هدف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى تصحيح بعض ما هو متداول في تاريخ الأحواز الحديث ولا سيما عن حقبة الكعبين وتحديدا فترة حكم الأمير خزعل. إذ أن لأسباب مختلفة تعددت الروايات عن أحداث مصيرية في تاريخ الأحواز. حتى أصبح التاريخ عند الإنسان الأحوازي عبئا، بدل أن يكون سببا للوحدة ولوضوح الرؤية.
مشكلة الدراسة:
تم إتلاف عدد كبير من وثائق تاريخ الأحواز، وتزوير ما تبقى منها، لا سيما في عهد النظام البهلوي؛ وذلك لصناعة سردية جديدة تسعى إلى طمس الهوية العربية للأرض الأحوازية، وتصوير حكومة الأحواز على أنها تابعة أولاً للنظام القاجاري ثم للنظام البهلوي. كما تمّ تزوير المعاهدات والاتفاقيات التي كانت قائمة بين الأمير خزعل بن جابر والنظام القاجاري، في محاولة لإعادة صياغة التاريخ بما يخدم رواية الاحتلال الإيرانية الرسمية.
وبناء على ما تقدم، واجه الشعب الأحوازي تحديات جسيمة في سبيل ترسيخ هويته، وصياغة سرديته التاريخية الجامعة؛ تلك السردية التي تشكّل ركيزة في الحفاظ على الأرض والمجتمع أمام توغل السرديات المصطنعة. وهي السرديات التي أرسى دعائمها النظام البهلوي، وروّجت لها أقلام أعجمية، وأخرى عربية تبنّت تلك الروايات أو تأثرت بمنطلقاتها.
فرضية الدراسة:
تبنت الدولة الإيرانية، خلال القرن الماضي، سياسات استعمارية ممنهجة تجاه الشعب الأحوازي، تراوحت بين آليات خشنة وأخرى ناعمة؛ استهدفت صهر الهوية العربية عبر فرض اللغة الفارسية في المؤسسات التعليمية، وطمس معالم الجغرافيا الأحوازية من خلال تقطيع أوصالها وتغيير مسمياتها التاريخية. وقد سعت هذه السياسات إلى إجبار المجتمع الأحوازي على التعايش مع الواقع المفروض، تزامنا مع محاولات لتفتيت البنية المجتمعية عبر إذكاء النزاعات في أوساط القبائل الأحوازية. وقد استندت تلك الممارسات إلى سردية تاريخية محرّفة، تهدف إلى خلخلة الوعي الجمعي الأحوازي وقطع صلة الشعب بجذوره التاريخية.
ولكشف حقيقة هذه الممارسات والسياسات، تستند الدراسة إلى تحليل الوثائق التاريخية الموثوقة، والاعتماد على الأرشيف البريطاني، والدراسات والكتابات الرصينة، وروايات الرحّالة الذين زاروا الأحواز وأقاموا فيها، بالإضافة إلى دراسة المعاهدات المبرمة بين الأمير خزعل بن جابر والدول الأخرى، ولا سيما الدولة القاجارية؛ بهدف الوصول إلى سردية تاريخية دقيقة وموضوعية.
المقدمة:
يعد التاريخ الأحوازي الحديث حقلا إشكاليا تتداخل فيه العوامل السياسية بشكل كثيف، حتى تحوّل في كثير من مراحله إلى عبء على المجتمع، بدلا من أن يكون وسيلة لفهم الماضي وتفسيره. وتنبع هذه الإشكالية من جانبين؛ أولهما: أن عددا من الباحثين والمهتمين اعتمدوا على روايات غير موثقة، فأدخلوا في سردية الأحداث ما رأوه مناسبا دون الاستناد إلى أدلة علمية أو وثائق تاريخية معتمدة، وقد أدى ذلك إلى إنتاج نصوص تاريخية مشوشة في جوهرها، مما خلق عائقا أمام الباحثين اللاحقين في سعيهم للوصول إلى قراءة موضوعية للتاريخ.
أما الجانب الثاني، فيرتبط بالروايات الاستخباراتية والإعلامية ذات البعد السياسي، ولا سيما تلك التي روّجتها المؤسسات الرسمية الإيرانية؛ حيث سعت هذه الجهات إلى طرح الأحواز بوصفها أرضا تابعة لها تاريخيا، معززة ذلك بسرديات لا تستند إلى وقائع أو وثائق صحيحة. كما لعبت أطراف أخرى دورا مشابها عبر سد الفراغات التاريخية بما يخدم مصالح محددة، ما نتج عنه إعادة تشكيل الأحداث بطريقة لا تعكس حقيقتها. وتبرز المشكلة كذلك في محدودية الوصول إلى الوثائق التاريخية الأصلية المتعلقة بنظام الحكم في الأحواز قبل الاحتلال؛ إذ لم تسمح الأنظمة الإيرانية للباحثين الأحوازيين بالاطلاع على مصادر يمكن الاعتماد عليها لإثبات طبيعة العلاقة بين الأحواز كإمارة والممالك المجاورة، بما في ذلك استقلالها المؤسسي عن الدولة القاجارية.
