السبت, ديسمبر 13, 2025
فن وثقافةالشيخ جليل اللطيفي يطل بتأليف جديد

الشيخ جليل اللطيفي يطل بتأليف جديد

والخوف كل الخوف من لسعة الآفات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

خبر الحوار-4 النبأ التحليلي عن كل جديد في المجتمع والثقافة الأحوازية 

 

الانتقال بالإرث الثقافي الأحوازي من مخازن المتاحف إلى رفوف المعارض والمكتبات العصرية، وكذلك التعريف بالشخصيات والأعلام الأحوازية للجيل الجديد، هي مهام تكفّل بها عدد من الكتّاب والباحثين الأحوازيين وألزموا أنفسهم بها ومنهم في الآونة الأخيرة الشيخ جليل اللطيفي، وهو كاتب ورجل دين من مواليد مدينة الحويزة. وآخر ما قام بتحقيقه واعتنى بنشره هو كتاب “تذكرة العنوان” لكاتبه فرج الله الحويزي. وهو من علماء الأحواز في القرن الحادي عشر الهجري القمري.

وعن الكتاب أورد الشيخ جليل اللطيفي في مقدمته: “حصلت على نسخة هذا الكتاب بخط مؤلفه من إحدى المكتبات العثمانية في تركيا ووفقت ولله الحمد بطبعه بعد مضي أربعة قرون على تأليفه”. ويضيف الشيخ جليل في مقدمة الكتاب أيضا: أنه قيل للشيخ فرج الله الحويزي (11ه.ق) أن أحد علماء “العامة” كتب كتابا في عدة فنون، والغريب في ذلك الكتاب أنه يقرأ طولا وعرضا، وأنّه كُتب باللونين الأحمر والأسود. فبادر الشيخ فرج الله الحويزي قبل أن يرى الكتاب واعتكف في بيته حتى كتب كتابا بالحمرة والسواد يقرأ كذلك طولا وعرضا، فاسماه “تذكرة العنوان” وهو في ثلاثة فنون النحو والمنطق والعروض.

وللشيخ جليل اللطيفي باع طويل في دراسة تاريخ الأحواز وسعي كبير في إحياء ذكر أعلام الأحوازيين ومناطق من جنوب العراق. إذ سبق ونشر الشيخ جليل ثلاثة عناوين في هذا المجال بعضها وقع في أكثر من المجلد:

أولا: تاريخ الحويزة ورجالها، وهو في ثلاثة مجلدات، ذكر فيه المؤلف 804 عالما من علماء مدينة الحويزة. والمؤلف بصدد كتابة الجزء الرابع لهذه الموسوعة.

ثانيا: الدُّرر النقيّة من تاريخ وتراجم الرجال الدورقيّة (تاريخ ورجال الدورق)  وقد ذكر فيه المؤلف 379 من علماء مدينة الدورق (الفلاحية).

ثالثا: البصائر والذخائر في تاريخ علماء الجزائر، وقد ذكر فيه المؤلف 651 عالما من علماء منطقة الجزائر. وهي إحدى المناطق الجنوبية في العراق.

وفي كلّ من هذه الكتب ذكر للنسخ الخطية المكتوبة عن كل من الدورق والحويزة والجزائر، والتي توجد في أكبر مكتبات العالم، ومقدمة تاريخية حول تاريخ هذه المناطق، ولاتها، والدول التي أقيمت فيها، والمدارس الدينية، والأسر العلمية، والمكتبات. وكذلك لسماحة الشيخ جليل اللطيفي تأليفات أخرى وهي: المنازل الأخروية والمواقف الحرية، أصح الآراء في فرحة الزهراء، وهداية المُرتاب، والعيون الساهرة في القصص المؤثرة وهي في مواضيع دينية ومذهبية.

وأما عملية الانتقال بإرثنا الثقافي من المتاحف إلى رفوف المعارض وإلى واقعنا المعاش وعلى الرغم من ضرورتها البالغة كانت ولعقود طويلة مَهمة مؤجلة وذلك لأسباب كثيرة منها سياسية وأمنية واجتماعية. لكن في السنوات الأخيرة شهدت ساحة العمل الثقافي الأحوازي عددا من الكتّاب والباحثين الأحوازيين ممن إهتموا بتحقيق النسخ الخطّية وترجمة الوثائق التاريخية ولاسيما من اللغة الإنجليزية إلى العربية. وهذا ما نرى أثره بين الحين والآخر على شكل انتشار كتاب أو مقال أو على هيئة مقاطع مرئية في الفضاء المجازي. ومن بين هؤلاء الباحثين يمكن الإشارة على سبيل المثال ولا الحصر إلى كل من: محمود عبدالله(أبو شكر)، حامد كناني، يوسف عزيزي بني طرف، توفيق فلاحية، حسين فرج الله (أبو عرفان)، عادل العمراني، توفيق نصّارى، والشيخ جليل لطيفي والخ.

