندلاعها.
وهنا أريد رواية قصة خارجة عن إطار الكتابة البحثية لدلالتها على صلب ما أريد قوله: روى لي أحد الأصدقاء عن عجوز تأخذ بضاعة من العراق فتدخل بها إلى الأحواز. وقد لفت نظر الرواي ما في هذه العجوز الأحوازية من جسارة في الطرف العراقي تساجل فيها الشرطة، وتأخذ وتعطي معهم، حتى أنها تطاولت على أحدهم الذي ظنت بأنه أساء لها فهددته بإرسال شيخ قبيلتها يقاضية إلخ، بينما بمجرد دخولها إلى الحدود الأحوازية بين وطنها وأهلها وشعبها التزمت الخضوع والصمت أمام ضابط الحدود الفارسي حتى عند ما أساء لها بأشد مما فعله العراقي؛ فظلت صامتة متقبلة لعلوه.
أجل هي صور من صور تلك العلاقة المحددة القواعد والمعايير. لقد صاغ المستعمر الفارسي المحتل رؤية للأحوازي جعله لا يرى الدولة القائمة كدولته التي تمثله، ولا الدولة التي تحتله. بل ظل ينظر لها بوصفها تابوها مهابا يفصله عن عالمه الحياتي، وعالم الانضباط الذي يفرض عليه طريقة من الكلام، وطريقة في السلوك، وقواعد لا تُتجاوز.
فأن لا ينظر المرء للدولة التي تحكمه بأنها لا تمثله، هذا شيء يمكن فهمه واستيعابه، لكن أن ينظر لها، في آن واحد بأنها لا تمثله ولا تحتله، فهذا متعذر، ولا يمكن حدوثه إلا في هذه العلاقة المعطوبة حصرا.
ومن هنا يبلغ مفعول الوعي المزيف الذي تفرضه علاقة المستعمِر بالمستعمَر، الذروة حين يقصي المستعمِر المستعمَر من إدراك الدولة التي تنتهبه وتنزل به كل ما أنزل على الشعب الأحوازي لقرن. إنه من ألغاز التاريخ المعاصر عجز الشعب الأحوازي عن تحديد علاقته بدولة الفرس، فتارة يظنها دولته، وهذا ما حصل للإصلاحيين العرب، وتارة يظنها بأنها لا تمثله دون المساس بها وهذا ما حصل لغالبية الشعب، وتارة يظنها دولة احتلال فيطالبها بالفدرالية أو حكم ذاتي وهذا ما حصل مع خيرة المناضلين، في مفارغة أخلاقية وسياسية غريبة.
وبفعل هذه العلاقة المعطوبة مع الدولة، دولة الاحتلال، عجز الشعب الأحوازي عن الانتفاض للالتحاق بانتفاضة 2009 المطالبة بالديمقراطية، لأنه لم يكن يتصور مسلفا بأن هناك دولة تمثله كيما يطالب بحكم رشيد فيها، ومن أجل ذلك بالتحديد تخلف عن اللحاق بركب انتفاضة جينا أميني للسبب ذاته.
ولكن وفي مقابل ذلك سارع الشعب الأحوازي للانتفاض بكل أطيافه حين قُطعت المياه منه، وجفت الأهوار والأراضي الزراعية، لأن ذلك كان يمس بجوهر العلاقة بينه وبين المستعمِر الذي ضمن له، بشكل ضمني، الحياتي، وما يتعلق بعيشه الغريزي من مأكول ومسكون وصيانة نفس.
ومن أجل ذلك فمن المتوقع أن لا يلتحق الشعب الأحوازي بركب هذه الانتفاضة القائمة، كما علّمنا تاريخ انتفاضاته، ما لم يمس جانبا من جوانب الحياتي منه، وما لم يشعر بخطورة تتولد من ارتباك العلاقة القائمة بينه وبين مستعمره.
أو يحدث تصدعا تاريخيا، وتكسرا بنيويا، في هذه العلاقة التي جعلت الشعب الأحوازي لا ينظر لنفسه إلا من خلال هذه العلاقة، ولا يحدد ذاته إلا عبرها، ولا يعي صلته بالدولة التي تحكمه إلا نظرة المستلب، لا هو بقادر على عدها دولته، ولا هو بقادر على القضاء عليها.
الختام
يتبين من خلال استدعاء الأفكار التي عرضها ألبير ميمي كيفية بناء علاقة بين مستعمِر ومستعمَر، ينظر طرفاها إلى أنفسهما من خلال هذه العلاقة، حتى تنزل منزل الطبيعي، والعلاقة المعيارية الخالية من أية علاقة سلطة وهيمنة. وهنا يأخذ المستعَمَر ينظر لنفسه وفق ما يحدده له هذا المستعمِر، ويدير في فلك ما منحه له وما منعه عنه.
ومن هنا بالتحديد تبدو الانتفاضات الأحوازية هي انتفاضات ضمن نطاق ما تسبب به المستعمِر حين أخل بهذه العلاقة التي بناها هو. فنظرا لأن المستعمِر لم يمنح الشعب الأحوازي سوى الأمر الحياتي من مأكول ومأمن (كنّ) وصيانة نفس، فكلما عدى هذا المستعمِر على هذه المتاحات، انتفض الشعب الأحوازي ضده. وهكذا يمكن التصور بأن الانتفاضات الأحوازية ستظل تدور في فلك الانتفاض في سبيل الأمري الحياتي الغريزي، ما لم تستطع النخب التي تحررت من هذه العلاقة، أن تكسرها، وأن تجعل الانتفاضات تندلع من أجل قيم مثلى، خارجة عن الذي يسمح به المستعمِر، تودي بكل هذا القالب من العلاقة المعطوبة هذه.
إن دخولنا، دخول الشعب العربي الأحوازي، إلى التاريخ لا يتأنى إلا من بوابة تصدع هذه المنظومة اليومية الطبيعية من العلاقات، وتهشيمها بصورة لا رجعة فيها، حتى يتسنى لنا أزاحه الغمة من أمامنا لنبصر العالم. ولذلك فلا صوت يعلو فوق صوت دحر الاحتلال والاستقلال عنه، لأن أية مطالبة بمطالبات شاذة، كالفدرالية والمطالبة بحقوق منقوصة خجولة، هو عودة لنطاق هذه العلاقة الفاسدة، والدوران في فلكها الضيق، وإعادة انتاجها. لقد حان موعد التحرير، وحان موعد الدخول إلى التاريخ، عبر بناء الدول وكسر قيد الاحتلال.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
