المقدمة
كثر الحديث في الظروف الراهنة التي يمر به الاحتلال من مرحلة الانهيار والسقوط، عن الفريضة الواجب إقامتها من قبل الشعب الأحوازي بكامل أطيافه ونخبه. فبينما اتجه البعض نحو ضرورة «الانتظام وإعادة التوحيد بين القوى المناضلة» ضمن كلام عام يخلو من خطة تنفيذية واضحة المراحل والترتيب؛ اتجه البعض الآخر نحو قناعة تدعو «لتأسيس أحزاب وحركات جديدة نتيجة فشل الحركات السابقة وعجزها عن نصرة القضية الأحوازية»؛ وبينهما فئات اكتفت بالحديث واستهلاك الكلام، دون أن تتخذ خطوة عملية للتعاطي مع اللحظة التاريخية الراهنة، وهي الفئات المتواجدة في الداخل، وهي منفعلة في الوقت الراهن انفعالا نسبيا.
أما هذه الدراسة فهي لا تملك إلا أن توضح أفكارا بدت لها أجدر للتعامل مع اللحظة التاريخية الراهنة، التعامل الذي سيفضي إما لتحرير الأحواز؛ أو الحصول على فدرالية؛ أو إحقاق بعض الحقوق ضمن الدولة القائمة (دولة الاحتلال الإيرانية) نظير التعليم باللغة الأم، وتحديد حدود المناطق العربية الأحوازية، والاعتراف بالحيز الثقافي المجتمعي العربي/الأحوازي ونحو ذلك. ولذلك من هنا يبدأ الطريق نحو الغايات تلك، من الفصول الثلاث الآتية: تكوين الكتلة التاريخية وتفعيلها؛ وتوحيد التنظيمات الأحوازية، وتفجير الثورة الجماهيرية.
الكتلة التاريخية بأي معنى؟
ليس هناك مبرر تاريخي في تلك الدعوات التي تعلو بكثرة بين أوساط المناضلين التي تفيد بعدم بلوغ الشعب الأحوازي، جماهير وحشودا وطبقات وفئات وعشائر إلخ، مستوى خوض النضال، وانعدام الاستعداد فيه للقيام بثورة ضد المحتل الايراني. فمثل هذه الدعوات تفتقر إلى الرؤية التاريخية، وهي تعاني من قياس مشوه: فتاريخ الأمم لم يثبت أبدا صناعة التاريخ من قبل الجماهير. إن الجماهير والشعوب لا تصنع التاريخ بل التاريخ هو صنيعة النخب، صنيعة الطليعة، وصنيعة الكتلة التاريخية التي تتكون في أمة ما، وفي شعب ما من الشعوب، فتحدد غاياته ثم تقوده نحو تلكم الغايات. ماذا يعني ذلك؟ وإلام تشير الكتلة التاريخية؟
تتكون الكتلة التاريخية من فئتين رئيسيتين، لا بد من تضافرهما، لكي تؤدي الكتلة التاريخية وظيفتها المجتمعية والسياسية. فئة النخبة المفكرة، وفئة النشطاء.
- النخبة الفكرية: إن كل من له صلة بالأحواز لا يتريث في تصديق وجود نخب تكونت فيه في جميع المجالات، خاصة في مجالات العلوم الإنسانية الاجتماعية التي لها تعود القيادة. وهذه النخب هي علمية بالدرجة الأولى، ولها اختصاص محكم في حقل السياسة والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع إلخ. هي نخب مفكرة، يطلق على كل مختص فيها اسم مفكر؛ وإنْ كان عددها قليل، فمجرد وجودها يمنح للكتلة التاريخية مصاديقها. إن وظيفة هؤلاء العلماء المفكرين من الشعب الأحوازي، هي تحديد غايات الشعب، من منطلق بناء سردية متماسكة علمية. يخوض هؤلاء سجالا علميا رصينا، بأدوات العلم الحديث، وبمساعدة مختلف اللغات الحديثة الغربية، ليكونوا ذلك النظام الفكري، أو ذلك الخطاب، الذي يتمفصل حول عروبة الأحواز، وتشخصها و تمايزها عن كل الشعوب والأمم، خاصة الشعب الفارسي، بكل ما فيه من ثقافة وسياسة وتاريخ واحتلال. لغة هؤلاء هي لغة العلم، وهم يميلون إلى قضايا معرفية رصينة هي من صلب القضايا المعرفية الحديثة. فهؤلاء نخب علمية تنتمي للحداثة، وليست متخصصة في العلوم القديمة، من بقايا العلوم ما قبل الحديثة. ومن أجل ذلك فلا يمكن لعلماء الدين أن يكونوا جزء من هؤلاء. وبناء على ذلك، أي بناء على انتماء هذه النخبة إلى المد الحداثي، لا بد أن تتوفر فيها شرط الانتماء إلى العروبة، وإلى الأحواز. فلا يمكن لنخبة أحوازية إلا أن تكون عربية الانتماء انفصالية الغاية، وعلى هذا الأساس تتكون شخصيتها العلمية.
