السبت, ديسمبر 13, 2025
فن وثقافةعِقد أدبي ينسجه كاتب أحوازي

عِقد أدبي ينسجه كاتب أحوازي

إسماعيل الضبي والمسيرة البحثية في دواوين شعراء الأحواز

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

 صدر قبل أيام ديوان الشاعر عبدالحسين بن عمران الأحوازي (الحويزي)، حياته، أخباره وأشعاره، وذلك باهتمام الشاعر والباحث والكاتب الأحوازي إسماعيل الظَبّي (المسعودي). ويعتبر هذا الديوان الإصدار الخامس من سلسلة كتب بحثية، أدبية وتاريخية تحت عنوان “دواوين شعراء الأحواز”.

سلسلة “دواوين شعراء الأحواز” هي مبادرة لأحياء رموز من شعراء وأعلام الأحواز وتحقيق في دواوينهم أطلقها الشاعر والكاتب والباحث الأحوازي إسماعيل فالح الضَبّي المسعودي منذ عام 2018. والبداية كانت مع ديوان إبراهيم بن المدبِّر، حياته، أخباره وأشعاره. وبعد ذلك وفي نفس العام نشر  إسماعيل الضَبّي تحقيقا في ديوان أحمد ابن المدبِّر. ولم يتعدّى عامين حتى ألحق الضبّي وفي عام 2020  الحلقة الثالثة إلى سلسلته البحثية فنشر ديوان أبي العيناء الأحوازي. والدواوين الثالثة السالفة الذكر كلّها هي لأعلام أحوازية من الحقبة العباسية المعروفة في التاريخ الإسلامي بازدهار العلوم والأدب. وفي عام 2021 انتقل الضبّي إلى الحقبة الكعبيّة وتحديدا إلى آيقونة تلك الحقبة، وهو شيخ خزعل، آخر أمراء الحكم العربي في الأحواز (1925). فنشر ديوانه مُحَقّقا ومعه أخبار الشيخ ونوادر حياته. وأما التحقيق الأخير من هذه السلسلة والذي نُشِر قبل أيام كان من نصيب الشاعر الأحوازي عبدالحسين بن عمران الحويزي، وهو من مواليد القرن التاسع عشر الميلادي، أي الحقبة المشعشعية. ومازال إسماعيل الضَبّي يعمل على سلسلته الأدبية والتاريخية ويضيفها بين الحين والآخر حلقة تزيد هذا العِِقد الأدبي بهاء و جمالا وقيمة.

وأما عن صاحب الديوان الأخير كَتب الضبّي: “أنه الشيخ عبدالحسين بن عمران بن يوسف بن أحمد بن درويش بن نصّار الحويزي الليثي، صليب النسب ينتهي نسبه إلى بني الليث ومن فخذ آل (قمر) القاطنين في الحويزة من عربستان (الأحواز) ويُعرف بالخياط لأنه احترف حرفة والده.”  ويضيف: “لم يكن (رحمه الله) من فرسان البيان فحسب، بل كان على جانب كبير من الثقافة الإسلامية، فقد ألمّ بعلم أصول الفقه وعلوم العربية وفنون البلاغة، وله في الرياضيات والهندسة والجفر والرمل والآفاق والسيمياء والكيمياء معلومات واسعة وله فيها بعض الرسائل والآراء”.

 صدر ديوان الخامس من سلسلة دواوين شعراء الأحواز وهو ديوان الشاعر الشيخ عبدالحسين
صدر ديوان الخامس من سلسلة دواوين شعراء الأحواز وهو ديوان الشاعر الشيخ عبدالحسين بن عمران الحويزي بتحقيق إسماعيل فالح المسعودي(الضبي)

ويعرف القارئ بعد قراءة ديوان عبدالحسين بن عمران، حياته، أخباره وأشعاره، أنّ شاعرنا كان على درجة كبيرة جدا من الوعي السياسي والاجتماعي، إذ كان مطالبا بوحدة الأمة العربيّة، ومنوّها للقضية الفلسطينية، ومحذرا من آفات التشرذم والتفرقة ومنها الطائفية وما يجلب جراءها من مضار على عموم أحوال الأمة. ويذكر الضَبّي بعضا من أبرز قصائد عبدالحسين بن عمران في هذا الصدد ومنها: نهضا بني العرب، وبني العرب الكرام إلى المعالي، وحرية الأوطان، وغرباء في أوطاننا، وقومي بني قحطان، وأمة العرب، وإنسانية العرب، والفخر العربي، وقد تكون أشهر قصائده تلك التي تبدأ بمطلع:

ياقوم إن تتكلَّموا              بحقوقكم تتنعّموا 

وأرى السكوت يضيعها      إنّ الحقوق لها فم

وأما ديوان “شيخ خزعل بن جابر الأحوازي”، حياته، أخباره وأشعاره، بحسب رأيي هو واسطة العِقد لهذه السلسلة الأدبية  والتاريخية. وذلك لما فيه من معلومات نافعة عن هذه الشخصية الوطنية البارزة، ولما يحمل هذا الكتاب من محاولة جادة لتحطيم جانب من خطوط التعتيم المفروضة على جزء كبير من تاريخ الأحوازيين. ويتطرق الضَبّي في هذا الكتاب إلى سمات الأمير خزعل ليس كحاكم فقط بل كمثقف وشاعر وكاتب التف حوله أهل العلم والأدب والسياسة من مختلف أرجاء الوطن العربي. وفي الكتاب شرح لمواقف الشيخ خزعل الجليلة ومنها نصرته لثورة العشرين في العراق، ووقفته مع أهل فلسطين، ورعايته لرجال الدين والعلماء. ثم يسهب الضَبّي في شرح كتاب “الرياض الخزعلية في السياسة الإنسانية” للشيخ خزعل ويعرّج إلى ما في هذا الكتاب من نوادر الحِكم وما يدل على فطنة الشيخ وموقعه الرفيع في العلم والأدب والوعي السياسي. وهذا فضلا عن قصائد الشيخ خزعل والتي يأتي بها الكاتب واحدة تلو الأخرى ومعها شرح قصير عن مضمونها وسبب نظمها. وهذا كله يأتي بعد  إن كان اسم خزعل في إيران من الموبقات التي تجلب الغضب الأمني والسجن وأصناف التعذيب. وما كان يحصل هذا التقدم  لولا إصرار الكاتب والناشط الأحوازي على استرداد حقوقه الثقافية واجتماعية. ولا يفوتني هنا أن أذكر جهود الدكتور أمير الحيدري، إذ هو الآخر الذي أصدر قبل أعوام قليلة تحقيقا مفصلا في أشعار الشيخ خزعل وأدبه. 

