المقدمة
إن إحدى الزوايا التي يمكن النظر منها إلى النضال، بل يمكن القول إنها الزاوية الواقعية التي تكشف جوهره، هي الزاوية الأخلاقية. فهنا يظهر النضال بهيئة التزام خلقي، وغاية أخلاقية، لا يناله إلى من له مقدرة التشخيص الأخلاقي، ممن يؤثر مصالحه القومية الجماعية على مصالحه الفردية. فلا يمكن، وفق هذا الرأي، أن يعتلي إلى مصاف النضال من يحمل المرذولات في بطانته، ثم يأتي يتكلم بما يناقض ذاته وما ينطوي عليه ضميره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
المرجعية الفكرية الأخلاقية
تحدث فيلسوف الأخلاق المعاصر، جون هنري ماكدويل في كتابه العقل والقيمة والواقع، عن إجابته حول تحديد الخطأ من الصواب، أو الإجابة عن السؤال الأخلاقي الذي يسأل عما هو خير وعما هو شر.(1)
يقول ماكدويل إن العالم الذي نعيش فيه يتكون من قسمين، قسم هو من صنف الخواص الجوهرية، أو الصفات الأولية، وقسم هي الخواص العرضية أو الصفات الثانوية: الخواص الجوهرية هي كائنة بغض النظر عما يحصل لها، والخواص العرضية تعرض بناء على السياق الذي تظهر فيه. فالبرد والأشجار والماء، بهذا المعنى، هي خواص جوهرية كائنة، سواء رآها البشر أو لم يراها؛ أما الخير والشر والبر والشجاعة، فهي خواص ثانوية قد لا تتحدد بما تتحدد بها الخواص الجوهرية، لكنها صفات لا تنقص حقيقة وواقعا عن الصفات الجوهرية الأولية. ولتغريب هذا المعنى يأتي ماكدويل بمثال من الفيزياء يقول فيه: إذا تأملنا العلاقة بين طول الموجة والألوان في الفيزياء، وجدنا أن طول الموجة يعد خاصية معروضة، تطرأ عليها خصائص أخرى مثل الحمرة أو الصفرة؛ فما لم توجد خاصية معروضة كطول الموجة، لا يمكن لخاصية عارضة نظير الألوان أن تظهر. إن هاتين الخاصيتين، رغم ترابطهما، متميزتان من حيث الطبيعة، ولا يمكن رد إحداهما إلى الآخر. هذا النمط من العلاقة بالتحديد، يسري أيضا على العلاقة بين طول الموجة واللون في العالم الخارجي، أي العالم كما يُدرك. فاللون ليس هو نفسه طول الموجة، إلا أنه لا وجود له من دونها، والعكس صحيح.
ويرى ماكدويل أن هناك خصائص في العالم الخارجي، نظير اللون والرائحة والصوت ليست كالخواص الأولية الجوهرية، بل هي تنتمي إلى الخواص الثانوية، وهي جزء من العالم الخارجي، لكنها لا تُفهم أو تعرف بمعزل عن المُدرِك لها. فالحمرة، على سبيل المثال، لا توجد في العالم باستقلال تام عمن يراها، بل إن ما يجعل شيئا ما، يُدرك على أنه أحمر، هو تفاعل فيزيائي: إشعاع ضوئي بطول موجي معين يصطدم بشبكية العين فتقع سلسلة من التفاعلات العصبية، ثم أكون أنا، المُدرك، من يرى الشيء على أنه أحمر. وبهذا المعنى فإن الحمرة خاصية تعرض على الشيء بوساطة المُدْرِك وتكون العلاقة علاقة سببية عليَّة لا يظهر فيها اللون من دون وجود المدرك ومن دون أن يبلغ طول الموجة الجهاز البصري له.