وقد انعكس هذا الحجب المتعمد للمصادر على الوعي الجمعي الأحوازي، حيث أسهمت المؤسسات الرسمية في صياغة سرديات موجهة عبر المناهج الدراسية والكتب والمطبوعات، مع إعطاء الأفضلية المطلقة للمصادر الإيرانية، ومنع دخول الكتب التي تقدم طرحا مختلفا. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى وجود مشروع متكامل استهدف إعادة تشكيل الهوية التاريخية للأحواز، وتغيير مسارها العربي والإسلامي عبر أدوات معرفية وإعلامية متشابكة. ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث، الذي يسعى إلى إعادة قراءة التاريخ الأحوازي الحديث بمنهج علمي يعتمد على التحليل النقدي للمصادر، والكشف عن دور العوامل السياسية في صناعة الرواية التاريخية، بهدف الوصول إلى سردية أقرب إلى الحقيقة ومعززة بالأدلة الموثوقة.
1- اللافتة التصحيحية الأولى:
مقتل الأمير مزعل بن جابر وكيف استلم السلطة أخيه الأصغر الأمير خزعل
تولى الأمير خزعل بن جابر بن مرداو السلطة عام 1897م، وذلك عقب اغتيال أخيه الأمير مزعل بن مرداو في سوق الفلاحية؛ الأرض التي كانت منذ زمن بعيد مركزا لبني كعب والعشائر المتحالفة معها. وجاء هذا التحول السياسي في مرحلة شديدة الاضطراب، كانت الإمارة تمر فيها بحالة من الضعف وعدم الاستقرار. فقد اتسم حكم الأمير مزعل بالهشاشة إلى حدّ ما، في ظل الصراعات الداخلية والانقسامات القبلية التي عصفت بالأحواز عموما، وبمدينة الفلاحية على وجه الخصوص؛ الأمر الذي جعله عرضة للتأثير الخارجي، بل وأداة بيد بعض الحكومات والممالك المجاورة. وأدى هذا الضعف إلى اهتزاز مكانة الإمارة وفقدانها القدرة على إدارة شؤونها بثبات، مما زاد من حدة التوتر داخل البيت الكعبي، وجعل الأمير مزعل مهددا من قِبل رجال قبيلته الذين رفضوا الخضوع؛ لئلا تتحول الإمارة إلى مجرد ورقة تستغل من القوى الخارجية، وهم أصحاب تاريخ طويل في مقاومة محاولات الإخضاع والوصاية.
وفي خضم هذه المرحلة المضطربة، كانت إمارة شمال الأحواز (عربستان) ساحة لتنافس ثلاث قوى طامعة في بسط نفوذها عليها:
بريطانيا: ممثلة بالشركة الهندية، التي رأت في الأحواز موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية لحماية مصالحها البحرية والتجارية.
العثمانيون في العراق: الذين سعوا إلى ضم الإقليم بوصفه ولاية تابعة لهم لتعزيز نفوذهم في الخليج وبلاد فارس.
القاجاريون في طهران: الذين كانوا يمرون بمرحلة قاسية من الانهيار الاقتصادي والجفاف والمجاعة، ما جعلهم ينظرون إلى الأحواز بوصفها طوق نجاة اقتصاديا وسياسيا.
وبذلك بدت إمارة شمال الأحواز (عربستان) في تلك الحقبة وكأنها “الجائزة الكبرى”؛ لما تتمتع به من موارد زراعية غنية، ومياه وفيرة، وموقع جغرافي حيوي، الأمر الذي جعل السيطرة عليها هدفا ملحا، لا سيما بالنسبة للقاجاريين الساعين إلى تعويض خسائرهم الاقتصادية وترسيخ نفوذهم في أرض العرب.
1/1 – الرواية الإيرانية التي زُجَّت في الشارع الأحوازي عن مقتل الامير مزعل بن جابر:
وفي سياق هذه الصراعات، روّجت لاحقا رواية مفادها أن الأمير خزعل تولى إمارة المحمّرة بعد قيامه بقتل أخيه الأمير مزعل في 1/6/1897م. وقد زجت هذه الرواية عمدا في الشارع الأحوازي؛ بهدف إثارة صراع داخلي بين القبائل، وشق الصف بين المؤيدين والمعارضين؛ حتى تبقى الساحة الأحوازية منهكة بخلافاتها الداخلية، وغير قادرة على الالتفات إلى المخططات التي كانت تحاك ضدها. وتشير المعطيات التاريخية إلى أن هذه الرواية صيغت أساسا على يد الإيرانيين، ثم حظيت بدعم واضح من بريطانيا، التي كان من مصلحتها استمرار الصراع الداخلي، بما يتيح لها إحكام سيطرتها على الإمارة الأحوازية التي تشكّل قلب الاقتصاد في المنطقة.