القارئ في “سلسلة شعراء الأحواز” يعرف أن إسماعيل الضبّي بذل جهده لتعريف وجوها أدبية أحوازية كادت تغيب حتى عن المثقف الأحوازي. ويصدم القارئ لهذه السلسلة من الكتب بمعلومات من شأنها أن تزيد من اعتزاز الأحوازي بتاريخه وأعلامه. وعلى سبيل المثال أنّ الشاعر والكاتب الكبيرإبراهيم ابن المدبّر والذي بلغ مرتبة الوزير عند الخليفة العباسي المعتمد بالله هو من عشيرة الضبّة، وهي إحدى العشائر المعروفة في الأحواز وتحديدا في منطقة دست ميسان. وأن شقيقه أحمد ابن المدبّر تقدم في المناصب الحكومية حتى تقلّد ديوان الخراج والضياع مجموعتين للمتوكل بالله، وأنّ أبي العيناء الأحوازي كان رغم فقد بصره من دهاة الناس وله منزلة كبيرة عند الخلفاء وخاصة لدى المتوكل. وسينتهي المطّلع على سلسلة اسماعيل الضَبّي أنّ الكاتب أراد بتأليفاته المتسلسلة البرهنة على دور الأحوازيين الكبير في تسطير الصفحات الناصعة في تاريخ الحضارة الإسلامية والعربية.

إسماعيل فالح الضبّي المسعودي، أبو أمين، من مواليد عام 1956 في مدينة عبادان، وهو من أبرز الشعراء الأحوازيين المعاصرين، يكتب الشعر باللهجة الأحوازية وكذلك بالفصحى، ومعروفة عنه قصائده الوجدانية ذات التأثير الكبير في نفوس مخاطبيه، وهو من أعلام الشعر الشعبي ولاسيما “الأبوذية”، وله بين محبّي الشعر في الأحواز حظوة كبيرة جدا، إذ تُحفظ أشعاره وتُلقى على المنصات وفي الجلسات الأدبية. وإلى جانب كتابته للشعر أطلق إسماعيل الضَبّي منذ 7 سنوات مشروعه البحثي في تاريخ الأدب الأحوازي؛ والذي أسماه “دواوين شعر الأحواز”. وهو مازال مستمرا في العمل عليه إذ وصل حتى الآن إلى الديوان الخامس ويبدو أن مازال في حقبته المزيد.      

 الانتقال من إنسان الانتظار إلى إنسان الفاعلية، هو أكبر ما يُكتب لإسماعيل الضَبّي، إذ استطاع الخروج من مدّرج المتفرجين والولوج إلى ساحة العطاء والتأثير حتى نجح في غياب المؤسسات الداعمة للأعمال الثقافية الأحوازية تجاوز معوّقات جسام لطالما عطّلت إنجازات الكثير من الكُتّاب والباحثين الأحوازيين، ومنها نقص كبير في المادة وعدم وجود شبكات التوزيع وصعوبة أخذ الإجازات وإلخ. وأما الأمر الثاني الذي يكتب لهذا الشاعر والباحث الأحوازي هو طول النفس والاستمرار لفترة طويلة والتركيز على غاية واضحة ومن ثم إيجاد قاعدة تخصصية صلبة. وهذا خلاف ما عهدناه عند أغلب المثقفين والنشطاء الأحوازيين إذ غالبا ما ترغمهم صعوبة الظروف إلى التنقل من غصن إلى آخر، وهذا ما أضاع علينا كأحوازيين فرصة خلق التخصص عند أغلب المثقفين والمهتمين بالهوية العربية في الأحواز. إذ غالبا ما تنتهي حياة واحد من هؤلاء الكرام دون أن يخلّف من نفسه أثرا ملموسا ككتب أو مقالات أو مقاطع مصورة و.. وذلك على الرغم من الجهد الجهيد وطول عناء الناشط في الأحواز.

فالنشتري الكتاب. فبعد ما كان يعوزنا مؤلفين وباحثين في الثقافة العربية الأحوازية أصبحت اليوم لدينا كتب وأبحاث تطبع وتنشر، لكن الحلقة الغائبة هو القارئ الشغوف، الذي يبذل قصارى جهده لاقتناء نسخ من الإنتاج الأحوازي. الآن بات بإمكاننا تشكيل نوادي القراءة ومؤسسات شعبية داعمة للكاتب والكتاب، ورصد كل جديد من الإنجاز الثقافي، احتفاء بالشاعر والباحث والكاتب، وتسليط الضوء على مكانة العامل على الشأن الثقافي كتقدير لما يبذل في خدمة شعبه. الأحوازيون حتى اليوم أكملوا  الكثير من حلقات بنائهم الهوياتي، فتعال أنت أيضا بما لديك. اكتب، اقرأ أو ادعم.            

 

    

          

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

4 COMMENTS

Comments are closed.