وبناء على هذا التصور فإن الخواص الثانوية العرضية، كالرائحة والصوت واللون، هي خواص ناشئة، وجودها رهين بوجود المدرك. فهي ليست كالصفات الجوهرية الأولى التي لا تتوقف على الإدراك، بل وجودها مشروط بالحضور الإدراكي. فسواء وجدت أنا أم لا، يمكن القول إن لشيء ما كتلة أو حجما أو وزنا. أما في ما يخص اللون أو الرائحة أو الصوت، فالأمر مختلف: إذ لا وجود لها إلا إذا وجد من يدركها، لأنها صفات تقوم على خصائص معروضة، كطول الموجة، تظهر تحت شروط معينة، وبوساطة المدرك، كأوصاف تضاف إلى الواقع: كالرائحة أو اللون أو الصوت.
وهنا ومن هذه المقاربة بالتحديد يلج ماكدويل إلى الأخلاق. يقول: إنه كما لا يصح الاستنتاج من غياب صفات مثل اللون أو الرائحة أو الصوت في العالم، بأنها غير موجودة على الإطلاق، كذلك لا يمكن أن نستنتج من عدم وجود الصفات الأخلاقية في العالم الخارجي أنها لا وجود لها مطلقا. فجزء من علاقتنا المعرفية بالعالم يتبنين على السمع والبصر والشم إلخ، أي على تفاعلنا مع صفات عارضة كالصوت واللون والرائحة: لا غنى عن هذه الخواص الثانوية في توصيف العالم الخارجي، وهي تماثل الصفات الأخلاقية في كونها تدرك في سياقات مخصوصة وليست ماثلة في ذاتها بصورة مباشرة. وبناء على ذلك فإن العلاقة بين الخواص الطبيعية والخواص غير الطبيعية هي علاقة سببية أيضا. وكما لا يمكن وصف العالم الخارجي من دون الخواص العرضية الثانوية، تقع الصفات الأخلاقية في مقدمة هذه العوارض: فهي خصائص تعرض، ويمكن الحديث عن نشوئها في العالم الخارجي، وإنْ كان وجودها مشروطا بوعي أخلاقي معين. إن أوصاف الخير والشر تُدرك في سياقات أخلاقية، لكن لا يمكن أن يدركها إلا شخص ذو خلق وفضيلة، لأن من لم يمارس هذه الشؤون غير أنيس بها، لا يتمكن من أن يرى هذه الصفات أو يميزها، تماما كما لا يستطيع المصاب بعمي الألوان أن يدرك بعض الألوان. وكذلك هو المجال الأخلاقي إذ هناك من يعاني من عمى أخلاقي، فلا يرى الخير ولا الشر في الأفعال. وحدهم أولئك المتخلقون أخلاقيا هم القادرون على إدراك تلك الصفات وتمييزها.
أخلاق النضال من صنف أخلاق الفضيلة
تبين من الفقرة السابقة أن هناك بعض الصفات والخواص، ثانوية أو عرضية أو خلقية، لا يدركها كل كائن، ولا يمكن لأي فرد أن يتحقق منها أو يشعر بها، لأن الشعور بهذه الوقائع والمحدثات والكائنات، يتطلب التزود بقدرات لا يتمتع بها كل واحد. لقد اتضح أن تحديد صفات نظير التحرر من ربقة كل عبودية، تماما كما يحصل في الأحواز واحتلال الفرس لها، لا يمكن أن يكون من جنس المشعور به لدى كل الأفراد ولدى كافة الشعب الأحوازي، لأنه لا يمكن أن يكون الجميع متمتعا بنفس المقدرة على الإدراك والمعرفة.
ومن أجل ذلك فإن الشعور بأن احتلالا على الأحواز وقع، يستوجب العداء له والنضال ضده والكفاح لدحره، لن يكون إلا من نصيب أولئك المميزين، ممن استطاع تشخيص ذلك، كما تمكن صاحب العقل السليم من رؤية الحمرة في امتداد الموج، حمرة تدل على سلامة حواسه وفاهمته. ومن هنا فإن ذلك التعويل الذي طالما نسمعه من الكثيرين من المناضلين عن ابتعاد الشعب، جل الشعب، عن النضال الجماهيري ضد المحتل، يفقد هنا موضوعيته، لأنه من الأساس، الأساس المعرفي المشروح سابقا، لا يمكن للجميع أن يحرز تلك الفضيلة الأخلاقية التي يحقق بها سلوك النضال، ويدخل إلى المناضلين أصحاب الفضيلة والخواص من البشر.