لقد أثبتت الحداثة لهؤلاء النخبة، وكل من استقى معارفه من فروع العلوم الحديثة، أن لا حقيقة في التاريخ، بل التاريخ هو صنيعة السرديات في جوهره. إن الحقيقة التاريخية تنبع من معطيات فكرية متخيلة، تُتخذ من بديهيات صلبة، نظير اللغة، منطَلَقا لها من أجل قولبة حقيقة ما تتوافق عليها النخب وتمنح حقبة تاريخية ما مصداقيتها العقلائية. وبناء على هذه المعطيات الصلبة، نظير عروبة الأحواز، لا يمكن قط أن تأتي نخبة عربية أحوازية تتحدث عن وحدة بين الشعب وبين الفرس، أو عن كيان متعدد يضم عربا وعجما.
إن أبرز ما يميز هذه الفئة هو استخدامها مصطلحات تاريخية، ومفاهيم فلسفية ترنسندنتالية متعالية، وتحليل سياسي مجتمعي موغل في النظريات، جعلهم أصحاب لغة خاصة بهم، ولذلك لا تعد العامة متلقي هؤلاء، أو بينهم كبير صلة، بل حديثهم موجه لمن له المقدرة في فهم اللغة العالمة.
- النشطاء: ولذلك لا بد من وسطاء بين هؤلاء العلماء، وانتاجاتهم الفكرية والعلمية، وبين عامة الناس. وهذا الدور الوسيط يقع بالتحديد على عاتق النشطاء، الفئة المحورية في الكتلة التاريخية، الفئة الخطيرة التي مزجت بين الفهم العالم النظري، وبين فن التعامل مع العامة ونجحت في مخاطبتهم وإفهامهم. إنها الفئة التي يصلح تسميتها بمحرك الثورات. لا تعد هذه الفئة الوسيط النظري بين النخبة الفكرية من المفكرين والعلماء حصرا، بل هي تلك الفئة التي فيها تنحصر القيادة الميدانية، وهي القوى التنفيذية التي تقود الحركات والتنظيمات النضالية. ولا بد من الإقرار بأن المجتمع الأحوازي يتوفر على شرائح كبيرة من هؤلاء النشطاء، حيث هم من كان قوام الثورات، والفئة الأكثر تعرضا لفتك الاحتلال الإيراني. ونظرا للفردانية الموغلة في فئة المفكرين والعلماء، ما تجعلهم منفصلين عن العامة، بلغتهم ونرجسيتهم وإيثارهم الوحدة اللازمة للإنتاج الفكري، فإن فئة النشطاء هي وحدها التي تحتل الساحة النضالية، وفيها يجب احتكار القيادة، ومنها يجب أن تُلتمس التكتيكات النضالية اللازمة لمختلف فترات الكفاح. فهنا تتميز هذه الفئة بقوتها على الإدارة الميدانية. وبينما هي تعتوز المقدرة الفكرية التي تسمح لها بالتأطير العملي المعرفي، فإنها ما إنْ تتحصل على ذلك من أفكار المفكرين، تهيمن على الواقع عبر ما يتحصل لديها من مقدرة بالغة في بسط السيطرة على الواقع، والهيمنة على الساحة العملية. وهكذا تتحد أفكار النخبة الفكرية العالمة، وتنفيذها على أرض الواقع على يد النشطاء، وهو ما يصنع اتحاد الذات والموضوع في التاريخ الأحوازي، وبدء الثورة الجماهيرية الشاملة في سبيل التحرير حيث يتم شرحها في الفقرة الثالثة.