غير أن هذه الرواية نسفت رسميا عام 2020م، بعد خمسة وتسعين عاماً من احتلال الأحواز، حين كشفت بريطانيا عن مجموعة من الوثائق المتعلقة بالإمارة. وقد ورد في إحدى هذه الوثائق ما يدحض الرواية المتداولة، ويكشف حقيقة اغتيال الأمير مزعل بن جابر، مبيّنا حجم التلاعب الذي مورس على الوعي الأحوازي، وحجم المؤامرات والدسائس التي قادتها بريطانيا بالتنسيق مع القاجاريين؛ لتثبيت الاحتلال وإسقاط آخر القوى السياسية القادرة على مقاومته. (1)
نظام الإقطاعيات في إمارة شمال الأحواز (عربستان) في عهد الأمير خزعل بن جابر
بعد انحسار نفوذ الدولة المشعشعية العربية، التي بسطت سلطتها على الأحواز وأجزاء من مناطق عربية أخرى لقرون طويلة، وانتهاء دورها السياسي في أوائل القرن الثامن عشر (نحو 1724م)، بدأت تتشكّل في الأحواز بنية سياسية جديدة تمثّلت في إمارة عربستان، على ضفاف الخليج, وقد اتخذت الإمارة من مدينة المحمرة مركزًا سياسيًا واقتصاديًا لها.
وفي هذا السياق التاريخي، برزت الإمارة الكعبية، بوصفها كيانًا سياسيًا عربيًا استطاع أن يحقق قدرًا من الاستقرار النسبي، رغم اشتداد التنافس الإقليمي بين الدولة العثمانية والدولة القاجارية وسعي كلٍّ منهما إلى توسيع نفوذه في منطقة الأحواز والخليج العربي.
اتسم نظام الحكم في الامارة خلال تلك المرحلة بطابع إقطاعي، حيث توزّعت السلطة بين عدد من القبائل الكبرى التي أدارت شؤونها الداخلية ضمن نطاقات جغرافية محددة، تمثلت ب آل كثير، الباوية، بني طرف وبني لام. وقد مارست هذه القبائل سلطتها المحلية في إدارة رعاياها دون الرجوع الفعلي إلى السلطة الكعبية المركزية، ولا سيما في عهد الأمير خزعل بن جابر، مما جعل نمط الحكم أقرب إلى إدارة محلية ذاتية الطابع منه إلى سلطة مركزية موحّدة. أما في ما يتعلّق بالشؤون الخارجية، فمدينة المحمرة بوصفها المركز السياسي الأبرز والأكثر ارتباطًا بالعالم الخارجي، قامت بدور محوري في إدارة العلاقات السياسية، إذ تولّت عقد الاتفاقيات والتفاهمات مع القوى الإقليمية والدولية، بما عكس مكانتها السياسية والاقتصادية داخل الإمارة. وإلى جانب الإقطاعيات المرتبطة بإمارة الشمال (عربستان)، وُجدت داخل الأحواز كيانات سياسية أخرى اتسمت باستقلالية واسعة في قراراتها الداخلية والخارجية، حيث مارست سلطتها دون الاعتماد على المحمرة، سواء في عهد الإمارة الكعبية أو خلال فترة الدولة المشعشعية. كانت القبيلة الأكبر في تلك المناطق تمثّل السلطة السياسية العليا، وهو ما يتجلّى بوضوح في إمارات الجنوب الأحوازي التي حافظت على استقلال ملحوظ في إدارة شؤونها وعلاقاتها القبلية والسياسية.
اسماء أهمّ الإمارات التي تشكّلت على الساحل الأحوازي:
- إمارة القواسم
- إمارة العبادلة
- إمارة النصور
- إمارة آل علي
- إمارة المرازيق
وعليه، يمكن تشبيه هذا النمط من الحكم بنظام الإقطاعيات أكثر من تشبيهه بالأنظمة الفدرالية أو الكونفدرالية المعروفة في العصر الحديث، إذ إننا نتحدث عن سياق تاريخي مختلف تمامًا، تميّز بالحروب والاضطرابات وضعف الوعي السياسي بالمعنى المؤسسي ضمن الجغرافيا العربية في تلك المرحلة.
