المقدمة
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك البنية التكوينية لـلقضية الأحوازية، وإعادة تأطيرها كقضية تحرر وطني تامة الشروط والأركان، شأنها شأن القضايا الشعبية الكبرى في التاريخ المعاصر. ويقوم المنطلق الأساسي للمقال على اعتبار أن القضايا الوطنية للشعوب التي عانت من الاحتلال القسري هي قضايا ذات أبعاد هوياتية ووجودية متجذرة، لا تسقط بالتقادم ولا تخضع لمنطق القوة. وبناءً على ذلك، سيتم التدليل على أن توفر العناصر الأربعة المحورية وهي: السيادة السابقة، الهوية الوطنية المتميزة، عملية الاحتلال القسري، واستمرارية الرفض والنضال الشعبي، يمنح القضية الأحوازية أهليتها الكاملة وشرعيتها السياسية والقانونية المطلقة للمطالبة بتقرير المصير والتحرر.
القضية الوطنية الاحوازية لشعبٍ احتُلّ وطنه — وكان يتمتع سابقًا بالسيادة والحكم الذاتي والعلاقات الدولية — تستند إلى مجموعة مقومات أساسية تجعلها قضية مشروعة ومتماسكة من الناحية السياسية والقانونية والتاريخية.
فيما يلي نعرض مجموعة المقومات الأساسية للقضية الاحوازية:
أولاً: المقومات التاريخية والسيادية
١.الوجود التاريخي المستقل:
١.أن يكون للوطن المحتل كيان سياسي معروف، له حدود أو إدارة محلية، وكان يتمتع بقدر من الحكم الذاتي أو الكامل قبل الاحتلال.
مثل وجود أمير أو حكومة وطنية أو دستور محلي أو مؤسسات كانت تمارس السلطة باسم الشعب.
هذا كان واضحا و جلياً إبان حكم الشيخ خزعل حيث كان هناك كيان سياسي معروف له حدود و ادارة و كان يتمتع بحكم كامل و له أمير و هو الشيخ خزعل الكعبي و له حكم وطني و ممثليه سياسية خارج القطر و دستور .
٢.الاعتراف أو التعامل الدولي السابق:
أن تكون لهذا الكيان علاقات أو مراسلات أو معاهدات مع دول أو قوى إقليمية، ما يثبت شخصيته القانونية والسياسية في الوعي الدولي قبل الضم أو الاحتلال.
كان لهذا الكيان أو دولة عربستان علاقات دولية و إقليمية و معاهدات كبيرة و و مشهودة ما يثبت شخصيته القانونية و السياسية قبل الاحتلال .
ثانياً: المقومات القانونية
١.الاحتلال أو الضم تم بالقوة:
أي أن السيطرة الأجنبية تمت دون موافقة الشعب أو سلطته الشرعية، وهو ما يجعله عملاً غير مشروع بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
في سياق القضية الأحوازية (إقليم عربستان)، يتم استخدام هذه النقطة القانونية لتأكيد ما يلي:
• السيطرة غير المشروعة: يرى النشطاء والمطالبين بحق تقرير المصير أن السيطرة الإيرانية على الإقليم في عام 1925 (وما تلاها من ضم) تمت بالقوة بعد هزيمة حاكم الإقليم الشيخ خزعل الكعبي.
• غياب الإرادة الشعبية: يؤكدون أن هذا الضم لم يتم بموجب معاهدة رضائية أو استفتاء شعبي يعكس إرادة سكان الأحواز.
• مخالفة ميثاق الأمم المتحدة: بالرغم من أن الضم حدث قبل تأسيس الأمم المتحدة (1945)، إلا أن هذا المبدأ القانوني أصبح حجر الزاوية في القانون الدولي الحديث. يشدد الداعمون للقضية على أن استمرار السيطرة الراهنة هو استمرار لنتائج عمل غير مشروع منذ البداية، ويخالف مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية المنصوص عليه في المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة.