- فضيلة النضال: وتجنبا لتكرار التجارب العربية في التاريخ الحديث والمعاصر، حيث سرعان ما تحولت النخبة التاريخية، والأحزاب القومية التقديمة، في هذه الأقطار إلى دكتاتوريات سفاحة، في كل من العراق وسوريا ومصر (البلدان العربية التاريخية والقيادية دون منازع) فلا بد من شروط في سلوك هذه النخبة، يضبط نزوعها نحو استعباد العامة والتسلط على رقاب الشعب، والدخول به إلى طبقة حاكمة أقلية ممتازة، وأكثرية مسحوقة. إن ذلك الشرط يتمثل في الفضيلة: ولا تعد الفضيلة هنا شيئا ما ورائيا، بل هي صفة أخلاقية واضحة تتمثل في الديمقراطية. ومن هنا لا بد أن تكون الكتلة التاريخية، بطبقتيها النخبة المفكرة والنشطاء، ديمقراطية السلوك والتعامل، تؤمن بالديمقراطية فضيلة سامية، ومثلا أعلى، ومعتقدا يميز بين الصالح للعمل الجماعي والمناضل المؤمن بالشعب، وبين النخبة المصلحية التي تعتاش على أفكارها وتبنيها للقضايا السياسية المتداولة.
ولا تعني الديمقراطية ألبتة إيكال النضال والحكم إلى الشعب، إلى العوام، خاصة العوام من الشعب الأحوازي وهم الأكثرية الساحقة، بل يعني ذلك الاتفاق على أطر معروفة ومتسالم عليها من أجل التداول النخبوي، وفق صياغة فلفريدو باريتو، حيث يتم بناء على هذه النظرية الاتفاق على آليات ديمقراطية تضمن تداولا سلميا للسلطة بين النخب الحائزة الشروط من أجل إصابة الحكم وقيادة المجتمع. وهكذا إذا ما استمر المجتمع المحرر على تداول سلمي بين نخب ديمقراطية السلوك، بكل ما للمفهوم من حمولات، حينها يمكن إدخال المجتمع بأسره إلى السلوك الديمقراطي والدول المتقدمة.
التنظيم
إن اتحاد الأفكار النضالية الخارجة من أفكار النخب الفكرية الأحوازية، مع تنفيذ النشطاء لها، لا يكفي بحد ذاته، بل لا بد من جسور ووسائط بها يترجم ذلك، ويتم تطبيقها على المجتمع الأحوازي. وذلك لأن وجود النخب بحد ذاته، رغم غزارة الإنتاج والعطاء الفكري، إلى جانب نشطاء يبثون تلك الأفكار بين العامة، لن يتمكن من تغيير الواقع. فالشعب الأحوازي فيه من النخب الفكرية، أو سمع عن نخب عربية، وفيه من النشطاء ما لا يحصر، ولكنه عجز مع ذلك عن القدوم إلى سبيل التحرير؛ لا لشيء سوى لأن عمله لم يكن تنظيما بحق، أو كان ركيكا من حيث التنظيم. ومن أجل ذلك لا بد من السير على الخطوط التنظيمية الثلاث الآتية:
- إنعاش التنظيمات التاريخية: والتجنب كليا من تأسيس أحزاب أو حركات جديدة. فذلك بغض الطرف عن الرمزية التي للحركات القديمة، يجنب القوى المناضلة من إهدار طاقاتها في تأسيس حركات جديدة، ويمكنها عوضا عن ذلك من تضافر الجهود. وبدلا عن المساعي الحثيثة في تأسيس تنظيمات جديدة لا يتجاوز عدد المنتمين لها بضعة أشخاص، يبدو السعي في إصلاح الأحزاب والحركات القديمة أفضل طريق في العمل، لأنه لا ينعش تلك الحركات فحسب، بل هو يساهم في بث دماء جديدة فيها من الشباب، والاستفادة من الخبرات القديمة والتجارب السابقة في العمل المقبل: سواء في تجنب الأخطاء، أو تعلم التعامل الدولي، أو تعلم سبل الوحدة بين الفرقاء. وعلى رأس هذه الجهود لا بد أن يقف العمل على تشكيل منظمة تحرير أحوازية موحدة، تجمع كل التنظيمات، دون استثناء، وتجعل من نفسها المرجع الأعلى للقرارات المصيرية. وتكتب دستورا عاما يتمخض عن مشاورات موضوعية مع الجميع، يأتي بمخرجات تكون بمثابة الدستور العام للأحزاب، له الشرعية العليا للبت بالقضايا الفرعية والمصيرية معا. ولعل أكبر تلك القضايا هي الاتفاق على توحيد الجهود للتحرير أم لنيل الفدرالية، ثم قضايا فرعية أخرى هامة وخطيرة نظير إدخال العامل النسوي إلى ساحة النضال الأحوازي، واستغلال الحضور النسائي في النضال ضد الاحتلال، من جهة، ومنح الشباب الأحوازي دورا قياديا في الحراك أكثر من الحد الراهن، الذي تتربع على مقاعد القرار قيادات من الجيل القديم.