2 – اللافتة التصحيحية الثانية:
إمارة شمال الأحواز (عربستان)
1/2- جغرافية الأحواز
كانت الأحواز تتمتع بحدود جغرافية واضحة المعالم؛ حيث تحدها من الشرق سلسلة جبال البختيارية (امتداد جبال زاغروس) التي تشكل فاصلاً طبيعيا عن بلاد فارس. ومن الغرب تحدها الأراضي العراقية وشط العرب، بينما يحدها من الجنوب والجنوب الغربي الخليج العربي، وصولاً إلى حدود بلوشستان من الناحية الجنوبية الشرقية.
2/2- اسم الإقليم:
ذكر ابن خلدون في “المقدمة”، تُسمى تلك المنطقة باسم الأحواز أو حوزستان وهي أحد الأقاليم في جغرافية فارس، وقد حدّد حدودها بوضوح، وذكر مدنها الكثيرة وأنهارها التي لا تُحصى. وقد سماها ياقوت الحموي بلاد الأحواز، بينما وصفها الإدريسي في كتاب نزهة المشتاق بأسم حوزستان، وهو تعريب اسم الأحواز، وفي عهد الدولة المشعشعية أصبحت تُعرف باسم عربستان (أرض العرب) (2). أما في سنة 1930، فقد ظهرت في الخرائط التي نشرتها الشركة الهندية للتقسيم الجغرافي لبلاد فارس تحت اسم عيلام العرب، نسبة إلى حضارة عيلام السامية (3).

و في السياق التاريخي يلاحظ أن مصطلح بلاد فارس كان في الأصل تسمية جغرافية وليست اسماً لعرق محدّد. فقد سكنها الساميون أولاً، ومنهم العيلاميون المنسوبون –حسب المفهوم التوراتي– إلى عيلام بن سام بن نوح، وبعد ذلك وفدت إليها الشعوب الآرية بعد الميلاد(4).
أمّا بخصوص الأخمينيين فقد اختلفت الآراء حول أصلهم:
فمن الباحثين من يرى أنهم هندو–أوروبيون (آرييون)، ومنهم من يرى أنهم ساميون ومن امتداد الحضارة البابلية و العيلامية. وقد أشار إلى هذا الرأي عدد من الباحثين، منهم المؤرّخ المختص في حضارات الشرق الأدنى “دانيال بأس” في مؤلفاته (5).وهناك من يقول إنّ كثيراً مما نُسب إلى الأخمينيين إنما هو انعكاس الحضارات السامية، الآشورية والبابلية و العيلامية، وهذا هو رأي الأغلبية من الباحثين في هذا الاتجاه.
السياسة الداخلية لحكومة الامير خزعل بن جابر
اتّسم المجتمع الأحوازي خلال الفترة الكعبية ببنية اجتماعية وسياسية تشبه إلى حد كبير بنية المجتمعات العربية التقليدية، خصوصًا فيما يتعلق بآليات الحكم وإدارة السلطة. فقد قام نظام الحكم على أساس التقسيمات القبلية، حيث مارست القبائل الكبرى نفوذها السياسي والعسكري على العشائر والقبائل الأصغر المقيمة ضمن نطاقها الجغرافي، وكان كل جزء يُسمى باسم القبيلة الحاكمة مصحوبًا بمصطلح “الإقطاعية”. ولم تكن هذه الإقطاعيات تخضع لسلطة قبيلة أو إقطاعية أخرى إلا عند سقوط القبيلة الحاكمة.
وكانت القبيلة الأقوى في جغرافية الأحواز تتولى رئاسة الإقطاعيات، وتشكل حكومة تدير الشؤون السياسية، بما في ذلك توجيه السياسة الخارجية وإدارة الموارد الاقتصادية. وقد جعل ميزان القوة العسكرية العامل الحاسم في شرعية الحكم واستمراره. وعند ضعف القبيلة الحاكمة، كانت قبيلة أخرى أكثر قوة تتولى إسقاطها والاستحواذ على السلطة، وهو نمط تكرر تاريخيًا، كما حدث في أواخر فترة الدولة المشعشعية. ساهم هذا التنظيم القبلي القائم على القوة والتفوق العسكري في تأجيج الصراعات الداخلية، إذ فرضته طبيعة التوازنات القبلية والتنافس المستمر على النفوذ والموارد، ما جعل هذه الصراعات سمة بنيوية ملازمة للبنية السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة التاريخية.
لفهم هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأحواز، لا بد من إدراك طبيعة المجتمع الأحوازي ووعيه الخاص، إلى جانب موقفه الحذر من الأفكار الحديثة، التي كانت تتحول إلى مصدر اضطراب إذا طُبقت دون مراعاة خصوصية المجتمع أو دون تدرج.