هذه الحجة القانونية هي الأساس الذي يستند إليه المطالبون بالاستقلال أو الحكم الذاتي في وصفهم للوجود الإيراني في الإقليم بأنه احتلال أو ضم غير شرعي، وليس جزءاً أصيلاً تم ضمه بإرادة أهله.
٢. حق تقرير المصير
ينص هذا المبدأ، المدعوم بقرار الأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960 (إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة)، على ما يلي:
١.الحق الأساسي للشعوب: يحق للشعوب، وخاصة تلك التي كانت تتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي أو الاستقلال ثم وقعت تحت سيطرة قوة أجنبية (احتلال أو ضم)، أن تقرر مصيرها بنفسها.
٢.استعادة الوضع السابق: يحق لهذه الشعوب النضال لاستعادة استقلالها وكيانها السياسي السابق.
٣. أشكال النضال: يشمل هذا النضال الطرق السياسية السلمية وصولاً إلى الكفاح المسلح (وفقاً لتفسيرات معينة للقانون الدولي التي تنطبق على قضايا التحرر من السيطرة الأجنبية).
التطبيق على الأحواز
يستند المطالبين بالحقوق الأحوازية على هذا المبدأ لتبرير مطالبهم كالآتي:
- ما قبل الضم: يؤكدون أن إقليم الأحواز كان كيانًا عربيًا يتمتع بالحكم الذاتي أو كان إمارة شبه مستقلة (إمارة المحمرة) تحت حكم الشيخ خزعل الكعبي حتى عام 1925.
- الاستهداف: يصفون ما حدث عام 1925 بأنه احتلال تم بالقوة، مما يجعل الأحواز شعبًا مستهدفًا يجب أن ينطبق عليه حق تقرير المصير كغيره من الشعوب التي لم تستطع تحديد مصيرها بحرية.
- شرعية المطالب: يعتبرون أن نضالهم، سواء كان سياسياً أو من خلال حركات مقاومة، هو شرعي ومكفول بموجب القانون الدولي، لأنه يهدف إلى استعادة استقلال فقدوه نتيجة عمل غير مشروع (الاحتلال/الضم بالقوة).
هذه الفقرة توفر الغطاء القانوني لوصف المطالب الأحوازية بأنها قضية تصفية استعمار وليست مجرد مطالب انفصالية داخلية.
٣. استمرارية الرفض
المبدأ هنا هو أن القبول الطوعي هو شرط لشرعية الاندماج السياسي. وبما أن:
- المقاومة مستمرة: وجود أي شكل من أشكال المقاومة (سياسية، ثقافية، وجدانية) يُثبت أن الشعب لم يوافق طوعاً على الاندماج في الدولة المسيطرة (إيران في هذه الحالة).
- الشرعية تبقى حية: هذا الرفض المستمر يُبقي القضية الوطنية الأحوازية “حية” و”مشروعة” في نظر القانون الدولي والضمير الإنساني، ويمنع تحول الاحتلال أو الضم بالقوة إلى سيادة دائمة ومقبولة.
- دليل على الهوية المستقلة: المقاومة الثقافية (الحفاظ على اللغة العربية، العادات، والتراث) دليل على أن الشعب يحتفظ بـ هويته المميزة عن الدولة المسيطرة، مما يعزز حجته بامتلاكه “شعب” مستقل يستحق تقرير المصير.
التطبيق على الأحواز
يستخدم الداعمين للقضية الأحوازية هذا المبدأ لتقديم ما يل
١. المقاومة السياسية والمدنية: الإشارة إلى وجود حركات سياسية أحوازية في الداخل والخارج تطالب بالحقوق أو الاستقلال، وتنظم احتجاجات دورية (خاصة ضد التمييز البيئي والاقتصادي).
