أصدر مؤخرا الكاتب والباحث الأحوازي محمد عتابي كتابا موضوعه مدينة الخَلَفيّة، وهي مدينة عربية تقع في جنوب شرقي مدينة الأحواز وعلى بُعد 105 كيلومترات منها. الكتاب في 148 صفحة وباللغة الفارسية ومقسم على سبعة فصول تغطي تاريخ المدينة وآثارها التاريخية والبني التحتية والاقتصادية وطرق المواصلات التي تربط المدينة بجوارها. وفي ختام الكتاب ملحق صور للآثار التاريخية في المدينة.
أراد محمد عتابي لكتابه أن يتميز عن سابقاته في الشمول، وأن يضم بين دفتيه كل ما يمت بمدينة الخَلَفيّة بصلة، فأصبح الكتاب أشبه بموسوعة تتيح للباحث قدرا كبيرا من المعلومات عن هذه المدينة بشكل منظم وموثق؛ إذ سعى الكاتب أن لا يترك أي معلومة دون أن يأتي عليها بسند من مذكرات العرب أو الفرس أو الإنجليز، ومن الصحف والكتب والآثار التاريخية.
محاور الكتاب متنوعة و واسعة. التاريخ القديم لمدينة الخَلَفيّة، وأحوالها في فترات الحكم الإسلامي، و من ثم في عهد الحكم المشعشعي والكعبي في الأحواز، وعلاقة هذه المدينة بالسلطات الإيرانية في مختلف العصور من الأفشاريين والصفويين و القاجاريين، وما مرّ بهذه المدينة بعد ضياع الحكم العربي في الأحواز، كلها مواضيع أفرد محمد عتابي لكل منها صفحات في كتابه. وكذلك في الكتاب مواضيع ذات قيمة كبيرة للباحثين في موضوع الأحواز عموما ومدينة الخَلَفيّة خصوصا ومنها: نشأت الخَلَفيّة الجديدة في القرن 17 الميلادي، ومن ثم تحولاتها الاقتصادية والاجتماعية، و حتى البلايا الطبيعية التي مرّت بها طيلة تاريخها من سيول وزلازل، و قصة مِلكِيّة أراضيها العالقة بين الفتاوى الشرعية والآراء الحكومية وبين أهل المدينة، والاسم العربي للمدينة و إصرار الحكومات الإيرانية المتوالية على تبديله وطمس الهوية العربية فيها.
مؤسس مدينة الخَلَفيّة الحديثة هو سيد خلف المشعشعي، ولذلك سميت بالخَلَفيّة. وبحسب محمد عتابي إنها معلومة لا لبس فيها، وذلك استنادا بالمراجع التاريخية الموثوقة وأهمها “الرحلة المكّية” من تأليف السيد علي بن عبد الله المشعشعي حاكم الحويزة في قرن الحادي عشر الهجري. و وفق الإسناد التاريخية التي اعتمادها الكتاب تسبب تنافس الأشقاء بإبعاد سيد خلف (متوفي 1659م) من مركز الحكم المشعشعي آنذاك، أي مدينة الحويزة، إلى منطقة نهر الجراحي، وذلك بمكيدة كادها له شقيقه السيد مبارك الذي خاف أن يحل محله في خلافة زعامة الحكم المشعشعي. وما أن وصل سيد خلف إلى تلك المنطقة حتى بدأ بتشييد الطرق و شق الأنهار وإحياء الاراضي الزراعية فاجتمع نفر كبير من العرب حوله فشيدت دورا كثيرة على تلك الأراضي، ومن تلك الدور وما لحقها مع مرور الوقت من بنايات وما أحيطت بها من أراضي قامت مدينة الخَلَفيّة واستمرت حتى يومنا هذا.
هي الخَلَفيّة أو خلف آباد وليست رامشير، وإن “رامشير” اسم فارسي جاءت به الحكومة الفارسية ضمن محاولاتها الاستعمارية لطمس الهوية العربية للمنطقة. و لإثبات هذا المدعى يأتي محمد عتابي في كتابه بمرسوم الحكومة الإيرانية في عام 1965 والذي بموجبه تمّ تغيير أسماء أربعة مدن عربية إلى الفارسية وهي كالتالي: الخَلَفيّة إلى “رامشير” مدينة معشور إلى “ماهشهر” وجزيرة الحاج صلبوخ إلى “مينو” وجزيرة الحاج شعيب إلى “لاوان”. وهذا المرسوم ليس إلا واحدا من عشرات المراسيم التي بموجبها تم تغيير الأسماء والأماكن في عموم الأحواز من العربية إلى الفارسية. وبالسند والوثائق التاريخية يثبت الكاتب أن لا صلة تاريخيا لأسم “رامشير” بهذه المدينة، وفي الحقيقة أن هذا الاسم مأخوذ من التاريخ الإيراني وأسقط زورا على هذه المدينة العربية. كما يشرح الكاتب ما يجلبه تزوير أسماء الأماكن والمدن من خدش للحقائق التاريخية و إضرار بالهوية و انفصال في التماسك الثقافي بين الماضي والحاضر.