- ضبط آليات ديمقراطية شرعية: وفي مقدمة الوظائف التي يجب على منظمة التحرير الأحوازية القيام بها هي ضبط آليات ديمقراطية شرعية، أي محل إجماع، للتداول السلمي للأدوار التنظيمية، وابداع آليات جديدة تمكن منظمة التحرير من التواصل مع مختلف الفئات المجتمعية، خاصة من الأجيال الجديدة. فإذا كان دور التنظيمات هو التوسط بين الأفكار النخبوية التحررية، وعامة الناس، عبر النشطاء أصحاب التنظيمات هذه، فلا بد من ابداع طرق لذلك. ويمكن أن تشمل هذه الطرق والآليات مساحات واسعة من العمل، ليس مهما شرحها كلها هنا، نظير تشجيع مشاركة المرأة (كما قيل) وتطوير برامج سياسية تحررية، والتواصل مع النشطاء التكنوقراط خاصة في مجال البرمجيات والإعلام والأمن السيبراني، وبناء مراكز دراسات توثيقية وتحليلية وتعزيز الفاعلة منها، والتواصل المباشر والآمن مع الداخل إلخ.
- الإعلام والهندسة المجتمعية: يبلغ عدد القنوات الأحوازية العاملة في الوقت الراهن، ستة قنوات. المحتوى المقدم منها هو من درجة متدنية، ليس على مستوى المضمون فحسب، فذلك محل نقاش، بل من حيث مهنية العمل، من جودة الصوت والتصوير والأخطاء المرئية والصوتية. ويبدو أن لكل حركة وتيار قناة، كل يقدم محتوى متكرر، محوريته ذم النظام الإيراني، دون برامج نوعية تهدف إلى دراسة المجتمع الأحوازي بذاته، ومن ثم العمل على هندسة المجتمع هندسة نضالية قوامها الإيمان بالشعب الأحوازي وعروبته. هذه القنوات هي غير تعددية لا تسمح، تقريبا وليس مطلقا، لكل أحوازي أن يقوم بمداخلة عبرها، ونادرا ما تسمع للأصوات المنتقدة؛ بل هي تفسح مجالا أوسع لأصوات مرتبطة معها أكثر، في أدبيات تبتعد عن المبادئ الصحفية والإعلامية بالمجمل. إن عملية هندسة الوعي وقولبته التي تتمخض عن بث مفاهيم معينة بين أوساط المجتمع، هي من صنف غير المطروق في هذه القنوات: ويكفي مثالا لذلك هو مفهوم الأسير الأحوازي: حيث تنعته هذه القنوات التحررية الانفصالية بأنه معتقل سياسي، متجاهلة استحالة اطلاق هذا الوصف على من ينادي بالتحرير ولا يؤمن بالدولة الإيرانية المحتلة ليكون مواطنا معتقلا فيها، بل هو أسير أعتقل في حرب خاضتها المقاومة الأحوازية ضد القوات الإيرانية المحتلة. وبالمثل هي زوبعة الاسم الخاص بالأحواز، في هذا الإعلام الذي يتقصد صناعة الوعي الأحوازي، بين قناة تنعتها بـ«الدولة الأحواز» وبين قناة تقول عنها «إمارة عربستان»، وبين قناة تتحدث عن «محافظة الأهواز» وكلها معان غير دقيقة، تبتعد عن تعمق و اجتهاد تاريخي سياسي، بل يغل عليها السبق الصحفي وقصد التمييز عن حزب آخر أو حركة أخرى. وهكذا تتخلف هذه القنوات بمحتواها عن الهندسة الإعلامية المجتمعية، وإطلاق شرارة الانتفاض؛ ومن أجل ذلك فإن الخطوة العمل على توحيد طاقاتها المادية وإبعاد الكوادر غير المختصة، والاتيان بكوادر جديدة تعي أهمية الإعلام ودوره وخطورته.