٢. المقاومة الثقافية والوجدانية: الإشارة إلى الحفاظ القوي على الهوية العربية، اللغة، والاحتجاجات ضد محاولات التفريس أو تغيير أسماء المدن والمناطق.
٣. تفنيد حجة الاندماج: هذا الاستمرار في الرفض هو دليل قاطع ينفي الحجة القائلة بأن الأحوازيين قد “اندمجوا” أو “رضوا” بالوضع القائم كجزء لا يتجزأ من الدولة الإيرانية.
باختصار، هذه النقطة تؤكد أن القضية لم تُغلق بالتقادم أو القوة، وأن الرفض الشعبي المستمر هو الدليل الحى على أن الضم لا يزال غير شرعي.
المقومات السياسية
١. وجود هوية وطنية متميزة:
أي أن الشعب المحتل يمتلك لغة وثقافة وتاريخًا وانتماءً يختلف عن شعب الدولة المحتلة، مما يبرهن على أن الوحدة بينهما ليست طبيعية أو عضوية. تُعدّ هذه النقطة أساسية في الطرح الأحوازي لشرعية قضيته، حيث تسلط الضوء على الفصل الهوياتي بين سكان الإقليم والسلطة الإيرانية المركزية.
الإسقاط على الأحواز
يُستخدم هذا المقوم السياسي للإثبات بأن الأحوازيين يمثلون شعبًا متميزًا عن الشعب الفارسي المهيمن على السلطة في إيران، وذلك من خلال الأبعاد التالية:
• اللغة والثقافة:
• اللغة الأساسية: الأحوازيون هم في الغالب من الناطقين باللغة العربية، بينما اللغة الرسمية و المهيمنة في إيران هي الفارسية.
• التراث والعادات: هناك اختلاف كبير في العادات، التراث، والفنون الشعبية بين الثقافة العربية الأحوازية والثقافة الفارسية.
• التاريخ والانتماء:
• التاريخ السياسي السابق: يؤكد الأحوازيون على تاريخهم كإمارة مستقلة (إمارة المحمرة) حتى عام 1925، وهو تاريخ يختلف عن تاريخ إيران القاجارية و البهلوية التي ضمت الإقليم.
• الانتماء القومي: الأحوازيون يعتبرون أنفسهم جزءًا من القومية العربية، بينما الانتماء الغالب في إيران هو القومية الفارسية.
الاستنتاج السياسي
- عدم الاندماج العضوي: يبرهن هذا التباين الهوياتي على أن الوحدة بين الشعبين ليست طبيعية أو عضوية. وبعبارة أخرى، فإن الضم لم يؤدِ إلى انصهار أو قبول طوعي للهوية الفارسية.
- تعزيز حق تقرير المصير: هذا التميز الهوياتي القاطع هو دليل إضافي لدعم المطالبة بحق تقرير المصير، لأن القانون الدولي يمنح هذا الحق للشعوب ذات الهوية المتميزة.
باختصار، وجود هوية وطنية عربية متميزة للأحوازيين هو حجة سياسية قوية تُستخدم لتفنيد شرعية السيطرة الإيرانية، وتُبقي على القضية كنزاع بين كيانين متمايزين.
٢. وجود حركة وطنية منظمة:
تتجسد في تنظيمات سياسية أو جبهات تحرر أو منظمات مدنية تمثل تطلعات الشعب في الحرية، وتعمل على توعية الجماهير وإبقاء القضية حيّة.
الإسقاط على الأحواز
يُبرز المدافعين للقضية الأحوازية هذا المقوم من خلال الإشارة إلى وجود العديد من الكيانات والتنظيمات التي تتبنى القضية:
- التنظيمات السياسية والجبهات: يوجد عدد من الأحزاب والجبهات الأحوازية التي تعمل بشكل أساسي من خارج إيران (في المهجر) نظراً للقيود المفروضة في الداخل. تهدف هذه التنظيمات إلى:
- تمثيل تطلعات الشعب: العمل كـ “صوت” سياسي للشعب الأحوازي المطالب بالاستقلال أو الحكم الذاتي.