الفرد والشخص
وبناء على ذلك يفرق علماء الأخلاق، المنطلقون من هذه المسلمات، بين الفرد وبين الشخص. فالفرد بهذا السياق يعني ذلك الكائن البشري الذي يتصرف بناء على طبيعته الغريزية، التي يميل نحوها في بادئ الرأي؛ فإذا صُقع أمام حادث، كالاحتلال، وشعر بخوف أو بجبن أو بقبول أو عدم مبالاة، مال إلى أول شعور تولد لديه، ولم يتصرف إلا بناء على هذا الشعور الظاهر في بادئ الرأي. وبالمثل إذا كان شخصا مجبولا على المهادنة والابتعاد عن الملاقاة، فإنه يعمل كذلك. ففي هذا النطاق يتصرف الفرد على سجيته، وبناء على جينات ورثها عن أهلها وبيئته، فإذا كان بخيلا بطبيعته بقى هكذا، وإذا كان غير ذلك تصرف وفق ما جُبِلَ عليه.
أما الشخص فهو على العكس من ذلك، يخرج من مستوى الفرد، الذي هو كائن غريزي، إلى مستوى الشخص، الذي يقرر ما سيكون عليه أو يحدد ما يجب أن يكون عليه. فهنا لا يحقق الفرد التشخص إلا إذا خرج من دائرة التصرف وفق الانفعالات الذاتية الجينية، ودخل إلى التصرفات النابعة عن الإرادة المتشخصة. إن الشخص هو ذلك الذي يخلق خيارات لا ينطلق من مجرد انفعال، يختار منها ما يراه يوائم ذاته والبيئة المحيطة به، فإذا وجدها توافقه اختلق بها وسلكها، وإذا ناقضته طرحها وابتعد عنها.
الممارسة الأخلاقية: دُرْبَةُ النضال
ومن هنا فإن المائز بين الفرد وبين الشخص بالتحديد، هي الممارسة. فممارسةُ الصفات التي تجعل من الواحد شخصا يختار تمظهره، لا مجرد فرد يتصرف بناء على الانطباعات، هي ممارسة أخلاق استطاع الشخص تحقيقها، تماما كما يستطيع صاحب الفاهمة السوية والعقل السليم تميز الحمرة في امتداد الموج، في المثل الذي أتى به ماكدويل.
ومن هذا المنطلق بالتحديد يستوجب ممارسة الأشخاص لأخلاق النضال، كأخلاق الفضيلة، لأن من يستطيع النضال، هو ليس كجموع الأفراد وجماهير الأفراد ممن يحيى ويموت على ما طبع عليه من جبن أو بخل أو كرم إلخ، لا فرق، بل هو كائن متشخص استطاع أن يمحص تلون الواقع الذي هو فيه، فإذا به يَمِيز الخبيث من الطيب، وإذا به يفرق بين الاحتلال وبين انتماء زائف للاحتلال الإيراني. ومن هنا فإن من يدعي دعوات فاسدة نظير الفدرالية أو الانتماء إلى إيران بوصفنا عرب إيران (وما أبغض هذه العبارة الفاسدة) ليس فردا يتصرف بناء على مصالحه الفردية أو تخاذله، كلا بل هو يتصرف بناء على غريزته وسوء معدنه المعطوب.
ومن هنا يصبح النضال مدرسة يجب أن تمارسها الأجيال، جيلا بعد جيل، ويجب أن تكون الطليعة المناضلة تصطفي من أصحاب المعادن الطيبة، والنفوس السليمة، ما يوائم طبعه واكتساب صفات النضال، والخروج به من حيز الفردية الغريزية إلى التشخص التام.
