فن وثقافةمِزْبان إلِعْجیلم اللُویمی… قرن من الحکایات والفن الأحوازي

مِزْبان إلِعْجیلم اللُویمی… قرن من الحکایات والفن الأحوازي

مِزبان إلِعْجيلم: إرث شفهي مشتت وأثر فني باقٍ في الذاكرة الأحوازية

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

مِزبان إلِعْجيلم صاحب العمر المديد والأثر العميق على الفن الأحوازي، لم يبق من إرثه الأدبي والفني سوى أبيات قليلة متناثرة، ونوادر تسجيلات قليلة جدا من حكاياته ومن صوته الشجي، ومع ذلك أثره ملموس في تاريخ الأحواز الحديث، استطاع مِزبان أن يمد حبلا بين حقبتين متفاوتين من الفن الأحوازي، وبذلك نجا بجزء كبير من الأدب و الفن الأحوازي من النسيان. 

ولد مِزبان عام ١٨٩٥ في قرية اللُويمي، من توابع مدينة الأحواز، عاش طويلا حتى ناهز١٢٠ عاما، فتوفى عام ١٩٨٩. لم يتلق مِزبان إلِعْجيلم تعليما أكاديميا ولا حتى مدرسيا؛ ومع ذلك بدأ حياته الفنية بالحكاية (إمسولفچي) ثم أصبح شاعرا وعازفا ومغن، وبكل ذلك غدت له على الفن الأحوازي يد بيضاء، غير أن اعتماد الذاكرة الشفهية أدى إلى تراجع حضوره وتشتت الكثير من إرثه.

تزوج مرتين، وله من زواجيه ستة بنات و ولد واحد، ماتت زوجته الثانية إثر حادث سير، فترك ذلك الحدث المرير في نفس مِزبان ندبة تظهر حتى في ذلك النزر اليسر الذي وصل إلينا من فنه، ومنها هذا البيت من الأبوذية:

“تهزهز يا لحد وانفض ترابيك

عزيز الروح هلنايم ترابيك

اجاني العيد وعيوني ترابيك

تهنّه ابنومتك واحنا ابعزيّة”

تزامنت بدايات مِزبان مع حقبة إزدهار الفن والأدب في الأحواز، أي في إبّان حكم الشيخ خزعل في المحمرة، فاتصل عبر زملائه ببلاط الشيخ، وحضر فيه ونال من الشيخ جوائز عديدة، يقال كان قدر إحدى تلك الجوائز ٥٠٠ قرآن، وهذا كان يعتبر مبلغا جزيلا آنذاك. وعن قصة تلك الجائزة يقال: احتدم النقاش في أحد  مجالس الشيخ خزعل، فأراد الشيخ تغيير مزاج المجلس؛ ولذلك طلب من مِزبان أن يروي “سالفة”، فأخذ مِزبان ب “رُبابته” وبدأ بالحكاية ثم أضافها أبيات من الأبوذية، أجاد مِزبان وحقق مراد الشيخ على أفضل نحو، فنال تلك المكافئة السخية. 

مِزْبان إلِعْجیلم اللُویمی

علاقة مِزبان ببلاط الشيخ خزعل جاءت عبر الشاعر الشعبي الكبير عبود الحاج سلطان، إذ كانت لهذا الأخير حظوة عند الشيخ، حتى ارتقى عنده إلى منزلة الأمين، وامتدت العلاقة بينهم فبلغت الصعيد العائلي، ثم شملت عوائد هذه العلاقة فنانين كُثر ومنهم مِزبان إلِعْجيلم اللُويمي. وكذلك لعلاقة الفنان مِري اللُويمي مع عبدالحميد بن الشيخ خزعل أثر في تقرب مِزبان لبلاط الشيخ، لا سيما وأن بين مِري ومِزبان علاقة قرابة ونسب.

لم تطل كثيرا تلك الفترة التي قضاها مِزبان في حقبة الازدهار، إذ تم اختطاف الحكم العربي في الأحواز عام ١٩٢٥، ودخلت الأحواز بعمومها والفن والأدب بوجه خاص في فترة خمول طالت لعقود؛ وفيها تعرضت العروبة في الأحواز لأهوال كادت تؤدي بها إلى التهلكة، لولا ثمة ما أعان الأحوازيين على تجاوز احتمالات الإندثار؛ ومنها ذلك الرافد الذي امتد من حقبة حكم الشيخ خزعل فسار  للسنوات متوالية ليسقي أهل الأحواز أدبيا وفنيا ولغويا.

ومن جملة ذلك الإرث الداعم للأحوازيين في فترة الخمول هم الفنانون والأدباء؛ ولا سيما أولئك الذين نشؤوا في حقبة ما قبل سقوط الحكم العربي في الأحواز ثم أدركوا فترة الخمول تحت ظل السلطة الفارسية، وبهذا المعنى هم المخضرمون. ومن أبرز هؤلاء هو مِزبان إلِعْجيلم، إذ أدرك مِزبان الحكم العربي في الأحواز، وعاش أواخر الحكم القاجاري، ومن ثم البلهوي، والإسلامي في إيران، ومع كل ما شهدته الظروف السياسية والاجتماعية من تقلبات استطاع أن يستمر بعطائه الغزير، وقد يكون من أسباب ذلك، أنه نأى بنفسه من عالم السياسية، وكأنه التزم مقولة “الفن من أجل الفن”. 

