اليوم لا يجوز الصمت أو الحياد، اليوم لا مكان لصمتكِ أيتها الجسورة؛ عليكِ أن تخرجي لتغيير المسار.. انهضي، ثوري، واصرخي عالياً من أعماق الوجود. ارفعي صوتكِ، وصوت آهاتكِ، ونبرة معاناتكِ الطويلة، كما فعلت تلك الماجدة في “انتفاضة العطش”. فليخرج صوتكِ للعالم أجمع، فما هو إلا صوت وطننا الأحواز.
الكحيلة ألاحوازية في وجه الرصاص: سيرة شموخ المرأة الاحوازية
تلك الليلة، كانت المواجهة بين الكلمات والرصاص؛ كلماتٌ سمعها الملايين ممن تابعوا الأحداث. كانت بضع جملٍ قصار، أطلقتها تلك الأحوازية الجسورة في أقل من دقيقة، لكنها كانت كفيلة بتروي قصة شعب بأكمله.
في أيام انتفاضة الشعب الأحوازي، التي عُرفت بـ “انتفاضة العطش”، خرج أبناء الأحواز العُزّل يطالبون بحقهم في الحياة، فواجهوا الرصاص الحي، ليسقط عدد من الشهداء في تجمع سلمي بحت. ذلك ما أثار غضب تلك المرأة الجسورة؛ فتهيأت وقررت، ثم استطاعت أن تغير مسار المظاهرة، وتغير نظرة الملايين في العالم ممن كانوا يجهلون قضية هذا الشعب.
بصوتها الغاضب الرافض للظلم، والثائر في لحظة جعلتها تتقدم نحو الرصاص، وصلت إلى المشهد في وقته المناسب. تقدمت إلى الأمام لترفض بكل كيانها الاعتداء على المحتجين السلميين، ووقفت في وجه قوة الطغاة ونارهم التي ترعب أي إنسان. لم تعرف للخوف معنى، فأسرعت بخطواتها نحو القوات المسلحة التي أطلقت النار، واقتربت من أحد المسلحين لتواجهه وجهاً لوجه، ثم صرخت فيه بلغته الفارسية، لكن بلهجتها العربية الأصيلة قائلة: “لا تطلق النار، فالمظاهرة سلمية.. لماذا تطلق النار؟ فأنت لم يُسلب منك ماؤك! لم تُسلب منك خبزتك! فلا تطلق النار!”.
لم تكن مجرد كلمات خرجت بعفوية، بل اختصرت كل ما يحدث في الشارع، وجسدت الظلم والقهر والإجرام المرتكب بحق الأبرياء. على أثر تلك الكلمات، بات العالم يعرف الكثير مما كان يجهله عن الظلم والانتهاكات التي تطال الإنسان والإنسانية على هذه الأرض.
لقد كانت اللكنة العربية الواضحة على لسانها وهي تنطق الفارسية كفيلة وحدها بإثبات عروبة هذه الأرض المسلوبة، التي فُرضت عليها اللغة الفارسية قسراً فلم يتقن أصحابها نطقها. تلك الكلمات أثبتت أن هذا الشعب وصل إلى مرحلة اشتد فيها عليه العطش والجوع حتى نزل إلى الشارع، وأثبتت أيضاً وجود عدو شرس وحشي، عدو لدود لكل معاني الإنسانية؛ عدو لغته الرصاص، وسياسته القمع، ومهنته الإجرام، وهدفه استئصال كل ما يمت للعروبة بصلة، بدءاً من الإنسان وصولاً إلى الأرض والنخيل والمياه والآثار والحضارة العربية التي نبتت من أعماق هذا التراب.
هذه الأرض تفوح برائحة العروبة، تماماً كرائحة أمهاتنا “الكحيلات” العربيات.
في الختام.. نوجّه لكِ كل تحياتنا الوطنية. فطوبى لكِ أيتها الحرة الشامخة؛ نحن لا نعرف اسمكِ أو عنوانكِ، إنما نعرفُ مَن أنتِ.. وماذا تمثلين.
بقلم آمنة هاني، ناشطة ثقافية ومدنية احوازية