الشخص
وبناء على ذلك فإن المناضل هو فاضل بحد ذاته، وفي نفسه وبعينه. وبناء على هذه الرؤية يجب شطب صفة المناضل من جميع أولئك الأحوازيين الذي انتحلوا صفة المناضل واعتاشوا على آلام الشعب، وارتقوا على حسابه ارتقاء كاسدا، لأنه لا يمكن أن يعد هؤلاء من حملة أخلاق الفضيلة النضالية، التي لا بد أن تؤثر بالضرورة، المصلحة الجمعية على المصلحة الفردية. لأن المناضل الزائف الذي يعمل من أجل مصلحته الفردية، بناء على كل تلك المقدمات التي استعيرت عن ماكدويل، هو ليس بصحاب أخلاق أو فضيلة، لأن تصرفه جاء وفق طبيعته الغريزية، لم يعتلي بعد إلى مصاف التشخص.
فكم رأينا مناضلا فردا ينادي لتبني العروبة لغة قومية وثقافية للشعب الأحوازي ضديد الاحتلال الإيراني، وحين عُرض عليه منصب من الدرجة الرابعة والخامسة، طرح العروبة وكفر بها، وراح يلهث وراء خدمة الفرس وجهاز الحكم الفارسي المحتل، متناسيا كل ما بدر منه سابقا وأمام رؤوس الأشهاد. لا يعد هذا مناضلا بحق، بل هو فرد مموه بغريزته ليس أكثر. وكم سمعنا من مناضل يدعو لتبني اللغة العربية لغة تدريس وثقافة وعلم، وإذا به يتكلم مع أسرته باللغة الفارسية، في أكثر صور النفاق صدمة وبغضا. وكم من المناضلين الكبار حقا، من الجيل الأول والثاني، ممن خصص عمره لخدمة القضية، وإذا بأولاده وأسرته إما بعيدين كل البعد عن القضية الأحوازية، وإما متفرسين متماهين مع دولة الاحتلال، حتى جعل ذلك المرء مصدوما أمام كل ذلك التناقض بين صدق هذا المناضل وقد وهب عمره للنضال، وبين حال أسرته التي تفرست وأبغضت القضية أو ابتعدت عنها بُعد المشرقين. وهنا يجب التذكير بكلام مناضل فيه وجوه تعبير موفقة إذا قال «إني إذا رأيت من يتحدث عن النضال الأحوازي، سارعت إلى النظر إلى حال أسرته، زوجه وبناته وأولاده، فإذا رأيت فيهم تأثيرا من عقائد ربهم، صدقت كلامه، وإذا لا ابتعدت عنه وتركته لحاله يبيع من يشاء من كلام عن النضال».
الأسرة
ولذلك يمكن الخروج بأعضاء الأسرة من حيز الانطباعات الغريزية وتربيتهم على أساس أخلاق الفضيلة، كي لا يكونوا مأسورين بالفردية مقيدين بما تملي عليهم ميولهم، غير مدركين الأخلاق الواجبة تجاه الآخرين. وهذه مسؤولية يجب أن يدركها المناضل أولا قبل غيره. فهنا لا يقف المناضل أمام مختبر يضع صدق معتقده على المحك، بل هو يقف أمام نفسه هل يؤمن بما خصص نفسه وعمره من أجله، ليؤدب أبنائه على أساسه، أو إنه سلك هذا المسلك كنوع من العمل، من تمضية الوقت، والقيام بشيء ما كمن يقوم بعمل النجارة أو الكتابة أو أي صنعة ومهنة من أجل تسلية أو دخل شهري إلخ.