نجح مِزبان إلِعْجيلم في نقل ما برع به من أدب وفن إلى الأجيال التي تلته، وذلك رغم مروره بحقبة كانت فيها الهوية العربية محظورة بشكل  رسمي أحيانا وضمنيا أحيانا أخرى. الجسر الواصل هو أقرب ما يمكن تشبيه مِزبان به؛ إذ استطاع  أن يوصل بين جيلين في حقبتين مختلفتين تماما. وفي خلق هذا الربط  ساعدت مِزبان عدة من الأسباب؛ ومنها عمره المديد، إذ تأثر به مباشرة فنانون ولدوا بعده بعقود؛ ومنهم الفنان حسان إكزار (إگزار) وهو أصغر منه بخمسة عقود، وكذلك مما زاد من عمق وتأثير مِزبان على تلك الأجيال هو اختصاصه في فنون مختلفة، من أدب وعزف، وغناء، وحكاية (إمسولفچی).

بدأ مِزبان إلِعْجيلم حكواتي (إمسولفچي) يدير المجالس بما يأتي به من أبيات شعر، وقصص تاريخية، وأساطير، وألغاز، لكنه كحال أغلب أصحاب هذا الفن كشف أثناء مسيرته فنونا أخرى استطاع أن يبرع بها. وهذا مشهور عن الحكواتين إذ أنهم في نفس الوقت كانوا شعراء باللهجة الأحوازية، وعازفين، ومغنين، ومنهم من وقعوا سيرتهم الفنية بأطوار ابتدعوها، ومثال على ذلك الفنان علوان الشويع الذي أضاف طور العلوانية على قائمة الأصناف الموسيقية في الأحواز، وكذلك الفنان حسان إكزار (إگزار) الذي أبدع  طورا يدعى “شيخة” وهو مازال معروفا عند هواة الفن في الأحواز.

لا نعرف بداية للحكواتين (إلِمْسولفچین) في الأحواز، ولكن مما يظهر من تاريخ الشعوب المجاورة  أن لهذا الفن جذور عريقة عند عموم شعوب المنطقة. وأما أقدم حكواتي (إمسولفچي) أحوازي أدركته تقنيات التسجيل وحفظت لنا اسمه وقليلا من فنه هو مِزبان إلِعْجبلم، وبهذا نجى فنانا ولو بقليل من عطائه من طامة النسيان.

يدعى الحكواتي بالأحواز “إمْسولفچي” والاسم مأخوذ من “السالفة” أي الحكاية. و”السالفة” هي نص منثور لا يُعرف له في الأغلب كاتبا، وهي في هذا وبمضمونها تشبه الأساطير كثيرا. كان يتولى “الإمسولفچین” أمر سرد تلك السوالف في مختلف المجالس دون أي آلة عزف، لكن المتأخرين منهم أدخلوا عزف الرُبابة إلى مجالسهم، وهي آلة عزف ذات وتر واحد يصنعها الفنان الأحوازي بيده، وبهذا ائتلفت السالفة والموسيقى عند “الإمسولچین” في الأحواز.

وفي الشعر أيضا تألق مِزبان إلِعْجيلم ولا سيما في الأبوذية، وهو قالب للشعر الشعبي منتشر في الأحواز وفي جنوب العراق. ومن أبياته ما وصلت إلينا عبر الصدور، ومنها من غنتها حناجر الفنانين الأحوازيين ثم سجلت على أجهزة الفونوغراف (البَكْرات)، وبذلك تم حفظ النزر اليسير منها. شعر مِزبان كان سببا لربطه بفنانين وشعراء معاصرين له ومنهم: يونس خلف، ومِري اللُويمي، وإيفير السلامي، وعبود الحاج سلطان. تذكر الباحثة الأحوازية، زينب شريفي، في كتابها سطر١، عددا من الأبيات التي تنسب لمِزبان. 

قدم مزبان الكثير ووصل إلينا القليل، ومن جملة أفضل عطائاته تلامذته، ومن أبرعهم هي بنته وتلميذته الفنانة “إتريكة” بنت مِزبان، وهي من شاعرات الأحواز المعاصرة، ولدت إتريكة عام ١٩٣٧ وتوفيت عام ٢٠٠٦، عرفت بجمال أبوذياتها ورقة نظمها. ولا نعرف لهذه الفنانة ديوان مطبوع، ولا أي تسجيل صوتي. 

ثرواتنا الفنية في الأحواز تحملت أضرارا كبيرة لعدم التوثيق، ولهذا أسباب كثيرة من أهمها عدم معرفتنا بأهمية تحويل ما هو شفهي إلى  مستند مكتوب، أو إلى ما هو مسجل بالصورة والصوت. وأما الآن وبعد أن عرفنا: “أن ما لا يوثق لا يضيع دفعة واحدة بل يتلاشى بصمت”، وبعد أن دعمتنا التقنية الحديثة في  تجاوز بعضا من أسوار التعتيم، أصبح من الضروري أن نبدأ بعمل توثيقي كبير على مختلفة الأصعدة أدبيا وفنيا واجتماعيا وسياسيا، فما زالت الفرصة متاحة. 

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

 

 

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here