الثورة الجماهيرية المنشودة
إن تحديد النخبة الفكرية القومية الأحوازية، واستخلاص أفكارها وانتاجها الفكري على يد النشطاء، والخروج عن ذلك بتنظيمات تملك أدوات العمل مع الواقع وتغييره، لا شك أنه يتوج بانضمام الجماهير الأحوازية، وثورة الشعب بأكثريته ضد نظام الاحتلال الإيراني والهيمنة الفارسية العنصرية. وبناء على ذلك يجري التصور للثورة المنشودة هذه على المستويات الثلاث الآتية بالتزامن مع بعضها:
- المظاهرات السلمية الجماهيرية: التي تأتي بعد عمل دؤوب من قبل النخب والنشطاء، واقتيادهما الجماهير الشعبية. فالشعب الأحوازي ذو النزعة القبلية الدينية المتقوم بأخلاق الفزعة، لن يتأخر أبدا، كما أثبت التاريخ النضالي له، البالغ قرنا من الزمان، عن أية ثورة تقودها أطراف، قبلية كانت أو نخبوية أو أجنبية، لا فرق، بل يسارع في كل خروج وانفجار للانضمام والالتحاق بركب الثوار، وبالسرعة نفسها يعود أدراجه. وهنا تكمن الخطورة ووظيفة النخبة بالآن ذاته: حيث يجب استثمار حالة الفزعة في الشعب الأحوازي من جهة، وهي الأسهل في الاكتساب، والحفاظ على زخمها واستمرارها من جهة أخرى، وهي المهمة الصعبة. وذلك بالتحديد هو واجب التنظيم الذي يجب عليه تتويج الخروج الجماهيري بعمليات مباشرة تثبت للشعب تأثير خروجه وثورته السلمية:
- العمل المقاوم الهادف: وأول إثبات لذلك هو دخول التنظيم بنخبه ونشطائه وعناصره إلى الصدام المباشر مع مجرمي النظام المحتل: من قضاة وقيادات حرس وجيش وشرطة، وعملاء يشون بالمناضلين، ومؤسسات تنتهج سياسات التفريس الشعب، وتجار مستوطنين أفقروا الشعب واستعبدوه إلخ. وفي ظل مثل هذه العمليات الهادفة، التي تأتي عبر التحييد المدروس، يكتسب الشعب الوعي القومي اللازم، ويخرج من مرحلة الفزعة الغريزية إلى الثورة القومية الواعية، مزامنة تماما مع إدراك جماهير الشعب الأحوازي بوقوف رجال قيادات تسندها، وتتصدى للمستوطنين المدنيين والعسكريين معا ممن استعبدوها. ولا تتركز عملية التحييد هذه على الأماكن العامة حيث قد يسقط الأفراد بالجملة من العرب والمستوطنين معا، ولا تستهدف أنابيب نفط على أطراف المدن، كما كان الحال عليه، بل هي تأتي إلى قلب المدن الأحوازية، وتقوم بتحييد الرجال والنساء المساهمين على أرض الواقع، وتفقدهم قوتهم في الحركة والتأثير، خاصة أولئك الذين تسببوا بكوارث للشعب الأحوازي، وقتلوا فيه ونهبوا منه. إنها عملية تظهر على شكل دفاع عن النفس عبر كف الظالم عن التوغل في ظلمه.
وشرط نجاح العمليات الهادفة من دون شك (كما تم التأكيد مرارا في عدة دراسات، وبشكل يراعي النشر على العلن) هو العمل الاستخباري. فضمان عدم حبس المناضل والإلقاء به إلى السجون والتعذيب، هو ما يكفل التحاق الأفراد بالنضال من جهة، وهو ما يضمن الاستمرار من جهة أخرى. فالقضية هنا لا تتعلق أبدا بمدى استعداد الفرد للتضحية والفداء، كلا، ليس القضية على هذا الشكل، وتصورها بهذا الشكل هو قصر نظر، بل القضية هي خوض العمل على أصوله ومبادئه وإحكامه: فإذا ما أردت أن تأتي بحداد يقوم بلحم الحديد في أعالي الأبراج الشاهقة لن يأتيك أحدهم وإنْ برح به الجوع والبطالة، إلا إذا ضمنت له عدم وقوعه من الأعلى، وبالمثل لن يأتيك مناضل أحوازي شريف يعمل مع التنظيمات إلا إذا ضمنت له متسعا من الأمن الاستخباري، وعدم الزج به إلى التهلكة وغياهب السجون الإيرانية يلاقي فيها التعذيب والمرض والمهالك، دون أن يسأل عنه التنظيم الذي تسبب ذلك له أو يوفر له محام، أو يكفل حياة أسرته، أو ينفذ له عملية تخرجه من السجن، نظير استهداف السجون، أو اختطاف مستوطنين يتم تبادلهم مع الأسير (وهذا هو ما يحصل لأسرانا في الداخل الذين فتك بهم الاحتلال شر فتك، وجوع أسرهم، ودمر حياة أبنائهم).
