“لن أقول إني بخير، لكني مازلت واقفا، ولازال في صدري ما يستحق أن يقال” بهذه العبارات وبعد ساعات قليلة فقط من الإفراج عنه، خاطب عباس دغاغله الرابر الأحوازي جمهوره، وطمأنهم على نفسه، وعن عزمه على الاستمرار.
أفرج عن عباس في 18 من أكتوبر مقابل كفالة مالية وبعد تعذيب شديد. وهو ينتظر بعد أيام ما تبت به محكمة الثورة الإيرانية في اتهامه المعنون بالأمني، وهو اتهام بالغ الخطورة في إيران. “خرجت بجسد متعب لكن بروح أصلب، رأيت وجوها لا تنسى، سمعت أنين سيبقى في قلبي ماحييت، لذلك لن أكتب عن نفسي فقط بل عن كل من يعذب لأنه قال لا”. أبدى عباس بهذه العبارات صبرا جميلا أمام أصناف الضغوط وإصرارا على الاستمرار فظهر رغم صغر سنه كالمقاوم المتمرس الذي يعرف مبتغاه فيستعين بنُبل غايته ليهوّن على نفسه صعاب الطريق.
عباس دغاغله، الملقب ب “رشاش” فنان راب أحوازي، في العام الثاني والعشرين من عمره، من منطقة كوت عبدالله في مدينة الأحواز، وهو يعمل لتأمين معاشه كعامل بناء في طهران. معروفة عن “رشاش” أغانيه ذات المضامين المناهضة للفقر والتمييز والعنصرية والحرمان وكل أنواع الاضطهاد الممنهج الذي يمارس على الشعب العربي الأحوازي. يتحدث بجرأة، و يصوب فوهة كلماته على الطابوهات العتيدة التي أحيطت بالأحوازيين حتى ضاقت بهم الأنفاس.
قبل أيام وبعد انتشار خبر تنفيذ حكم الإعدام بحق ستة من السجناء السياسين الأحوازيين، وعندما ألقي ظلال الصمت القاتل والبغيض على صفوف الأحوازيين لاسيما في الداخل، نشر “رشاش” أغنية أراد بها كشف الستار عن بشاعة هذه المجزرة. وهو في هذا كان كالذي عزم على تحطيم حائط السكوت بتفجير نفسه فيها. ولا يشعر بمستوى شجاعة هذا الشاب و تحديدا في أغنيته الأخيرة إلا من عاش الظرف الأمني في إيران وتحديدا في الأحواز.
من خلال أغانيه، أصبح “رشاش” صوتًا صادحا يعلو ويتدفق بشكل جميل يعبر عما لا يجرؤ الآخرون على قوله في الأحواز. هو صوت يُعلن الحقيقة الواضحة عن سياسات الاستعمار التي تنتهجها إيران، دون خوف أو تردد. يصدح بالحق، مرويًا معاناة شعبٍ يُنكل به، من جفاف الاهوار والأنهار نتيجة للسدود التي بنيت على روافد الأنهار الأحوازية، إلى تهجير السكان العرب من أراضيهم، في ظل عطشٍ قاتل وقمعٍ ممنهج لكل صوت احتجاج. يتحدث عن الفلاح المقاوم الأحوازي الذي ظل متمسكًا بأرضه رغم مصادرة الكثير منها من قبل الحكومة، عن الأمل والصمود في وجه الظلم، وعن تلك الأرواح الأحوازية التي لا تزال تقاوم وتحلم بالحرية والكرامة.
“شعب تعبان، شعب عطشان، شعب فحطان (يلهث)، شعب جوعان، شعب عايش بالاحزان، أنا حقي راح للأجانب{المستوطنين}، باقي من غير عمل وراتب، ضد الظلم أنا أحارب، لا تعتقلوني أنا بحقي أطالب، من النفط شفنه بس الدخان، سوده سمانه من غير ألوان، إتكذب علينه تاليك خسران، حتى دينكم كله كُفران، بينه ظل يأكل ياهو الجاي، شطنه انباك (سُرق)، نفطنا انباع، زي الحسين الأحواز عطشان” … هذه العبارات هي جزء من إحدى أشهر أغاني “رشاش” وحول هذه المحاور والمضامين تدور معظم أغاني هذا الرابر الأحوازي.
معروف عن موسيقى الراب ظهورها عند السود في أمريكا ويعود تاريخها إلى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. ومع مرور الوقت أصبح هذا النمط الموسيقي الجديد صوت الطبقات المضطهدة والغاضبة، واشتهر بتناوله الجريء والصريح لمواضيع ذات صبغة اجتماعية وسياسية. ركز الراب على قضايا الاضطهاد والتمييز العنصري، والفقر والفقراء والتهميش فبرز على هيئة المحتج والمتمرد في وجه ظلم السلطة والمجتمع، وحمّلهما مسؤولية الأوضاع المعيشية والحياتية وكذلك الاجتماعية التي تعانيها الفئات المسحوقة في المجتمعات.