إن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي على أساسها يمكن ضمان استمرار فكرة ما، أو فضيلة ما، هي هنا فضيلة النضال الأحوازي ضد الاحتلال الإيراني. فإذا ما كان الفرد المتشخص، بلغة تمثيلية، منطلق فكرة النضال وتبنيها، فإن الأسرة وما فيها من التكاثر هي القادرة على منح استمرار الأفكار والفضائل، وهي التي تضع الشخص أمام السلوك التي يجب أن يتخذها وينميها على قدر همته.
إن أهم ما يمنح الأسرة دور محوريا في المجتمع وبل في صياغة تشخص الفرد أيضا، هو دورها في التنشئة المجتمعية، حيث هي من تضع الفرد أمام تصرفات وسلوكيات تصقل تشخصه. فإذا أرادتْ منحت الشخص سلوكا تدخله بها إلى التشخص، وإذا أخفقت جعلته يجتر غرائزه يكرر التصرفات الناتجة عن الإراثة أو تأثيرات البيئة المحيطة به. فضمن هذه التنشئة يتم الحفاظ على اللغة الأم، والثقافة العربية، وانتقال سردية جيلا بعد جيل عن مصائب الاحتلال الإيراني، وكيف عمل على التفريس، وعادى جميع التمظهرات العربية في الشعب الأحوازي وأراد طمس وجوده بطمس عروبته إلى الأبد.
كما أن الأسرة تصلح تماما لنواة عمل تنظيمي ضارب، لأنها هي وحدها التي تسري فيها ثقة وتفانيا، ينقص التنظيمات الأحوازية، مما يجعلها مجموعة لا تُخترق، تعمل سنوات طويلة دون أن يتم رصدها أو كشفها بخروقات ناتجة عن تساهل بعض الأفراد، أو وشايتهم في ساعة ضعف.
المجتمع
وإذا اعتبرنا هاتين النقطتين، الشخص والأسرة، بمثابة النواة الأوليين في أخلاق النضال، يمكن حينها التأثير على المجتمع بأسره لإدخاله ظرفيا في معركة التحرير المطلوبة؛ ظرفيا لأن المجتمعات التاريخية كلها تفيد بأنه لا يمكن القيام بحركة تحرير بعد اكتساب المجتمع بأسره أخلاق الفضيلة.
إن صناعة الفرد لتشخصه، ثم اجتهاد الشخص في بناء أسرة مناضلة تتحلى بفضيلة النضال، هما الكفيلان بقيادة المجتمع حصرا. وكما هو الحال في الوضع الراهن من الشعب الأحوازي، حيث يعاني الشعب من تيه في تحديد غاياته وانتماءاته وتطلعاته، بل وحتى هويته، بعد قرن من التفريس ومختلف سياسات الاحتلال، يستوجب الإكتفاء بأخلاق الفضيلة كشرط لازم وكاف للتحرير، لأن الأشخاص المتحلين بأخلاق النضال، لا يضمنون توريث أفكارهم التحررية للأسرة التي كونوها فحسب، بل إنهم، بمعية أسرهم، قادرون على خوضه، ومواجهة الاحتلال مهما تعاظم.
فهنا يخبر منطق التاريخ أن وجود الشعوب ودعمها، لم يرتق إلى المواجهة المباشرة ولا إلى التخطيط ولا إلى العمل المباشر قط، بل أقصى ما يمكن لأي شعب ومجتمع أن يقدمه هو القاعدة الاجتماعية والحاضنة التي لا ترفض المناضل فقط. ويكفي في ذلك استحضار المثل الغزاوي الفلسطيني حيث أنه لا أحد يصادق على أن شعب غزة كله أو جله، البالغ مليونين، هو من يجابه الاحتلال، بل إن الحركات المقاومة هي التي تخطط وتقود وتضحي إلخ، والشعب يقدم الحاضنة لها؛ وبلغة الأرقام يمكن القول إن المقاومة في غزة لا تعدو من كونها 3 بالمئة من إجمالي السكان، بينما تبقى الأغلبية الساحقة مستحيلة في حياتها اليومية لا تهتم على الأغلب إلا بمصالحه الفردية.
