الجمعة, يناير 16, 2026
مقالاتأحمد البالدي: شهيد الحياة… تحليل لأسباب عدم تحوّل لحظة استشهاده إلى انتفاضة...

أحمد البالدي: شهيد الحياة… تحليل لأسباب عدم تحوّل لحظة استشهاده إلى انتفاضة شعبية

لماذا لم تتحوّل الصدمات إلى انتفاضات واسعة في الأحواز؟؟

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

تمثّل واقعة استشهاد أحمد البالدي بعد أن أضرم النار في جسده احتجاجاً على مصادرة مصدر رزقه من قِبل بلدية المدينة في مدينة الأحواز، نقطة تحوّل رمزية في الوعي الجمعي الأحوازي، ليس فقط بسبب بشاعة الملابسات التي أحاطت بالحادث، ولا بسبب ما حَمَله من تجسيد لمعاناة الإنسان العربي في الأحواز، بل لأنّه أعاد إلى السطح سؤالا قديما متجددا: لماذا تستمر الصدمات والكوارث الكبرى في الإقليم  الأحواز دون أن تتحوّل ــ بالقدر المتوقع ــ إلى انتفاضات شاملة قادرة على إعادة صياغة العلاقة بين الشعب الأحوازي والنظام؟

هذا السؤال، الذي يندرج في صميم علم الاجتماع السياسي، يتجاوز التقنية الاحتجاجية المباشرة ليمتد إلى بنية المجتمع، وآليات الضبط السلطوي، وتطورات المجال العام في ظل الدولة الإيرانية المحتلة.

إن استشهاد البالدي شكّل، بلا شك، واحدة من اللحظات الفارقة التي لامست الضمير الأخلاقي للشعب العربي الأحوازي، وحرّكت موجات من التعاطف والغضب تجاوزت القرابة المحلية لتتحول إلى شعور جمعي طاغٍ. ورغم أن الكثيرين اعتقدوا أنّ هذا الحدث الأليم قد يشكّل الشرارة التالية التي تعيد رسم خارطة الاحتجاجات، فإنّ ذلك لم يحدث. ورغم بقاء الجرح مفتوحا في الذاكرة الجماعية، ورغم الانتشار الهائل للغضب عبر وسائل التواصل والفضاء الشعبي، فإنّ “النهاية الطبيعية” التي توقعها المراقبون ــ أي تحوّل الحادث إلى حراك احتجاجي واسع ــ لم تتحقق.

ويستوجب هذا التباين بين التوقع والنتيجة تحليلا يستند إلى ثلاثة محاور رئيسية: البنية القيادية للاحتجاج، واستراتيجيات الاحتواء السلطوي، والدور البنيوي للقبيلة وسلطة العُرف في المجتمعات المحلية. هذه المحاور الثلاثة ليست معزولة، بل تتداخل في شبكة معقدة تجعل فهم الديناميات الأحوازية أمرا يتطلب الجمع بين علم الاجتماع التاريخي، ودراسات الحركات الاحتجاجية.

غياب النشطاء الحقيقيين الأزمة البنيوية للقيادة الاحتجاجية

تشير دراسات الحركات الاجتماعية، لاسيما تلك المستندة إلى منظّري “التعبئة السياسية، إلى أنّ الاحتجاجات الواسعة لا تنفجر فقط بفعل الغضب. الغضب شرط ضروري لكنه غير كافٍ. ما يحوّل الغضب إلى حركة سياسية هو وجود شبكة من النشطاء، القادرين على التنظيم، وصياغة الرسائل، وتحديد الأهداف، ووضع التوقيتات، وخلق “الإطار المعنوي” الذي يدفع الجماهير إلى الشعور بأن الاحتجاج ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو خيار سياسي مُجدٍ.