- توحيد الجهود: محاولة توحيد الفصائل المختلفة تحت مظلة سياسية واحدة لزيادة التأثير الدولي.
- المنظمات المدنية والحقوقية: تعمل منظمات مدنية وحقوقية أحوازية في الخارج على توثيق الانتهاكات والتمييز الذي يتعرض له السكان العرب في الإقليم، خاصة في مجالات حقوق الإنسان، البيئة، والاقتصاد.
- إبقاء القضية حيّة: تساهم هذه الحركات في إبقاء القضية على الساحة الدولية والإعلامية العربية من خلال المؤتمرات، والبيانات، والاتصال بالمنظمات الدولية (مثل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان).
الاستنتاج السياسي
إن وجود حركة وطنية منظمة (بأجنحتها السياسية والمدنية) يخدم الغرضين التاليين:
١. دليل على الوعي: يمثل دليلاً على وعي الجماهير الأحوازية بأهمية هويتها ومطالبتها بحقوقها.
٢. صفة التمثيل: يُعطي القضية صفة التمثيل السياسي على المستوى الدولي، مما يسهل عليها التفاعل مع الحكومات والمنظمات الدولية ويجعلها قضية ذات مطالب واضحة ومعلنة.
٣ . التمثيل الخارجي للقضية:
من خلال نشاط دبلوماسي أو إعلامي أو شعبي على الصعيد العربي أو الدولي، لتدويل القضية وإثبات وجودها في الوعي الإقليمي والعالمي.
الإسقاط على الأحواز
لإثبات وجود تمثيل خارجي لقضيتهم، تركز الحركات الأحوازية على الجوانب التالية:
- النشاط الدبلوماسي والسياسي:
- المناشدات الدولية: قيام الجبهات والتنظيمات الأحوازية بتقديم المذكرات والشكاوى إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمات مثل الاتحاد الأوروبي.
- الضغط على الحكومات: محاولة التواصل مع الحكومات والبرلمانات في الدول العربية والأوروبية، خاصة في الدول التي تستضيف جاليات أحوازية كبيرة، لحشد الدعم والاعتراف بالقضية.
- النشاط الإعلامي والشعبي:
- تدويل القضية: العمل على تغطية أخبار الأحواز عبر المنابر الإعلامية العربية والدولية لإبراز الانتهاكات والتمييز والاحتجاجات الداخلية.
- المؤتمرات والندوات: تنظيم مؤتمرات وندوات دولية (غالباً في أوروبا أو دول عربية داعمة) لشرح أبعاد القضية التاريخية والقانونية.
- الفعاليات الجماهيرية: تنظيم وقفات احتجاجية ومظاهرات في عواصم العالم، خاصة بالتزامن مع مناسبات معينة (مثل ذكرى الضم أو الأعياد الوطنية الأحوازية)، لإظهار وجود الحركة ورفضها للوضع القائم.
أهمية هذا المقوم
- إثبات الوجود: يثبت هذا النشاط أن القضية ليست مجرد “خلاف داخلي” أو “تطرف”، بل هي قضية وطنية لها ممثلون يسعون بجد لتدويلها.
- تجنب النسيان: يضمن التمثيل الخارجي عدم نسيان القضية بسبب القيود الإعلامية والسياسية المفروضة في الداخل.
- بناء الشرعية: يساعد في بناء الشرعية الدولية للقضية من خلال الحصول على دعم شخصيات أو منظمات ذات ثقل عالمي.
يمثل النشاط الخارجي للأحوازيين الجسر الذي يربط مطالبهم الداخلية بالوعي العالمي، مما يخدم هدفهم في إثبات أحقيتهم القانونية والسياسية.