في هذا الإطار، سعى الأمير خزعل، مثل كثير من الحكّام العرب في تلك الفترة، إلى توحيد الأحواز من جنوبها إلى شمالها، مدركًا التغيرات العالمية بعد سقوط الخلافة العثمانية وتصاعد النفوذ البريطاني في المنطقة. ومن بين خطواته الاستراتيجية سعيه للحصول على اعتراف بريطاني طويل الأمد بحكمه على امارة عربستان، بما يمنحه الشرعية اللازمة لفرض سلطته على القبائل وانها حكم الإقطاعيات، إضافة إلى محاولة استعادة الإمارات العربية المحتلة على الساحل الأحوازي، كما ورد في كتاب أحمد السامرائي “الخليج العربي وعربستان”. غير أن الأمير خزعل ارتكب عدة أخطاء استراتيجية، أبرزها فرض الضرائب على القبائل، الأمر الذي أضعف سلطته وأثار توترات داخلية. ومع ذلك، سرعان ما استدعت الظروف السياسية والعسكرية توحيد الصفوف. ففي عام 1924م، وبعد إدراكه لطموحات رضا بهلوي، قائد الجيش القاجاري، وتحركاته العسكرية نحو حدود الأحواز، دعا الأمير خزعل إلى جمع شمل المشايخ والقبائل، حيث أدركت جميع الأطراف أن الخطر القادم تجاوز الخلافات الداخلية. وهكذا اجتمعت القبائل تحت مظلة واحدة أُطلق عليها «جيش القبائل»، لتعلن دعمها وانضمامها لقوات الأمير خزعل للدفاع عن حدود البلاد، خاصة في منطقة جبال البختيار. استمرت المواجهات العسكرية نحو ثلاثة أشهر، وأسفرت عن انتصار إمارة عربستان، ما اضطر رضا شاه إلى الانسحاب إلى طهران مع قواته المتبقية دون تحقيق أي مكاسب تُذكر.
3 – اللافتة التصحيحية الثالثة:
تحليل سبب انتهاء الاتفاق بين الامارة والقبائل (الإقطاعيات)
هناك جملة من الأسباب التي أدت إلى انهيار التحالف بين حكومة الأمير خزعل والاقطاعيات المتمثلة بالقبائل، وهي نقاط مفصلية في تاريخ الشعب الأحوازي ولا بد من تحليلها بوضوح:
1/3: اغتيال الشيخ عاصي الشرهان
كان الشيخ عاصي الشرهان أحد أبرز قادة جيش القبائل، وقد لعب دورًا محوريًا في التفاف القبائل حول الأمير للدفاع عن الأحواز ضد محاولات الجيش البهلوي. وتمتّع عاصي بشجاعة وحكمة أكسبتاه مكانةً مؤثرة بين القبائل. انتشرت روايات في الشارع الأحوازي، تتهم الأمير خزعل بقتل الشيخ عاصي بالسُم، خاصة بعد بروز نفوذ الأخير داخل المجتمع. لكن السؤال الجوهري هو: ما مصلحة الأمير خزعل في اغتياله؟
لقد خاض أمراء آل جابر طويلًا صراعات مع الإقطاعيات لإخضاعهم بالقوة دون نجاح يُذكر، إلى أن أدرك الأمير خزعل أن الوحدة لا تُبنى بالسيف، ولا بالطبقية، بل بالحكمة واحتواء الآخرين. وأصبح الشيخ عاصي – رغم خلافه السابق مع الأمير – أحد أهم الداعمين له. بل إنه تحوّل إلى قائد رئيسي في الجيش الأحوازي وسند قوي للمشروع الوطني. فلذلك فإن اتهام الأمير بقتله لا ينسجم مع مصلحته، خصوصًا وأن مقتل عاصي أدّى إلى اهتزاز الداخل الأحوازي، وهو ما لا يخدم الأمير بحال من الأحوال.
والراجح أن الروايات التي انتشرت حول مقتله كانت جزءًا من حرب نفسية وإعلامية قادتها بريطانيا ورضا شاه لضرب الوحدة الأحوازية وإعادة إشعال الصراع بين الحكومة و الإقطاعيات. وبالعكس هناك أكثر من دليل يعزز وجود مصلحة للبريطانيين ورضا بهلوي في اغتيال الشيخ عاصي وهي:
–تمهيد الطريق لاحتلال الأحواز: كان وجود عاصي عقبةً كبيرة أمام المشروع البهلوي لإخضاع الإقليم.
–إزالة أحد أبرز قادة المقاومة: فقد كان الشيخ عاصي من أبطال حرب المنيور، وهو من أشد من وقف في وجه النفوذ البريطاني.
–حماية المصالح الاقتصادية البريطانية: وجود شخصية قوية تدعم الأمير خزعل كان يهدد التوازن الذي أرادته بريطانيا في الخليج والأحواز.
–إضعاف الأمير خزعل: التخلص من أهم قواده العسكريين يجعل الأمير أكثر ضعفًا وتبعية لبريطانيا.