وعلى العموم وبعد كل ذلك الاستهداف الذي يحيد رجال النظام، من قضاة وساسة وتجار إلخ، ستتوافد الألوف من جماهير الشعب الأحوازي نحو الالتحاق بكتائب الثورة ضد القوات الاحتلال بكافة أشكالها، وتتحد عزيمة الشعب الأحوازي، خلف قيادة مركزية لها الرمزية الكاريزمية في قيادة الشعب رمزيا.
- صناعة القائد الأحوازي الرمز: الذي يخاطب هذه الجماهير المحتشدة في الثورة الجماهيرية السلمية العارمة من أجل التحرير، المساندة إلى العمل النخبوي التنظيمي. وكان إدراج هذه الفقرة ضمن الحراك الجماهيري دلالة على أن القائد الكاريزماتيك لا يقود الحراك النخبوي لوحده أو بعبقرية منه، فذلك أمر يثير السخرية إذا آمن به أحد، بل هو له وظيفة جماهيرية للتعبئة والتحشيد ليس أكثر ولا أقل. فليس من المعقول، في هذه الدراسة الداعية إلى تبني الثورة النخبوية وقيادة الجماهير من قبل النخبة، أن تصرح بوجود قائد عملي وحيد هو الشخص الملهم، بل المقصود بذلك هو أن طبيعة الشعب الأحوازي، وتركيبته المجتمعية، ستكون أكثر استجابة للنخبة المناضلة إذا ما قدمت قائدا كاريزميا، يخاطب الكافة، ويساهم الإعلام في منحه هالة رمزية قدسية، من أجل اتمام عملية الاستنهاض. أما القيادة الحقيقة فهي من ملك النخبة الديمقراطية الأخلاق والسلوك، التي يتم فيها تداول الحكم والقيادة. وعلى العموم تعد الثورات المرتع الخصب الذي فيه تولد القيادات، وتكتسب ضمنها الرجال طابعا رمزيا.
الاستنتاج
مخطئ من يدعو الشعب الأحوازي، بوصفه شعبا، إلى الانتفاض ضد المحتل، ويستبدل في الثورة العربية المنشودة في الأحواز الشعب بالنخب. هذا هو ما أرادت الدراسة هذه الإشارة إليه. فالتاريخ في جميع أصقاع الأرض أثبت بما لا مجال للشك فيه ولا المناقشة السقيمة حوله، بأن التاريخ هو من صنع النخب، ولا دور للشعوب إلا مساندتهم في صراعهم ضد بعض. والشعب الأحوازي ليس بدعا من هذه القاعدة التاريخية الكلية. وبناء على ذلك يجب على النخب الأحوازية الإيمان بهذه المسلمة، والكف عن تكرار عدم استعداد الشعب الأحوازي للانتفاض. وبدلا عن ذلك تحتم الظروف الراهنة التي يمر بها الاحتلال الفارسي في مرحلة الانهيار، البدء من هنا:
من النخبة الفكرية التي تجعل أفكارها القومية التحررية إطارا للعمل، ثم تأتي النشطاء من أجل ترجمة أفكار هؤلاء النخب على أرض الواقع. وتفرض تلك الترجمة إنعاش التنظيمات الأحوازية القديمة صاحبة التاريخ، والعمل ضمن نطاقها، من أجل خلق آليات ديمقراطية لإنجاح العمل النخبوي، وابداع إعلام يهندس المجتمع بناء على تلك الأفكار التحررية القومية. وبعد التحام النخب الفكرية بالنشطاء، وتنشيط العمل التنظيمي والإعلام المبدع المؤثر على ساحة الواقع، تدخل القضية الحيز الجماهيري، وتندلع الثورة الجماهيرية الشاملة، السلمية من دون شك. ويتم إسناد هذه الثورة السلمية بالعمل التنظيمي المباشر الذي يحيد العناصر العملية التي بطشت بالشعب الأحوازي وحاولت منع ثورته. وهكذا تجمع النخب على القرارات والسياسات ليتلوها في الإعلام القائد الجماهيري الكاريزماتيك على مسامع الجماهير المحتشدة الثورية.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