رابعاً: المقومات الاجتماعية والثقافي
١. الذاكرة الجماعية للهوية الوطنية:
استمرار التمسك بالرموز الوطنية القديمة (العلم، النشيد، القادة، التراث) يعزز وحدة الشعب حول قضية التحرر.
الإسقاط على الأحواز
للحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز الهوية الوطنية، يشدد الأحوازيون على التمسك بما يلي:
• الرموز التاريخية والقادة:
• القائد: التمسك بشخصيات تاريخية مثل الشيخ خزعل الكعبي، آخر حكام إمارة المحمرة، كرمز للكيان السياسي المستقل قبل عام 1925. هذا يُعتبر دليلاً على وجود كيان سابق له سيادته.
• التاريخ المشترك: إحياء الذكرى السنوية لـ “يوم الضم/ الاحتلال ” أو الاحتفال برموز تاريخية أخرى يخص الإقليم، مما يعزز فكرة التاريخ المغاير عن تاريخ الدولة المسيطرة.
• التراث الثقافي والاجتماعي:
• اللغة العربية: التمسك باللغة العربية الفصحى واللهجات المحلية كـ جوهر للهوية الوطنية، ومقاومة محاولات فرض اللغة الفارسية.
• العادات والتقاليد: الحفاظ على العادات والتقاليد الاجتماعية العربية (مثل طريقة اللباس، المضايف، والعشائر) كدليل على التميّز الثقافي عن القومية الفارسية.
• الأغاني والأناشيد: استخدام الشعر، الأغاني، والأناشيد التي تحمل معاني المقاومة الوطنية والانتماء العربي لإبقاء الوعي حياً بين الأجيال، خاصة الشباب.
أهمية هذا المقوم
- وحدة الشعب: تعمل هذه الذاكرة الجماعية كـ عامل توحيد داخلي يجمع الفصائل والمناطق المختلفة حول قضية مشتركة.
- شرعية المطالبة: يُثبت التمسك بهذه الرموز أن المطالبة بالاستقلال ليست مطالب حديثة، بل هي امتداد لكيان سياسي وتاريخي كان موجوداً، مما يعزز الشرعية التاريخية للقضية.
- صمود الهوية: الذاكرة الجماعية هي خط الدفاع الأول ضد سياسات الصهر الثقافي أو التفريس، وتضمن أن الشعب لا يزال يرى نفسه كـ “شعب محتل” وليس “أقليّة داخلية” فحسب.
٢. رفض الاندماج الثقافي والإجباري:
الحفاظ على اللغة والعادات والتاريخ الخاص رغم محاولات الطمس من قبل المحتل، دليل على وجود مقاومة ثقافية متجذر.
الإسقاط على الأحواز
يُستخدم هذا المقوم الاجتماعي والثقافي لتسليط الضوء على صمود الهوية الأحوازية من خلال:
- الحفاظ على اللغة العربية:
- رغم حظر تدريس اللغة العربية كلغة أولى في المدارس وإلزامية التعليم باللغة الفارسية، يواصل الأحوازيون التحدث والتعليم غير الرسمي للغة العربية داخل المنازل والتجمعات الخاصة.
- هذا التمسك هو مقاومة مباشرة لسياسة الطمس الثقافي ورفض لشرعية الاندماج الإجباري.
- مقاومة تغيير الأسماء:
- يُشار إلى محاولات الحكومة الإيرانية لتغيير الأسماء العربية للمدن والمناطق والأنهار (مثل تغيير اسم “المحمرة” إلى “خرمشهر” و”الأحواز” إلى “خوزستان” أو “الأهواز”).
- استمرار السكان المحليين في استخدام الأسماء العربية الأصلية في حياتهم اليومية وعلى شبكات التواصل هو دليل على الرفض الشعبي لهذه الإجراءات.
- التمسك بالعادات:
- الحفاظ على المناسبات والطقوس العربية (مثل الاحتفال بعيد الفطر على الطريقة العربية، وعادات الضيافة كالـ “مضيف”)، رغم الضغوط التي قد تقلل من شأن هذه العادات مقابل الثقافة الفارسية الرسمية.