–منع نشوء وحدة أحوازية مستقلة: كان نجاح الأمير في توحيد القبائل يشكل خطرًا على مشروع الدولة البهلوية وعلى النفوذ البريطاني.
–خلق انقسام داخلي: نشر الروايات المتضاربة حول مقتل عاصي أدّى إلى إرباك الوعي الشعبي وإضعاف المجتمع الأحوازي.
وبعد تحليل مجمل الروايات، يتبين لنا أن معظم ما نُشر حول مقتل الشيخ عاصي كان دعاية مضللة تهدف لتبرئة الأطراف المستفيدة، أي بريطانيا ورضا شاه، وإلصاق التهمة بالأمير خزعل و بث الفتنة في الشارع الأحوازي.
2/3: زيارة رضا شاه للمحمّرة عام 1921م:
بعد فشل محاولة الاحتلال، زار رضا بهلوي المحمّرة وقدّم اعتذاره للأمير خزعل، ما أثار انقسامًا داخل المجتمع الأحوازي. فبقاء السفير القاجاري في الأراضي الأحوازية بعد ذلك زاد من الشكوك، ورأت بعض القبائل أن الاعتذار مجرد مناورة سياسية.
في ثنايا الزيارة طالبت بعض القبائل باغتنام الفرصة وقتل رضا شاه عند تواجده في الأحواز، لكن الأمير خزعل رفض بشدّة، معتبرًا قتل الضيف خيانة للأعراف العربية والدين، خاصة وأن رضا شاه جاء معلنًا اعتذاره باسمِه وباسم الملك القاجاري.

3/3 نظام الضرائب: زيادة الضرائب إلى 50% على الإقطاعيات
كان الأمير خزعل يعتقد أن تشديد الضرائب على الإقطاعيات سيُضعف مكانة شيوخ الإقطاع ويحدّ من نفوذهم السياسي والاجتماعي، إلا أن هذا التقدير أثبت خطأه. فقد فُرضت هذه الضرائب دون أن تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة، ولم تُرافقها إجراءات تهدف إلى تنمية الإنتاج الزراعي أو تحسين البنية الاقتصادية. بل جاءت في سياق ضغوط مالية وسياسية متزايدة، ما جعلها أقرب إلى إجراء قسري منها إلى سياسة إصلاحية. ونتيجة لذلك، لم يتراجع نفوذ الإقطاعيين كما كان متوقعًا، بل ازداد استياء الفلاحين، وتدهورت القدرة الإنتاجية للأراضي الزراعية، الأمر الذي أضعف القاعدة الاقتصادية والاجتماعية للحكم نفسه.
كما أن عودة الأمير خزعل إلى هذا النظام الضريبي بعد الاتفاق مع رضا شاه تعكس سوء تقدير سياسي واضح؛ إذ أسهمت هذه السياسات في إضعاف الجبهة الداخلية في مرحلة كانت تتطلب تعزيز التماسك الاجتماعي لمواجهة أطماع رضا شاه التوسعية. وبدلًا من أن تعزز هذه الإجراءات من سلطة الأمير خزعل، أدّت إلى تقويض نفوذه و أفقدته دعم فئات أساسية كان من الممكن أن تشكّل سندًا له في مواجهة الضغوط الخارجية (7).
السياسة الخارجية لحكومة الأمير خزعل
لم تكن السياسة الخارجية في الأحواز مرتبطة بالشأن المحلي وعلاقتها بالدولة القاجارية فحسب، بل اتسعت لتشمل العالم العربي بشكل عام. فقد تبنّى الأمير خزعل بن مرداو موقفًا عربيًّا واضحًا، وهو ما تشير إليه المراسلات البريطانية في شركة الهند الشرقية، التي وثّقت حضوره في المشهد الإقليمي, و قد أثار هذا الدور الإقليمي النشط قلق كل من بريطانيا والدولة القاجارية، بالإضافة إلى الدولة العثمانية قبل سقوطها، لما كان يمثّله من إمكانية تشكّل قوة عربية مستقلة.
و قد شهد العالم العربي خلال تلك الفترة تحوّلات سياسية عميقة، تمثلت في انتقاله من مرحلة حكم القبائل الخاضعة للنفوذ العثماني إلى البحث عن نموذج الدولة الحديثة، والسعي إلى توحيد القبائل ضمن إطار وطني واحد، إلى جانب إعادة رسم الحدود الجغرافية للمناطق المختلفة. وفي هذا السياق، قام الأمير خزعل عام 1919 بدور بارز في معالجة النزاعات القائمة بين أسرة آل مبارك في الكويت وآل سعود في نجد، وسعى إلى ترسيم الحدود بينهما بما يرضي الطرفين. كما عمل الأمير على توحيد المواقف بين المشايخ والأمراء العرب تحت رؤية مشتركة وأهداف عليا، رغم اختلافاتهم في بعض القضايا الجانبية، إلا أن هذا التنسيق حافظ على تماسكهم السياسي.
