الجمعة, يناير 16, 2026
مقالاتإيران بين الفيدرالية والتفكك

إيران بين الفيدرالية والتفكك

 هل يمكن لنموذج جديد الدولة الإيرانية أن يستوعب مطالب شعوبها المتعددة؟

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

  تعيش الخارطة السياسية لإيران واحدة من أكثر مراحلها هشاشة منذ عقود؛ فالاحتجاجات تتصاعد في مدن المركز والأقاليم، والانتقادات لبنية الدولة المركزية تزداد حدّة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تتجه مجموعات من أبناء الشعوب غير الفارسية إلى تبنّي فكرة الفيدرالية بوصفها حلًّا ممكنًا لأزمة التعدد القومي في إيران. إلا أنّ الفجوة بين طرح المعارضة الفارسية لهذا النموذج، وتعويل تلك الجماعات عليه، تثير أسئلة جوهرية:

هل الفيدرالية مشروعٌ حقيقي للتعايش كما يقدّمه أنصار “التعايش السلمي”؟ أم أنها مجرّد شعار جديد قد يعيد إنتاج أخطاء عام 1979 بصياغة مختلفة؟

 تاريخيًا، عاشت الشعوب غير الفارسية سلسلة من الوعود غير المنجزة منذ ثورة 1979؛ فبينما رفعت الثورة شعارات حول الحقوق الثقافية والإدارية، جاء الواقع محمّلًا بالقمع في الأحواز، والمواجهات العسكرية في كردستان، والتهميش المستمر في بلوشستان. هذا الإرث رسّخ شعورًا عميقًا باللا ثقة تجاه السلطة المركزية والمعارضة الفارسية على السواء.

ورغم هذا التاريخ، تظهر جماعات “الفيدرالية الإيرانية” مرونة مفرطة في خطابها، تصل أحيانًا إلى حدّ الانكسار تحت شعار “التعايش السلمي”، مستخدمة لغة أقرب إلى الاستجداء منها إلى المطالبة السياسية. في المقابل، تواجه هذه المرونة بتشدد فارسي واضح؛ إذ يتمسك جزء كبير من المعارضة الفارسية بخطاب مركزاني يرفض الاعتراف بالشعوب بوصفها كيانات قومية، ويصرّ على تسميتها “أقليات”، معتبرًا أي خطوة نحو الفيدرالية تهديدًا مباشرًا لوحدة البلاد. وبين هذين الاتجاهين المتناقضين تتسع الفجوة الخطابية، لتجعل من الفيدرالية أقرب إلى جدل نظري وصراع مفاهيمي، لا إلى مشروع سياسي ناضج قابل للتحقق على أرض الواقع.

الفيدرالية في خطاب المعارضة: حلّ حقيقي أم تجميل للمركزية؟

الفيدرالية في إيران لن تولد من وعود عامة أو تنازلات أحادية الجانب. الطريق إلى نظامٍ فيدرالي يمرّ أولًا بتغيير لغة السياسة: الاعتراف بأن إيران ليست كتلة قومية واحدة، بل دولة تضم شعوبًا متعدّدة، وأن أي عقد سياسي جديد يجب أن يقوم على الشراكة، لا على هيمنة مركز واحد على الجميع. مع ذلك، ما زالت قطاعات واسعة من المعارضة الفارسية تتهرّب من هذا الاعتراف، وتتعامل مع الفيدرالية بشيء من الشك والالتفاف. ويمكن تلخيص هذا الموقف في ثلاث سمات رئيسية:

أولًا: عقلية الأغلبية والأقليات : لا تزال لغة الأغلبية والأقليات حاضرة بقوة؛ فالكثير من النخب الفارسية تنظر إلى العرب والأكراد والبلوش والآذريين على أنهم “أقليات” تعيش داخل “أمة إيرانية واحدة”، لا كشعوب لها هوية وحقوق كاملة. بهذه العقلية، تتحول الفيدرالية إلى مجرد لامركزية إدارية محدودة، لا إلى إعادة كتابة العقد السياسي بين المركز والأطراف. ثانيًا: فزّاعة يوغسلافيا: يُلوَّح كثيرًا بسيناريو “تفكك البلاد” إذا فُتح ملف الشعوب غير الفارسية بجدية. الخوف من تكرار نموذج يوغسلافيا السابقة يدفع بعض أطراف المعارضة إلى طرح الفيدرالية كشعار مطمئن ظاهريًا، هدفه الحقيقي الحفاظ على “وحدة الأرض والحكم”، لا معالجة جذور المظالم التاريخية ولا إعادة توزيع السلطة والثروة. ثالثًا: فيدرالية بلا مضمون:حين نقترب من التفاصيل، يتضح أن مفهوم الفيدرالية لدى كثيرين لا يتجاوز توسيع صلاحيات البلديات أو المجالس المحلية. لا حديث جدي عن الهوية واللغة، ولا عن إدارة الموارد في الأقاليم، ولا عن الحدود التاريخية لمناطق العرب والأكراد والبلوش والآذريين وغيرهم. في هذه الصيغة، تصبح الفيدرالية عنوانًا جذابًا لواقع مركزي قديم.

لهذا السبب، تنظر الحركات التحررية داخل هذه الشعوب بعين الريبة إلى أي مشروع تغيير لا يحمل ضمانات دولية واضحة ولا يقيّد سلطة المركز فعليًا. فبدون تلك الضمانات، ستظل السلطة والمال في طهران، وسيبقى القرار بيد نخبة مركزية تتحكم بكل شيء. والنتيجة؟ إعادة إنتاج مهزلة الخميني نفسها، لكن بلباس جديد ووجوه جديدة، فيما تبقى بنية الظلم المركزية على حالها.

شروط فيدرالية قابلة للحياة في إيران

لكي تكون الفيدرالية حلًا واقعيًا لا مجرد شعار، لا بدّ من توافر ثلاثة شروط أساسية:

اولاً الاعتراف الصريح بأن إيران دولة متعددة الشعوب وتجاوز لغة “الأقليات” إلى “الشراكة الحقيقية” بين شعوب تمتلك حقوقًا سياسية وثقافية متساوية.  ثانياً صياغة دستور جديد بالكامل يضمن إدارة محلية حقيقية للموارد والاعتراف باللغات المحلية في التعليم والإدارة.تمثيلًا عادلًا في مؤسسات الدولة المركزية. ثالثاً توفير ضمانات وآليات رقابة دولية تعزّز ثقة الشعوب غير الفارسية، وتمنع تكرار سيناريو الوعود المنقوضة كما بعد 1979.

خاتمة: بين الواقع والممكن

الفيدرالية، في جوهرها، ليست تعديلًا إداريًا بسيطًا، بل تحوّل جذري في فهم الدولة والعقد الاجتماعي. وفي ظل استمرار هيمنة العقلية المركزية على النخبة الفارسية، يبدو الطريق نحو فيدرالية عادلة إن لم يكن مستحيلًا طويلاً وشاقاً
ومع ذلك، فإن تصاعد المطالب القومية، وتراجع قدرة المركز على إدارة الأزمات بالأساليب القديمة، يجعلان النقاش حول نماذج جديدة للدولة ومنها الفيدرالية عند كثيرين مجرد محاولة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة بصيغ مختلفة، أكثر منها مبادرة لحلّ جذري حقيقي.

 

بقلم: ناصر ابوشيخة  

 

 

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"