دلالة هذا الرفض
- دليل على المقاومة الثقافية: هذا الصمود الثقافي يُعتبر دليلاً قاطعاً على أن الضم لم يكن ناجحاً على المستوى الاجتماعي، وأن الرفض متجذر في الوعي الجمعي.
- تعزيز الانفصال الهوياتي: مادامت الهوية الثقافية العربية للأحوازيين قائمة ومقاومة، فإن الحجة القائلة بأنهم شعب متميز سياسياً وقومياً تظل قوية وشرعية.
- تفنيد شرعية السيطرة: يُثبت الرفض المستمر أن السيطرة الإيرانية على الإقليم هي سيطرة قوة قاهرة (احتلال أو ضم بالقوة) وليست نتاج اندماج طبيعي أو رضاء شعبي.
خامساً: المقومات الأخلاقية والإنسانية
١. الشرعية الأخلاقية للتحرر:
لأن الاحتلال انتهاك لكرامة الإنسان وحقه في تقرير مصيره، فالمقاومة في هذه الحالة ليست فقط سياسية، بل أخلاقية وإنسانية.
الإسقاط على الأحواز
يتم استخدام هذا المقوم لتبرير المطالبة الأحوازية بناءً على المبادئ التالية:
• انتهاك الكرامة الإنسانية: يُنظر إلى السيطرة التي تمت بالقوة (الضم عام 1925) وما تلاها من سياسات على أنها انتهاك لكرامة الإنسان الأحوازي. ويشمل ذلك:
• التمييز المنهجي: الإشارة إلى التمييز في التوظيف، وسوء الأوضاع البيئية والاقتصادية، والإفقار الممنهج لسكان الإقليم الأصليين.
• القمع الثقافي والسياسي: حظر اللغة العربية في التعليم، والاعتقالات التي تستهدف النشطاء والمنظمين، وتهميش الهوية العربية.
• الحق الطبيعي في تقرير المصير: يُعتبر حق تقرير المصير هنا حقًا إنسانيًا طبيعيًا، وليس مجرد مادة في القانون الدولي. وبما أن الاحتلال حرم الشعب الأحوازي من هذا الحق، فإن النضال لاستعادته يصبح واجبًا أخلاقياً وإنسانياً.
• المقاومة كواجب أخلاقي: هذا المنظور يُعطي شرعية أخلاقية فائقة لأي شكل من أشكال المقاومة (السياسية، المدنية، الثقافية) لأنه يُنظر إليه على أنه دفاع عن الكرامة والحقوق الأساسية للإنسان، وليس مجرد عمل سياسي.
أهمية هذا المقوم
• حشد الدعم: يساعد في كسب التعاطف وحشد الدعم من المنظمات الإنسانية الدولية والأفراد حول العالم الذين يهتمون بحقوق الإنسان والعدالة، بدلاً من التركيز فقط على المصالح الجيوسياسية.
• السمو بالقضية: يرفع الشرعية الأخلاقية القضية فوق القوانين المحلية للدولة المسيطرة، ويضعها تحت مظلة الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
٢. معاناة الشعب تحت الاحتلال:
تُعد هذه النقطة بمثابة دليل مادي وواقعي على الحاجة الماسة إلى التحرر، حيث تُبرر استمرار النضال ليس فقط بالنظر إلى الماضي، بل أيضاً بالنظر إلى الواقع الحالي للمعيشة في الإقليم.
الإسقاط على الأحواز
يستند الطرح الأحوازي في هذه النقطة على توثيق المعاناة المتمثلة في:
• القمع والاضطهاد السياسي:
• الاعتقالات التعسفية وإصدار أحكام قاسية بحق النشطاء والمنظمين الأحوازيين بتهم تتعلق بالأمن القومي أو الانفصال.