وقد أشارت الوثائق البريطانية إلى مواقف كلٍّ من آل مبارك و آل سعود والأمير خزعل في قضية ضمّ الكويت إلى الدولة السعودية الحديثة. إلا أنّ الرد الأحوازي كان واضحًا في ما يتعلّق بالوساطة بينهم، إذ شدّد على أن العرب لا يطمع بعضهم في أرض بعض، وأن الكويت ستبقى تحت سلطة آل مبارك، ولن تُقبل أي صيغة مغايرة لذلك. كما أكّد الموقف ال سعود و يرون المسألة كما نراها نحن، و هناك اتفاق في الرؤية (8).
من هذا المنطلق يمكن تناول الفكر السياسي الأحوازي بوصفه منظومة حاكمة تمثلها في ذلك الوقت شخصية الأمير خزعل، وتحليل مكوّناتها يساهم في فهم الأحداث التي سبقت التدخل البريطاني، والتي مهدت لاحقاً لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، وظهور ما نعرفها اليوم باسم إيران. وقد واجهت المنظومة الحاكمة في الأحواز سلسلة من التجارب السياسية والتحديات، سواء الداخلية منها أو الخارجية.
4- اللافتة التصحيحية الرابعة:
الاتفاقيات
طموحات الدولة القاجارية والحركات القومية ذات النزعة العنصرية كانت وراء معظم الجهود الدؤبة من الامير خزعل لحثّ كلٍّ من البريطانيين والعثمانيين على الاعتراف بالأحواز كدولة عربية. و بالرغم من ذلك جرى إعداد عدد من الاتفاقيات سابقا بما ينسجم مع مصالح تلك القوى، من غير الرجوع إلى حكومة الامارة في الأحواز، وذلك على الرغم من أنّ هذه الأطراف لم تكن تملك أيّ وجود فعلي على أرض الأحواز قبل عام 1925م. ومن هنا تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بمصداقية اتفاقيتي أرضروم الأولى 1823 م والثانية 1847م، اللتين أبرمتا في سياقٍ كانت فيه ملامح الصراع واضحة بين الحكومة في الأحواز، بقيادة آل كعب، وبين العثمانيين تارةً، والقاجاريين تارة أخرى، إضافة إلى التدخلات البريطانية المتكررة، لكننا نرى هناك الكثير من الاتفاقيات الاخرى التي تدل على سيادة الأحواز(عربستان) في زمن الامارة الكعبية, لكن يتم تجاهلها باستمرار من قبل الكاتبين والباحثين عن فترة الامارة الكعبية.
على سبيل المثال:
–اتفاقية ناصر الدين شاه مع جابر بن مرداو عام 1857م: الاعتراف الرسمي بحكم الأمير جابر بن مرداو حاكماً مستقلاً على إمارة الأحواز (عربستان)، وتمتعه بالسلطة الكاملة على أراضيه وشؤونه الداخلية. بحسب ما جاء في هذه الاتفاقية إدارة الجمارك الأحوازية تبقى بيد السلطات المحلية (لعربستان) مع وجود ممثل للدولة القاجارية يشارك في الإشراف لأغراض تنظيمية وأمنية، وبما يضمن حماية حكم الأمير جابر دون المساس بسيادته الفعلية. بقاء القنصل القاجاري في المحمرة بصفة ممثل دبلوماسي، تقتصر مهامه على إدارة الشؤون الخاصة بالدولة القاجارية ومصالح رعاياها، دون التدخل في إدارة الأحواز. الدفاع المشترك بين الطرفين، بحيث يلتزم كل منهما بالدفاع عن الآخر في حال تعرّض لأي هجوم خارجي، بما يعكس طبيعة العلاقة التحالفية في مواجهة القوى المعادية.
إنّ النظر في هذه الاتفاقية يبيّن بوضوح أنّ إمارة الأحواز قد قبلت بالتنازل عن جزء محدود من مواردها الاقتصادية بهدف حماية سلطتها الداخلية وترسيخ استقلالها السياسي في مرحلة كانت تتسم بتصاعد الضغوط من كلٍّ من الدولة العثمانية والدولة القاجارية. وقد أدركت الإمارة، في ذلك الظرف التاريخي الحرج، أنّ الحفاظ على كيانها العربي المستقل يتطلّب مقايضة مدروسة؛ إذ لم يكن بالإمكان مواجهة القوى الإقليمية الكبرى دون تقديم بعض الامتيازات الاقتصادية الرمزية.