في الحالة الأحوازية، أدى النظام الإيراني دورا حاسما في تفكيك هذا الشرط. فمنذ السنوات الأولى بعد الثورة، اعتمدت طهران سياسات استهداف منهجي لكل من يمتلك قدرة على التأثير الجماهيري: قادة رأي، مثقفون، نشطاء ميدانيون، منظّمون، وحتى شبان غير منتمين تنظيميا لكن يمتلكون حضورا في الشارع. تراوحت أدوات النظام بين الاغتيال، والتصفية خارج القانون، والسجن طويل الأمد، والنفي، ومنع العمل، وتفكيك شبكات التواصل الاجتماعي داخل المدن والقرى.

هذه الاستراتيجية تعكس ما تسميه الأدبيات بـ قطع رأس الحركة وهي سياسة تتبعها الأنظمة السلطوية عندما لا تستطيع السيطرة على المجال الاجتماعي من خلال الإقناع أو توفير المشاركة السياسية. تؤدي هذه السياسة إلى نتائج بعيدة المدى؛ أهمها أنّ المجتمع يصبح في لحظات الصدمة عاجزا عن تحويل التضامن العاطفي إلى فعل جماعي منظم.

إن استشهاد أحمد البالدي حدثٌ فجّر مشاعر هائلة، لكنه وقع في بيئة فقيرة بالكوادر التنظيمية. لقد كانت البنية الاحتجاجية في لحظة ضعف بنيوي: فراغ قيادي، وغياب منصات تنسيق، وضعف التواصل بين النخب الشبابية، وانعدام وجود جسم سياسي قادر على التعامل مع الحدث باعتباره “فرصة سياسية.

ورغم توافر الرغبة الشعبية فإن أداة التحريك لم تكن موجودة، وهو ما يفسر الفارق بين غضب كامنٍ لم يجد من يحوله إلى احتجاج، وبين غضب منظم قادر على خلق زخم ثوري.

احتواء الحادث من قبل السلطات: إدارة الغضب كاستراتيجية حكم

يمتلك النظام الإيراني، خاصة في الأحواز، خبرة طويلة في فنون إدارة الأزمات الاجتماعية بطريقة تمنع تحوّلها إلى ظاهرة سياسية. تنتمي هذه السياسة إلى ما يسميه علماء السلوك السياسي بـ الاحتواء الناعم، حيث لا يعتمد النظام على القمع الصريح فقط، بل يمزجه بمظاهر تهدئة محسوبة لإعادة توجيه المشاعر العامة.

وفي حالة البالدي، تحركت أجهزة الدولة بسرعة لزيارة عائلته، وتقديم التعازي الرسمية، والتعهد بمتابعة القضية، وإقالة بعض المسؤولين المحليين. هذه الإجراءات، لم تكن مبادرة إنسانية، بل كانت أدوات تفريغ منضبط للغضب الشعبي.

وتكمن نقطة القوة في هذا التكتيك في أنه يخلق وهما مؤقتا بالمحاسبة، ما يدفع قطاعات من الجمهور إلى الشعور بأن الدولة على الأقل مستعدة للاعتراف بالخطأ. هذا التكتيك فعال خاصة في البيئات التي غابت عنها القيادة المعارضة، إذ يصبح النظام هو الطرف الوحيد القادر على إدارة الحدث وتحديد إطاره. والأهم من ذلك أنّ الحاكم العربي الموالي للنظام، وهو شخصية ذات حساسية قبلية وقادر على قراءة التكوين الاجتماعي، أدى دورا محوريا في توجيه الخطاب، وإقناع بعض المرجعيات الاجتماعية بأنّ التهدئة قد تحمي المدينة من الانزلاق إلى مواجهات دامية. هذا النوع من الحكام المحليين يشبه ما يعرفه علماء السياسة بـالوسيط السلطوي المحلي، أي المسؤول الذي يعمل على دمج الأدوات التقليدية (القبيلة، الوجهاء، العرف) مع مصالح النظام المركزي.