• تقييد الحريات المدنية والسياسية وحظر التنظيمات والأحزاب التي تحمل هويّة عربية صريحة.
• التمييز المنهجي:
• التمييز الاقتصادي: حرمان السكان العرب من فرص العمل والتوظيف في الشركات النفطية والمنشآت الكبرى داخل الإقليم (الذي يُعد مصدراً رئيسياً للنفط في إيران)، لصالح مستوطنين أو أشخاص من قوميات أخرى.
• التمييز التعليمي: ضعف البنية التحتية التعليمية في المناطق العربية وحظر تدريس اللغة العربية.
• المصادرة البيئية والموارد:
• تحويل الأنهار (خاصة نهر كارون): مشاريع تحويل مسار مياه الأنهار إلى محافظات فارسية أخرى، مما أدى إلى جفاف الأراضي الزراعية وارتفاع نسبة الملوحة، وتدمير البيئة الزراعية التقليدية لسكان الإقليم.
• التلوث البيئي: ارتفاع معدلات التلوث من المصانع النفطية والبتروكيماوية التي تضر بصحة السكان دون توفير تعويضات أو خدمات صحية مناسبة.
إن استمرار هذه المظاهر من القمع والاضطهاد والمصادرة يغذي المبرر الإنساني لاستمرار النضال. فالمقاومة هنا لم تعد دفاعاً عن تاريخ مضى فحسب، بل هي رد فعل ضروري وشرعي للدفاع عن الحياة الكريمة والعدالة وحق الإنسان في أن يعيش آمناً ومساوياً في وطنه.
تُظهر المقومات السابقة أن القضية الأحوازية ليست مسألة انفصال إقليمي، بل هي قضية تحرر وطني ذات جذور تاريخية وسياسية وقانونية وأخلاقية، تستند إلى معايير معترف بها في القانون الدولي وفي تجارب الشعوب التي ناضلت ضد الاحتلال. إن اجتماع السيادة السابقة، والهوية الوطنية المتميزة، والاحتلال القسري، واستمرارية الرفض الشعبي، يمنح هذه القضية كامل الأهلية القانونية والسياسية والأخلاقية لتصنيفها ضمن قضايا تصفية الاستعمار والتحرر الذاتي.
الخاتمة
إذا ما أردنا تحليل طبيعة الهيمنة الإيرانية الفارسية على الأحواز العربي، فإن التوصيف الأدق من منظور تاريخي هو أنها احتلال مكتمل الأركان. هذا الوصف لا يُبنى على العاطفة أو الانطباع السياسي، بل يستند إلى أربعة مرتكزات تحليلية هي: التغاير القومي، وانعدام الإرادة المشتركة، وسوابق الاحتلال التاريخي، ووعي الشعب الأحوازي الرافض للهيمنة.
لا يقتصر تعريف الاحتلال على التعريف القانوني المحض الذي يربطه بسيطرة قوة أجنبية على إقليم ذي سيادة معترف بها. فبينما يبقى هذا التعريف ضروريا في مخاطبة المجتمع الدولي، فإن الاقتصار عليه يُضيق من أدوات التحليل السياسي. ومن منظور أوسع يقاس الاحتلال أيضا بآثاره على الهوية الجمعية وغياب التمثيل القومي والإرادة السياسية المشتركة. هذه المقاربة، وإن بدت في ظاهرها تجاوزا للقانون الدولي، إلا أنها ترتكز على مبادئ راسخة في النظرية السياسية، حيث تُربط شرعية السلطة برضا المحكومين وتماهيهم القومي مع الدولة، لا بمجرد وجود اعتراف دولي. ومن ثم، فإن طرح النص يُعيد تعريف الاحتلال باعتباره علاقة سلطوية مفروضة، تعاني من غياب العقد الاجتماعي الحقيقي بين الدولة ومكونات سكانية لا ترى نفسها جزءا من تلك الدولة. هذا التوصيف يُعيد تموضع الخطاب الأحوازي في الحقل السياسي، من مجرد مظلومية حقوقية إلى مشروع تحرر وطني.
