في الأحواز الأخبار عن الموت والانتحار كثيرة وتتبع دون انقطاع، و الأبشع أن الأرقام والمعدلات في ازدياد مضطرد، وهذا ما تؤكده وسائل الإعلام المستقلة وتقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية. والأسباب في الأغلب تعزى إلى الفقر والبطالة والشعور بالتهميش والضغوط النفسية.
أحدث حالة انتحار اطلعنا عليها حدثت في مساء يوم الأربعاء 26 نوفمبر 2025. وفي قرية الغزاوية المعروفة بأراضيها الزراعية الخصبة والواقعة على بُعد 10 كيلومترات شرق نهر كارون. ففي الغزاوية انتحر شنقا “زواد ناصري”، المعروف بعبد الحسين المعتوق الجبور. وبحسب ذويه كان “زواد” يعاني ضغوطا اقتصادية وديونا متراكمة وبطالة دامت لفترة طويلة، فأوصلته هذه العوامل باجتماعها إلى حد الانهيار النفسي ومن ثم سارت به إلى الانتحار.
في نفس السياق، شهدت الأحواز وفي ذات اليوم حالة انتحار أخرى، حيث أقدم الشاب الأحوازي ماهر سواري، البالغ من العمر 23 عاماً، على إنهاء حياته فجر يوم الأربعاء، وذلك قبل ساعات قليلة فقط من موعد زفافه في منزل والده بمدينة القنيطرة (دزفول). وقد كان ماهر يواجه ضغوطًا معيشيةً هائلةً، وبحسب أفراد من عائلته أن عجز هذا الشاب في تغطية تكاليف الزواج كان السبب الرئيس وراء قراره بالانتحار.
ترك ماهر رسالة قبل مفارقته الحياة، وفيها تفسير لأهم الأسباب الكامنة وراء انتشار ظاهرة الانتحار في الأحواز: “لا أواجه مشكلة مع أحد، وليس لأحد مشكلة معي، إنما لدي أزمة مستعصية، إذ أشعر بالعجز في تلبية أبسط الاحتياجات لتكوين أسرتي”. ومثل هذه الرسائل تبرز حجم الأزمة والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها غالبية الشعب الأحوازي في أرجاء مناطقه الريفية والمدنية.
ووفقًا لبيانات مصادر صحفية يصل معدل الانتحار في الأحواز إلى 6 حالات بين كل 100 ألف شخص؛ سيما بين الشباب وتحديدا بين الفئة العمرية 18 إلى 25 عامًا. كما تظهر هذه إحصائيات تصاعدا مضطردا في معدلات الانتحار خلال السنوات الماضية، وتحديدا بين عامي 2018 حتى 2025، وذلك في مختلف القرى والمدن الأحوازية.
شكّل صيف عام 2018 رقما قياسيا حتى ذلك الحين في الإبلاغ عن حالات الانتحار في الأحواز؛ ولا سيما في منطقة شمال الأحواز، إذ في ذلك العام تم تسجيل موجة من حالات الانتحار في تلك الناحية من الإقليم، وخاصة بين الشباب والخريجين العاطلين عن العمل، وذلك بمعدل حوالي ستة حالات في الأسبوع. وبالرغم من أن معظم هذه الحالات كانت تُسجل دون تسمية الضحايا، إلا أن انتحار صبي في الـ 12 من عمره، في أحد أحياء الأحواز الفقيرة، من 24 يوليو 2018، أثار غضبا شعبيا، لا سيما وأن الانتحار كان بسبب حرمان الصبي من التعليم نتيجة الفقر المدقع لأسرته.
وفي 10 يونيو/حزيران 2020، انتحر الشاب “أمير روشني مقدم” اثناء عمله كعامل بسيط في شركة نفط مدينة الحويزة، نتيجة معاناة نفسية شديدة بسبب استغلاله وعدم دفع أجوره لعدة شهور وتراكم الديون عليه وانهياره نفسيا. كما وثقت التقارير محاولات انتحار مماثلة في نفس العام لعمال في شركة “هفت تبه” لزراعة قصب السكر، (كحالة كريم آل كثير) والتي تشير إلى عمق الأزمة، حيث يواجه العمال الأحوازيين الاستغلال والتهميش والتحقير والطرد والفقر، وتشتد عليهم الضغوط إذا ما احتجوا على ذلك أو ساهموا في الإضرابات. وهذا هو ما سماه معهد الدراسات العربية ب “الموت البطيء بسبب البطالة في أرض النفط”.