مدينة بلا وثائق مِلكِيّة، وهي حالة قد تنفرد فيها مدينة الخَلَفيّة في جزء كبير منها. يشرح الكتاب هذه الحالة العالقة ويأتي على جذورها التاريخية، وهي من قبيل قاعدة: هبة من لايملك لمن لا يستحق. إذ بحسب الكتاب وهب حاكم من القاجاريين جزءا كبيرا من أراضي منطقة نهر الجراحي ومنها قرية الخَلَفيّة إلى أحد رجالته، والذي يدعى “نظام السلطنة مافي”، وهذا الرجل لاحقا جعل هذه الأراضي الآهلة بأصحابها وقفا! وهذه كلها كانت معاملات على الورق إذ لا سلطة آنذاك للقاجاريين على تلك الأراضي، وبعد سقوط الحكم العربي في الأحواز (1925) دخل رجال الدين على القضية ومعهم الحكومة الإيرانية فحالوا دون إصدار وثائق مِلكِيّة لأهالي الخَلَفيّة بحجة أن هذه أراضي موقفة فلا يجوز تملكها من قبل الأفراد. وبقت هذه الحالة عالقة حتى يومنا هذا، وألقت بظلالها على المدينة فتسببت في كساد أسواقها وبور أراضيها.
وللخَلَفيّة موارد اقتصادية هائلة وأهمها النفط والغاز، إذ أن في المدينة 440 بئرا نفطيا يستخرج منها 664 ألف برميل نفط في كل يوم، وهذا فضلا عن عشرات الآبار من الغاز، وذلك بحسب تقارير إيران الرسمية في عام 2021 والتي أوردها محمد عتابي في الكتاب. بدأ استخراج النفط من الخَلّفيّة منذ عام 1963 وطيلة كل هذه العقود ضخ النفط من هذه المدينة مستمر ونسبته آخذة في تصاعد. وعلى الرغم من كل هذه الثروات حالة الفقر مستشرية في عموم مدن الأحواز وهذا ما يثير الاستياء والغضب عند الأحوازيين، وعليه يمكن تفسير أحد عوامل الحراك السياسي والاجتماعي والاحتجاجات الشعبية المتواصلة في الأحواز.
“رامشير” اسم لا يليق بالكتاب. ونعتب على الكاتب باختيار هذا الاسم المزور لكتابه، لا سيما وهو الذي يسهب في طرح المصادر والأدلة على تخطئة هذا الاسم وعلى صحة الاسم العربي أي الخَلَفيّة أو خلف آباد، وكذلك هو الذي يركز في ذات الكتاب على إبداء الأضرار الاجتماعية والثقافية التي تترتب على هذا التزوير. ومع وجود هذا التناقض الفادح بين العنوان والمحتوى نلتمس لكاتبنا بعضا من الأعذار؛ فمن يكتب في الداخل الإيراني محكوم بشروط وظروف أمنية ومحدد بخطوط حمراء يكلف تجاوزها ضغوطا لا طاقة للكثيرين بتحملها. ولهذا يلجأ البعض، وليس الكل، إلى المراوغة في اختيار العناوين أحيانا وفي كيفية الطرح أحيانا أخرى، فقد ينطقون بقسط مما لديهم ويسكتون عن جزء آخر، وذلك على قاعدة : من لا يدركه كله لا يتركه كله. ولا ندري إلى أي حد هم في هذا صائبون.
ولِد محمد عتابي في عام 1945 في مدينة الخَلَفيّة وفي عائلة ريفية و متشبثة بالقيم الدينية. أكمل دراسته في فرع التاريخ حتى أصبح أستاذا في الجامعة الأهلية في مدينة معشور. لمحمد عتابي مساهمات بحثية في مجال الهوية والتسمية الجغرافية، والتراث الأثري، والبعد الديني والمقدّس المحلي، والتاريخ العمراني؛ وعليه يعتبر باحثا محليا ذا تأثير كبير على تاريخ وهوية مدينة الخّلّفيّة، خاصة وأنه واحد من القلائل الذين كتبوا تاريخ المدينة من منظور محلي، علمي وأكاديمي
الأحوازيون مصرون على البقاء. ومن جملة ما يبرهن على ذلك هو البحث والتأليف تحت الضغط الأمني وفي ظروف التعتيم الصارمة وفي غياب الدعم المادي والمعنوي. فإخراج الحقائق من تحت ركام النسيان المتراكمة منذ عقود هي مهمة غاية في الصعوبة؛ فقد يخرج الباحث الأعزل في الأحواز جزءا من الحقيقة ويترك الأجزاء المتبقية لكراته القادمة. وفي هذا الإصرار سرّ بقاء عروبة الأحواز وأصالتها، وما دامت هذه الجذوة مشتعلة فابشروا بخير.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