ولكنّ هناك أكثر من آفة تهدد استمرار تدفق هذه الإنجازات، وهي قد تَحُول دون اكتمال المشوار الثقافي الأحوازي. ومن أشد هذه المخاطر فتكا هي الطائفية، والتي غالبا ما تبدأ باستحضار انتقائي لجانب من التاريخ والذي يجلب معه تجديد الصراعات بين المجتمعات المجاورة وحتى بين مكوّنات المجتمع نفسه. وما أحداث العراق وسوريا ولبنان واليمن وافغانستان وغيرها من البلدان العربية والإسلامية ببعيدة، إذ أن أغلبها ما زالت ماثلة أمام أعيننا حتى يومنا هذا. ولا شك أنّ ما عاد اليوم يُخفى على أي متابع حصيف تلك الأعراض الكارثية التي تجلبها تحريك صدوع الزلازل المجتمعية ولاسيما الطائفية منها، ليس أقلها هدرا للموارد والكفاءات وضياع للفرص والإنجازات.

والسؤال المُلح هنا هو عن ضرورة استحضار قضايا خلافية وعدائية كقضية هدم قبور الأئمة على يد الوهابيين في فترة الحكم العثماني، أو عن النفع الذي قد نجلبه من الحض على العداء لشخصية إسلامية بارزة كعمر ابن الخطاب وهو من رموز إخواننا أهل السنة   ومن رموز المسلمين عموما. وحقا ما الذي يستدعي فتح هذه الجروح على يد كاتب ومثقف وباحث كالشيخ جليل اللطيفي؟ ألسنا أحوج ما نكون في هذه الأيام إلى الوحدة والسكينة في مجتمعنا الأحوازي؟ ألا يكفينا من التشظي ما نحن عليه اليوم من مناطقية وقبليّة وغيرها من الجدران العازلة بين ابناء الشعب الواحد؟ وما الذي جنته المجتمعات المسلمة الأخرى من استدعاء مثل هذه الأحداث التاريخية؟ أليس في تاريخ هذه الأمة بمختلف مذاهبها وشعوبها ما يدعو إلى الوحدة والألفة فيستوجب استحضاره؟ وما ينفعنا تاريخ الحويزة والدورق والجزائر لو دخلنا بعد معرفته في دوامات الحروب البينية؟ ألا تضيع بعدها مكتسبات الشيخ وعطائه الغزير والعزيز؟ وألا تهدر معه مساعي جمة أخرى بذلت بعناء وشقاء بغية إحداث تغيير ولو يسير في أحوال مجتمعاتنا؟

“التاريخ أبكم” هي عبارة شهيرة يراد بها أنّ التاريخ بما فيه من معلومات هو محايد في ذاته ولا يتحدث إلا بما يُطلب منه خيرا كان     ذلك أم شرا، سِلم كان أو حربا. فلماذا ننطقه بما يجلب لنا الويلات؟ سابقا كان هذا الخطأ الفادح كثيرا ما يحدث من غير قصد وبحسن نية ومن دون علم أو قراءة عن نتائجه الكارثية. وأما اليوم فالتدفق المنقطع النظير للمعلومات وما أتاحته لنا التقنية من فرص معايشة تجارب الشعوب الأخرى في أنحاء العالم وكذلك الأخذ بتجاربهم كلها صنعت منّا شعوبا أكثر نضجا مما كنّا عليه في الماضي. إذ عرفنا أنّ الترويج للعداءات ومنها التعصبات الطائفية داخل المجتمعات غالبا ما يبدأ من ذلك الكلام البريء في المجالس الأسريّة، ومن الخطب على المنابر، ومن التذكير بأحداث تاريخية مختبئة بين صفحات الكتب. وقد يُبرر كل ذلك بضرورة الوقوف مع الحق في قضايا تاريخية أو تحديد الموقف منها. لكن يا سادتي الأفاضل، ويا من نرجو فيكم العقل والحكمة، حتى في حال استسلامكم التام لمعلوماتكم واجتهاداتكم وهو أمر في ذاته محل إشكال؟ نذكّر ونقول: ليس كل ما يُعرف يقال، وأنّ لكل مقام كلام. أليس كذلك؟

احتفل الدكتور عباس الطائي وهو من أعلام الأدب الأحوازي المعاصر بإنجازات الشيخ جليل اللطيفي حتى نظم شعرا في تبجيل هذا الكاتب والباحث الجليل. وعلى خُطاه نشر وروّج الكاتب والشاعر الأحوازي سعيد أبو سامر لهذا الكاتب والباحث الأحوازي وأشاد بإنجازاته. ومثلهما فعلت الدكتورة سماهر أسد وهي كاتبة روائية أحوازية. وعلى خُطى هؤلاء سار الكثيرون من الأحوازيين إذ تفاءلوا خيرا بعطاءات الشيخ جليل اللطيفي، وأنا واحد منهم. إلا أنني كمتابع للشأن الأحوازي رأيت في مرآة التجارب البشرية أنّ فراخ الآفات تدبّ في بيادر إنجازات الشيخ والحذر كل الحذر من نماء الأمراض واستفحالها.

 فالمحب يقول ويحذر ويعيد ويكرر. فما وهبنا إياه الشيخ جليل اللطيفي من خلال المساهمة في عملية البحث التاريخي وإحياء ذكر المئات من أعلامنا الأحوازية عبر التاريخ هو أشبه بأرض خصبة نأمل أن تأتي ثمارها على مرّ السنوت. ولكنّ الأرض وأي أرض كانت لا يمكن أن تأمن شر الآفات لو لا فطنة أهلها والعاملين عليها.

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"