ولقد نجح هذا الوسيط في تحويل الحدث من قضية شعب إلى قضية عائلة، ومن لحظة سياسية إلى إشكال إداري، وهو ما يعدّ إحدى أكثر تقنيات تفريغ الغضب فعالية.

تدخل شيوخ القبائل: ثقل البنية التقليدية في تشكيل المجال السياسي

لا تعد القبيلة مجرد إطار اجتماعي في الأحواز؛ بل إنها مؤسسة ذات ثقل سياسي وأخلاقي، لا يمكن فهم السلوك الاحتجاجي دون التعامل مع دورها البنيوي. في لحظة استشهاد البالدي، أدت القبيلة دورا مركزيا في خفض مستوى التوتر. فقد دعا الحاكم شيوخ العشائر إلى التدخل المباشر في منع شباب العشيرة من المشاركة في التشييع الجماهيري ومنع الانخراط في أي احتجاج.

وقد كشف هذا التدخل استمرار السلطة التقليدية في تأدية دور الضابط الاجتماعي، حتى في مواجهة السلطة الحديثة المتمثلة في الدولة. وهذا التداخل بين السلطتين يشكّل ما يسميه الأنثروبولوجيون بـالازدواج السلطوي حيث تتشارك الدولة والقبيلة في التحكم بسلوك الأفراد، لكن لا تتشاركان في الأهداف، بل في لحظات معينة تتطابق مصالحهما بشكل مؤقت.

لقد أضعف تدخل الشيوخ إمكانية الحشد، لأن الاحتجاج في المجتمعات التي تحكمها الهوية القبلية لا ينطلق فقط من المظالم، بل من الشرعية الاجتماعية. وحين تُصدر القيادة التقليدية إشارة امتناع، فإن نسبة كبيرة من الشباب تلتزم بها، ليس خوفا من الدولة، بل التزاما بما يمليه العرف والهيبة الاجتماعية.

وهنا يمكن القول إنّ القبيلة، في هذه اللحظة، أدّت دورا محافظا لا ثوريا. ورغم أنّ لها امتدادا وطنيا وقوميا واضحا في اللحظات الكبرى، إلا أنها اختارت هذه المرة الانحياز إلى السلامة الاجتماعية على حساب التحرك السياسي. وهذا الاختيار، رغم انتقاده، مفهوم في سياقه: القبيلة تخشى الفوضى، وتخشى تفتت السلم الداخلي، وتخشى الانتقام الجماعي من قبل الدولة المركزية.

وفي الختام فإن عدم تحوّل لحظة استشهاد أحمد البالدي إلى انتفاضة شعبية لا يعني أن الحدث كان ضعيفا أو عابرا. بل على العكس تماما: لقد خلّف جرحا عميقا في الوعي الجماعي، وزاد من هشاشة شرعية النظام، وعمّق الإحساس بالظلم البنيوي الواقع على الأحواز.

لكن التحليل هنا يكشف أن الشرارة لوحدها لا تصنع انتفاضة. فالانتفاضات تُبنى على ثلاثة عوامل مترابطة:

قيادة قادرة على التحريك،

ومجال سياسي يسمح بخلق الفرصة،

• وبنية اجتماعية داعمة لا مانعة.

وفي هذه الواقعة، غاب العامل الأول، ونجح النظام في تعطيل الثاني، فيما مال العامل الثالث إلى المحافظة على السلم الأهلي أكثر من الدفع نحو مواجهة واسعة.

ومع ذلك، تبقى هذه اللحظة، بتراكمها العاطفي والسياسي، جزءا من المسار الطويل الذي يعيد تشكيل الوعي الجمعي الأحوازي. فالتاريخ لا يتحرك بخطوط مستقيمة، والتراكمات غير المرئية هي التي تصنع الانفجارات الكبرى في نهاية المطاف.

بقلم رحيم حميد، كاتب وباحث صحفي في معهد الحوار للأبحاث والدراسات 

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"