أكدت تقارير “مجموعة الأزمات الدولية” أن بين عامي 2015 و2019 شهدت إيران في عمومها زيادة بنسبة 60% في حالات الانتحار، وفي التقرير نفسه تم تسليط الضوء على منطقة الأحواز كبؤرة للأزمات المتفاقمة. ثم سجل عام 2023 طفرة جديدة في أرقام الانتحار سيما بين عمال قطاع الخدمات. ففي أواخر مايو 2023، انتحر “طارق الخالدي” في محل عمله، وهو حارس يبلغ من العمر 27 عامًا في شركة ميناء معشور للبتروكيماويات. والسبب كان عدم حصوله على راتبه لشهور عديدة، حتى تفاقمت الضغوط المالية فأودت بحياته. ووفقًا لتقارير حقوقية شكلت هذه الحادثة ونظيراتها مؤشرا على التمييز في دفع أجور بين العمال العرب وغيرهم خاصة في قطاع البتروكيماويات.
واستمرارا لوتيرة معدلات الانتحار التصاعدية شهد عام 2025 ارتفاعا ملحوظا على هذا الصعيد. و تُعزى معظم الحالات إلى البطالة ولاسيما تسريحات العمال في الشركات الصناعية. ففي 9سبتمبر/أيلول 2025 (18 شهريور 1404)، انتحر “محمد شاوردي”، وهو عامل عربي أحوازي من مدينة الفلاحية، بسبب الضغوط الاقتصادية والتمييز الوظيفي. انتحار “محمد شاوردي” تسبب في احتجاجات عمالية لم يستطع الإعلام إيراني تجاهلها.
وانتحر رعد سيلاوي، بعد أقل من شهر، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (30 مهر 1404)، وهو شاب وعامل أحوازي من منطقة الغيزانية الغنية بالنفط. وجاء الانتحار بعد فصله من العمل. ووصف نشطاء حقوق الإنسان الحادثة بأنها “تعكس نمطاً للموت بسبب البطالة”، وقد عكست منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها منصتي إنستغرام وتويتر غضبًا شعبيًا نتيجة هذه الحادثة المؤلمة.
وانتحر كمال البالدي، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (12 آبان 1404)، وهو شاب يبلغ من العمر 26 عامًا، وأب لابنة صغيرة. انتحار كمال جاء بعد طرده من شركة الفولاذ في الأحواز العاصمة، فبقي كمال بعد تسريحه عاطلا عن العمل لشهور طويلة جعلته ضحية لضغوط نفسية واقتصادية. ووصف راديو “زمانه” وكذلك منظمة كارون لحقوق الإنسان الحادثة بأنها مؤشر خطير على تزايد سياسات التمييز العنصري التي تتم لصالح غير العرب في الأحواز .
وانتحر أحمد البالدي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني. وهذه الحالة هي من أحدث حالات الانتحار في الأحواز، ولا نقول أحدثها إذ تلتها في الأيام القليلة الماضية أكثر من حالة انتحار. وفاة أحمد البادي هزّ الضمير العام وأدى الى تفاعل شعبي كبير، وذلك نتيجة انتشار واسع للخبر وتفاصيله على السوشيال ميديا ووسائل الإعلام. عمد أحمد بالدي، البالغ من العمر 20 عامًا، على إضرام النار في نفسه احتجاجًا على بلدية الأحواز التي حاولت هدم مطعم للأكلات السريعة كان قد استأجره والده منها. الاحتجاج المؤلم لأحمد البالدي والذي ماثل ما قد قام به البوعزيزي في تونس لاقى تعاطفا اجتماعيا كبيرا، لا سيما عند الأحوازيين سواء في الداخل والخارج؛ فارتبك النظام وسارعت عناصره لإخماد الغضب الشعبي، ومن ثم تمويهه بإجراءات أمنية مزيجة بالوعد والوعيد.
وانتحر في مدينة الخفاجية “عباس فريسات” وهو شاب ذو الـ 27، في أبريل 2025 (ارديبهشت 1404)، وانتحر رضا سواري في مايو 2025 (ارديبهشت 1404)، وانتحر مرتضى سنجري (باوي) ذو 18 عاما، في منطقة الغيزانية في نوفمبر 2025 (آذر 1404)، وانتحر احمد آل خميس في نوفمبر 2025 (آذر 1404) بعد ما إقالته البلدية الأحواز من عمله. ووجه الاشتراك بين كل هؤلاء هو الفقر والبطالة والتسريح من العمل.