في الأحواز ظهرت موسيقى الراب متأخرة، ولم تحظى بالانتشار وإقبال الجماهير إلا مع بدايات الألفية الجديدة وتحديدا بعد ظهور الفضاء الافتراضي ولاسيما تطبيقات كالإنستغرام واليوتيوب. وبحسب ما قرأت في مقال للكاتب الأحوازي أمير جابر على موقع “رصيف 22” أن عمار واسمه الفني “الفتى العربي”، من مواليد 1993، يعتبر من مؤسسي الراب العربي في الأهواز. وله في سجله الفني أكثر من أربعين أغنية بدأ بإنتاجها منذ عام 2008، تحدث فيها عن الوضع الاجتماعي والنفسي والبيئي في موطنه. اعتقل “الفتى العربي” أكثر من مرة وحكم علية بالسجن وبعد كل مرة عاد للموسيقى و لمخاطبة جمهوره. وفي عام 2013 لمع في سماء الرب الأحوازي اسم “استعداد” وهو الاسم الفني لشاب الأحوازي يدعى حسين، استطاع هذا الرابر خلال السنوات الأخيرة كسب جمهور كبير من شريحة الشباب في الأحواز وحتى في العالم العربي. وبين الحين والأخر يزداد اسما على قائمة فناني الراب في الأحواز وذلك على الرغم من كثرة الضغوط والمواجهات الأمنية، ومنهم حيدر وعباس و…
صُدم الناشط والفاعل الاجتماعي في عموم العالم وكذلك في الأحواز بالتقنيات الحديثة ولاسيما في عالم الاتصالات وما تلى ذلك من نشوء جيل جديد سمي بجيل زد (z) والذي له من القيم ورؤى والطموح ما يفصله عن الأجيال السابقة بمسافات كبيرة، حتى كاد يشعر المربون وأولياء الأمور بانقطاع إمكانية التواصل بين الجيلين. وكان من ضمن الاسئلة الملحة هو: وهل ثمة بقية من الهموم الوطنية عند الجيل الجديد؟ وإلى أين يتجه جيل زد (z) بعد ما ترك الوسائل المعتادة في المقاومة الثقافية و الهوياتية؟
عبر عقود طويلة اعتاد الناشط والفاعل الثقافي والسياسي والاجتماعي الأحوازي لإيصال رسالته على جلسات الديوانيات (الگعدات) والمناسبات الاجتماعية من أفراح وأتراح، وعوّل على منصات مختلفة منها ثقافية وسياسية وأخرى مذهبية وعشائرية وحتى أحيانا حكومية. وقضى الناشط الأحوازي عقودا يطمح إلى امتلاك قنوات تلفزيونية وإذاعات على الراديو و ما كان حظه من ذلك إلا النزر اليسير، فكانت تضطره الحاجة فيقترض ساعات قليلة من قناة هنا أو إذاعة هناك. وعلى هذا الحال استمر فعل المقاومة الثقافية الأحوازية لأكثر من عشرة عقود بين جزر ومد. لكن في السنوات الأخيرة دُهش الإنسان الأحوازي بعصر جديد فأصبح ككل المجتمعات البشرية الأخرى أمام طفرة كبيرة فاقت كل التوقعات. وكأي نقلة في حياة البشر ارتبكت الصورة أمام الإنسان، وأصيب بحيرة من شأن القادم وما قد تفرزه أدواته الحديثة.
وفي أحضان العصر الجديد، ولد جيل زد (z) متأثرا بالفوارق العميقة مع الماضي، وعارفا بضرورة تبني الأدوات المبتدعة التي تلائم زمانه الجديد. فالمحتوى القصير، وألعاب الفيديو والتفاعل عبرها، والرسوم الرقمية، والميمات، والبودكاست الصوتي، والمنصات الاجتماعية التفاعلية مثل x (التويتر) والإنستغرام، و الفيديوهات الساخرة والنقدية على اليوتيوب، والفن البصري، والتصميم الجرافيكي، والحملات الرقمية (الهاشتاقات)، وموسيقى الراب كلها أصبحت أدواتا حديثة عند الجيل الجديد. إلا أنّ هذه المرة أيضا وصلتنا التحولات العالمية في الأحواز متأخرة، ولكن لحسن الحظ مدة التأخير مقارنة بمثيلاتها في الماضي كانت أقصر بكثير. وهذا هو الآخر يعود إلى طبيعة العصر والتحولات التي اعترت عالم البشرية بأسره. ومن جملة تأثيرات العصر الجديد هو إحداث تغيير في ترتيب أدوات وأساليب المقاومة الثقافية، فمنها ما تقدمت للجبهات الأمامية ومنها ما تراجعت للخطوط الخلفية. وأرى أن الراب الأحوازي وجد مكانه في الجبهات الأمامية.
يحاول الشباب في الأحواز اللحاق بالركب الجديد، وذلك على الرغم من كثرة الموانع وتنوعها. وفي موسيقى الراب نموذج بارز عن هذه المحاولات، إذ أن الرابر الأحوازي من خلال أنماط وأدوات العصر الحديث يحاول مخاطبة جمهوره الأحوازي ويسعى في نفس الوقت لإيصال صوته إلى العالم العربي من خلال تداوله للقضايا والهموم المشتركة. وللفتى العربي (عمّار) في أغنيته “يا يما سامحيني” ومونتاجها مع مقاطع من فيلم كفرناحوم محاولة ناجحة في هذا الصدد. ومن جانب آخر يحاول الرابر الأحوازي مخاطبة الإنسان الفارسي في المركز الإيراني مسترعيا انتباهه لشدة الظلم والتهميش والتفقير الذي يمارس على الشعب الأحوازي، ومطالبا إياه بالحقوق الذي يراها مسلوبة بأبشع الأساليب.
بحسب الباحث الموسيقي محمود مشهودي، أن الأعمال المنشورة من الراب الأحوازي العربي حتى الآن جيدة وملتزمة، ولكنها مازالت في أول الطريق، وتحتاج الكثير من المقومات كي تدخل العالم العربي. وأحسب أن رأي مشهودي صحيح ولكن ما يَسِرُّ ويدعو إلى التفاؤل هو مسار هؤلاء الشباب. فبعدما كنا نخاف من صمت الأجيال في مطالبة حقوقها، ها هو “رشاش” يسدد في الاتجاه الصحيح.
رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