وهذا هو واقع الحال في الشعب الأحوازي، أو ما يجب عليه أن يكون. إن تخلف الشعب البالغ عدده 10 مليون نسمة من تقدم حركة نضالية تجابه العدو الفارسي، يرجع إلى فشله في تقديم 0.5 بالمئة من المناضلين ممن يتحلون بفضيلة النضال إلى مجابهة الاحتلال، ويكون وكدهم اليومي أنزال العذاب فيه، وإفشال مخططاته وسياساته الرامية إلى القضاء على الشعب كله.
الختام
لقد سعى هذا المقال إلى أن يبين شيئا يبدو بديهيا هو أنه: كما لا يستطيع كل بشري أن يشعر بالرائحة إلا إذا كان يتمتع بحاسة الشم، ولا يستطيع أي شخص أن يسمع الصوت إلا إذا كان سامعا، فبالمثل لا يستطيع كل بشري أن يدرك مستوى آخر من الإدراكات، هي تلك الإدراكات التي ليست من صنف الماديات بل هي من الحيز الروحي. فإذا كان هناك من يستطيع أن يشم، فليس كل شام مكين من التمييز بين الريح الطيب والمقذور، وإذا كان هناك من يسمع وله آذان فليس كل سامع يَميزُ بين الصوت الطروب من المنكر أو الكلام الطيب من الخبيث.
وهنا بالضبط، ومن هذه المسلمة اليسيرة لكن الخطيرة جدا، التي تترتب عليها نتائج عظيمة، يتبين أن ليس كل الناس قادرة على إدراك الفضائل، وليس كلهم قادرون على الشعور بها: فضائل نظير الشجاعة ونظير الكرم، وفوق هذا وذاك فضيلة النضال من أجل حرية شعب، تماما كما لا يتمكن كل سامع أن يطرب للصوت العذب، ولا كل شام أن يميز بين القذر من الريح وطيبها.
ولذلك إذا ما كان الشعب الأحوازي، كما يكرر ذلك جل المتعلمين (ومن ضمنهم كاتب هذه السطور) قد تخلف عن نصرة قضيته والثورة على الاحتلال، فذلك ليس بدعا بين الشعوب، بل هي طبيعة الجنس البشري ذاته، لا تسمح للكل أن يكون على مقدرة إدراكية متساوية لكشف القضية الأحوازية، وأحقيتها وفضيلتها. ومن أجل ذلك يقع النضال من أجل تحرير الأحواز من ربقة الاحتلال الفارسي، على عاتق تلك الصفوة الفاضلة التي تدرك ما لا يدرك الكافة، وتشعر بالغير المشعور به من دون الجميع، وتعمل هي، دون غيرها، على تحرير الوطن المغتصب، وتكثيف الجهود وتوارث الفضيلة.
وبعد هذا، تسير المراحل النضالية، أولا من الشخص الذي يمارس الفضيلة في نفسه ويجعلها ملكة فيه، ثم يورثها إلى أسرته، ثم يأتي إلى المجتمع فيصنع له قاعدة اجتماعية وحاضنة شعبية، تصادق على فضيلته وترتضي قيادته نحو التحرير المنشود، والغاية المثلى: ألا وهي تحرير الوطن السليب. وفي ظل هذه القراءة يمكن فهم الواقع المعيش، والابتعاد عن تكرار الإحباط، وإلقاء اللوم على الشعب الأحوازي وقصوره في الثورة ضد محتله. وذلك لأن ثورة شعب برمته أو جله متعذرة معرفيا وأخلاقيا، وهذا يتبين من قصور الكافة عن إدراك المدركات الفاضلة كما تبين.
رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
المصادر والهوامش:
- جون ماكدويل، العقل والقيمة والواقع، مطبعة جامعة هارفارد، الولايات المتحدة الأمريكية 1998
- سروش دباغ، محاضرات في الفلسفة الأخلاقية.