لا وجود لإحصائيات دقيقة عن موضوع الانتحار في الأحواز، وكل ما بين أيدينا من أرقام وتقارير هي نتيجة تقصي المعلومات من قِبل المهتمين بالشأن الأحوازي، وفي ذلك أغلب اعتمادهم على ما يتم نشره في وسائل الإعلام. وتفيد هذه الإحصائيات بأن معدل الانتحار في الأحواز يتراوح بين 6-8 حالات في كل يوم. علما بأن أغلب هذه الحالات يتم التستر عليها حتى من قِبل أسرة المنتحر، وذلك لأسباب اجتماعية أو أسرية. أما الإعلام الرسمي فغالبا ولأسباب أمنية يحول دون نشر الأخبار الدقيقة حول حالات الانتحار في الأحواز، إذ إن هذا موضوع بات خلال السنوات الأخيرة ظاهرة تؤلم الضمير المجتمعي، ولذلك تحاول السلطة التستر على أخبارها قدر المستطاع، لكي لا تتعرض لأي محاسبة من قِبل الرأي العام، وأن تتفادى قدرا من الاعتراضات والاحتجاجات.
ومن خلال مرور على قائمة حالات الانتحار في الأحواز وتحديدا في السنوات الاخيرة (2918-2025) يتبدى للمتابع وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع معدل حالات الانتحار في الأحواز وبين نسبة الشعور باليأس الناجم عن الفقر وتردي الوضع الاقتصادي والبطالة. وهذه العلاقة تؤيدها نسبة العمال المسرحين من وظائفهم وكذلك العاطلين عن العمل في قائمة المنتحرين في الأحواز خلال السنوات الأخيرة.
البطالة مستشرية في الأحواز بشكل كبير للغاية. وبحسب تقارير منظمات محايدة مثل “Global Voices” وكذلك وفقا لاحصائيات أعدّها ناشطون محليون نسبة البطالة في الأحواز تزيد على 40 في المائة بين الشباب العربي في هذا الإقليم، وهي إلى جانب ظاهرة الجفاف المتفاقمة تمثل أحد أهم أسباب اندلاع الاحتجاجات الواسعة خلال السنوات الماضية في مختلف مناطق الإقليم.





وأما أهم أسباب البطالة هو التمييز العنصري ضد العرب. وهذا يتضح جليا عندما نتذكر أن لإقليم الأحواز أهم بتروكيمياويات إيران وأعظمها، وأن في مدن هذا الإقليم أهم مصافي النفط، وأكبر موانئ إيران، وأن الأحواز بوفرة مياهها، و بنفطها وغازها وعموم ثرواتها الطبيعية ووجود الشركات العظمى على أراضيها هي قلب اقتصاد إيران، فمن أين تأتي البطالة لأبنائها لولا التمييز والتهميش المتعمد.
“إنه كارثي” هكذا تصف منظمة العفو الدولية معدل الانتحار بين عرب الأحواز، وتدعو إلى تدخل عاجل للحد منه. ويؤكد ناشطون محليون على إمكانية الحد من ظاهرة الانتحار عبر أساليب متاحة أهمها توفير فرص عمل عادلة، وأما السلطات الرسمية تسعى إلى وصفها بحالات فردية نابعة من توترات نفسية وشخصية، و بهذا تتخلى السلطة في إيران عن مسؤوليتها أمام استشراء هذه الظاهرة، وعليه من غير المتوقع حصول تغييرات في سياستها التي أنهكت المجتمع الأحوازي.
السلطات الإيرانية تغض البصر عن أسباب الانتحار، وتتجاهل العوامل ولها في كل هذا مآرب رئيسية. ولسانها في هذا يقول: جوعوا أيها العرب حتى الموت أو اتركوا الأرض. فسياسية الإيرانيين باتت مكشوفة وواضحة وهي: جفاف وبطالة، ثم فقر، ثم إرهاق ويأس، ثم ترك الأرض أو القبول بالموت منتحرا أو بأي شكل آخر. الهدف الغائي للإيرانيين هو تغيير التركيبة السكانية لمنطقة الأحواز لصالح المستوطنين. وهذا ينذر بمزيد من الفقر والبطالة واستجلاب مضاعفاتهما، ومنها على سبيل المثال ولا الحصر، الانتحار.
رحيم حميد ونوري حمزه