الحجة الثانية تقوم على التغاير القومي بين الشعب العربي الأحوازي والشعب الفارسي، بما يعكس غياب الوحدة الثقافية واللغوية والرمزية التي تُفترض في الدولة القومية الحديثة. وفي حين أن نماذج الدول التعددية تثبت إمكانية قيام دول متعددة الأعراق، إلا أن ذلك يفترض وجود تعاقد سياسي يضمن المشاركة المتساوية، وهو ما تفتقر إليه الحالة الإيرانية. بل إن الطابع الفارسي المركزي للدولة الإيرانية لا يكتفي بإقصاء العرب الأحوازيين من الشراكة، بل يسعى إلى طمس هويتهم كلية، وهو ما يعمّق فجوة الانتماء ويحوّل العلاقة إلى علاقة استعمار داخلي، لا مجرد إقصاء ثقافي. ومن هذا المنطلق، لا يحتج بمجرد التغاير القومي، بل بعدم وجود إرادة تعاقدية تسمح بالعيش المشترك.
العودة إلى التاريخ تروي سردية الاحتلال المتكرر، وليس باعتباره حادثة مفردة. فالحديث عن إسقاط الدولة المشعشعية ثم لاحقا الإمارة الكعبية يُظهر أن السيطرة الفارسية لم تكن نتيجة تطور طبيعي للدولة، بل عملية قسرية منهجية لإخضاع كيانات عربية مستقلة أو شبه مستقلة. ورغم أن استقلال الدولة الشمشعشية في العصر القديم حدث تاريخي لا جدل فيه، فإن الوضع يختلف مع الإمارة الكعبية لأنها كانت بوابة العصر الجديد، إمارة امتلكت سمات السيادة الحديثة من جيش وحدود وعلاقات دبلوماسية مع أطراف دولية مثل بريطانيا. هذا الفارق يعزّز شرعية وصف السيطرة الإيرانية في عام 1925 بأنها احتلال، وليس مجرد توحيد وطني، كما تزعم الرواية الإيرانية الرسمية.
أحد أقوى أركان وصف الاحتلال هو استحضار الوعي الذاتي الأحوازي به. فشعور الشعب بأنه خاضع لسلطة مفروضة، ومبادرته المتكررة للتمرد والرفض، يُعبّران عن غياب الرضا الشعبي، الذي هو من شروط الشرعية في الفكر السياسي المعاصر. وعلى الرغم من أن الشعور بالمظلومية لا يكفي وحده لتوصيف واقع الاحتلال، إلا أنه يُعدّ أحد مؤشرات التناقض بين السلطة والمجتمع، خاصة إذا اقترن بحراك سياسي ومقاومة ثقافية كما هو الحال في الأحواز. إن الانتفاضات الأحوازية، والتحركات السياسية في المهجر والداخل، سواء بسواء، وتشكّل خطاب قومي منظم، كلها تعكس حيوية الوعي التحرري وتؤسس لحق تقرير المصير. فحين تصبح المقاومة سلوكا جمعيا متكررا، لا مجرد ردّ فعل ظرفي، فإنها تُنتج واقعا سياسيا جديدا يفرض نفسه على التحليل السياسي والقانوني معا.
وهذه العناصر تعرض رؤية متكاملة تُعيد توصيف الهيمنة الإيرانية على الأحواز بوصفها احتلالًا، لا انتماء وطنيا مشوّها. إن فهم بنية الدولة الإيرانية كدولة ذات طابع قومي فارسي صلب، لا متعددة القوميات، يُعزّز من وجاهة الدعوة الأحوازية، ويمنحها إطارا نظريا قادرا على مخاطبة العالم بلغة مشروعة ومؤثرة.
بقلم: احمد عبيات ( ابو بيان)
