غازي مزهر_هلندا
فجر اليوم سمعت بخبر وفاة لفتة عبد الساري والد الشهيدين محمدعلي و جعفر و الأسير حمزة لهذا قررت نشر نص كتبه حمزة داخل السجن قبل سنوات.
محاربه با خدا ( محاربة مع الله)
كلما انتقلت في عالم ذكرياتي لا أستطيع أن أذكر شيئًا عن حربي مع الله، متى شهرت سيفي بوجهه؟ متى اخترقت عظيم حدوده؟
متى أعلنت حربًا شعواء ضده؟ لست أدري… ما أعلمه أن البقاء في السجن لفترة طويلة يحطم الذاكرة، والنسيان يفرض سيطرته. لكن منذ دخولي السجن بدأت عملية التحري عن جرائمي التي ارتكبتها بحق الرب، ومنذ ذلك الحين ما زلت أبحث وأبحث وأبحث، ولم أستطع أن أذكر شيئًا، ولو شبحًا، عن تلك الحرب التي أنا أقبع في السجن بسببها.
كلما أتذكر تلك السنين، هو أني قضيت تسعة عشر خريفًا من حياتي في عالم يعتمه الخوف والجوع والحرمان. حرمان يسكن في عيون أطفالنا، ليكون حائلًا بينهما وبين كل ما هو جميل في هذا العالم. حياة اختناق وكبت وصمت، ما كان محكومًا علينا بالصمت أمام كل ما يُفعل بنا من طمس لهويتنا وسحق كرامتنا وتحقيق ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.
صنع لنا عالم محدود لا يتجاوز سد الجوع بلقمة مغموسة بالذل والهوان، واستنشاق الهواء ممزوجًا برائحة القمع والترهيب والألم. وبالأحرى، لم نكن لنجرؤ على أن نحلم بعالم أفضل. لم نكن لنجرؤ على أن نحلم أو نفكر أو نسأل. لم يكن لنا أن نعاند قدرنا المحتوم وما كتبه الله لنا، رغم أن الله خلق لنا هذه الحياة. وإذا تجرأ أحد منا على رفع رأسه وطموحه بعالم آخر، فسرعان ما ينزل غضب الله على رأسه بأيدي “عباد الله” المختارين، وسيكون مصيره إما الشنق أو السجن، وستقرأ عليه هذه الآية الكريمة: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
في مثل هذا العالم، تجرأنا على أن نطمح في صنع عالم جديد يضمن لنا كرامتنا ومستقبلنا، فاعتقلنا وخضعنا لأمر التعذيب في مطامير المخابرات المرعبة. وبعد فترة طويلة من التعذيب، حكم علينا بالإعدام شنقًا حتى الموت، جزاءً لارتكابنا جريمة عظيمة في ساحة الرب الأعلى، ووجهت إلينا تهمة “المحاربة مع الله”.
وبعد عام، تم شنق العديد منا، من بينهم أخوي محمد علي وجعفر. ومن بعدها، شملني الرحمة الإلهية بزعمهم، ونقضوا حكمي بالسجن المؤبد، واستمر التعذيب والتحقير في السجون.
لم نكن نتحسر كثيرًا على الحياة خارج السجن، فلم يكن هناك فرق شاسع بين هاتين الحالتين. فحياتنا في السجن محدودة كما كانت خارج السجن، وأحلامنا لا تتعدى حدود الواقع المرير الذي نعيشه. لكن، في بعض الأحيان، أطلق العنان لخيالي، فأسير في الفضاء لأجد نفسي في وسط ملعب كامب نو، أنظر إلى ميسي يسجل هدفًا رائعًا ويقدمه إلى ابنه الصغير بكل إخلاص، فأت فاستمتع قليلاً أو أتجاوز حدودي، فأجول في شوارع باريس القديمة تحت رذاذ المطر، فأحدق في السماء، وأرى روح هوغو المرفوعة في سماء باريس الممطرة، فأقص عليه حكاية البؤساء، فيخفض رأسه خجلًا بسبب تسمية قصته الشهيرة. فأفيق سريعًا من سباتي وأعيش الواقع، ولم أتحسر كثيرًا إلا على رؤية أبي مرة أخرى.
منذ فترة من الزمن، وأنا أبحث في ذكرياتي، سائلاً أن أذكر تجاعيد بشرته التي تبوح بماضيه العسير، أو رسوم وجهه التي تحمّل البؤس والعناء معًا، والخوف والأمان معًا، عبثًا أبحث. لقد تعبت ذاكرتي بسبب الهواجس اليومية التي تضيق من الأسوار العالية المحيطة بنا، أو أن أضع رأسي مرة أخرى في حضن أمي وأحس بحرارة يدها على وجهي، لأجرب الأمان للحظة فقط…
هذه ليست رواية ليقرأها البشر، ويتأملوا بها للحظة، ويضعوها في طي النسيان. هذه حقيقة نعيشها كل لحظة في بقعة من الأرض تسمى الأحواز…
مقتطفات من رسالة الأسير حمزة لفتة الساري حمزه لفتة الساري