ولذلك جاء السماح بمشاركة ممثل قاجاري في إدارة الجمارك بوصفه تنازلاً محدوداً لا يمسّ السيادة الفعلية، لكنه يتيح في المقابل اعترافاً كاملاً باستقلال الأحواز الداخلي والخارجي تحت حكم الأمير جابر بن مرداو. ومن ثمّ يمكن القول إن هذا الترتيب كان ثمناً سياسياً محسوباً ضمن إستراتيجية أوسع هدفت إلى تحصين الكيان العربي في الأحواز (عربستان)، و منع التدخل العسكري أو الإداري القاجاري و العثماني (10).
–اتفاقية عام 1909 مع شركة دارسي البريطانية لاستئجار موقع مصفاة النفط في عبادان مقابل 650 جنيهًا إسترلينيًا سنويًا. (الملف 1421 لعام 1909 الجزء الثالث).
وقد أشار القائم بأعمال القنصلية البريطانية، الملازم أرنولد تالبوت ويلسون، في كتابه علاقة الحكومة البريطانية بقبائل وشيوخ عربستان، إلى أن الأراضي التي اشترتها أو استأجرتها الحكومة البريطانية لمد خطوط الأنابيب أو لبناء مقرات دائرة التلغراف تُعدّ أراضي تابعة للأمير خزعل. وبيّن ويلسون صراحةً أن ملكية هذه الأراضي تعود إلى الأمير بعد انتهاء مدة العقود، وأنه لا يحق للحكومة البريطانية المطالبة بها وفقاً للأعراف والاتفاقات السارية، باعتبارها جزءاً من أراضي إقليم عربستان الخاضعة لحكم الأمير السير خزعل بن جابر (11).
–اتفاقية بين بريطانيا الأمير خزعل عام 1914
يذكر السير هرونك أن بريطانيا كانت قد أبرمت اتفاقًا مع الأمير خزعل عام 1902م، تعهّدت بموجبه بحماية الإمارة من أي اعتداء خارجي. وقد أُعيد التأكيد على هذا الالتزام في اتفاقية لاحقة عُقدت عام 1914م، حيث شددت الحكومة البريطانية فيها على ضمان أمن الإمارة واستمرارية الحكم القائم. كما أكدت الاتفاقية بصورة صريحة أن حكم الأمير خزعل كان حكمًا مستقلًا، ويتمتع بالسيادة الذاتية، وأن هذا الاستقلال قائم ومستمر، ولا يخضع لأي تبعية سياسية أو قانونية لأي طرف آخر.
يمكن وفقًا للسياق البحثي، الاستدلال من هذه الاتفاقية على اعتراف بريطاني واضح بالطابع المستقل لحكم الأمير خزعل في تلك المرحلة التاريخية، وهو ما يحمل دلالات سياسية وقانونية مهمة في فهم طبيعة العلاقات البريطانية في المنطقة قبيل الحرب العالمية الأولى (12).
–اتفاقية عام 1915 بين الأمير خزعل والحكومة البريطانية. والتي منحت بريطانيا امتياز استخراج النفط في أراضي الأحواز (عربستان) لمدة 60 عامًا.
تُظهر هذه الاتفاقيات أن الأمير خزعل كان الطرف الرئيسي في التفاوض، وهو ما يعكس اعتراف القوى الاستعمارية (بريطانيا) بسيادة السياسية الأمير خزعل بن جابر على أراضي الأحواز، و يبطل ما تناقلته المصادر الإيرانية بعد الاحتلال حول الاتفاقيات النفطية التي دائما ما روجت على أنها كانت اتفاقيات بين حكومتين، و هما القاجارية والبريطانية (13).
–رسالة أحمد شاه اتفاقية الصلح
-بعث أحمد محمد علي قاجار برسالة إلى الأمير خزعل في 25 أيار 1924، جاء فيها:
“بناءً على الأخوّة الإسلامية ودستور القرآن الكريم الذي يحرم قتال المسلمين، نعاهدكم بالمصالحة وتصفية الخلافات وعدم الاعتداء…” تُعد هذه الرسالة اعترافًا ضمنيًا بهزيمة القوات القاجارية، وإقرارًا بسيادة الإمارة العربية على أراضيها. وقد أُشير إلى تلك الإتفاقية في عدد من المصادر، من بينها كتاب القواسم والخليج العربي وعربستان للكاتب أحمد السامرائي، حيث تناولت الاتفاقية جملة من البنود، كان أبرزها مبدأ الدفاع المشترك. ويُعدّ هذا البند تحديداً من النقاط المفصلية التي تستوقف الباحث؛ إذ يمثّل اعترافاً صريحاً بسيادة إمارة الشمال تحت قيادة الأمير خزعل، ويؤكد مكانتها السياسية في تلك المرحلة. كما أن مضمون الاتفاقية وما ورد في مصادر متعددة يبرهن بوضوح أنّ الأمير خزعل لم يكن كما حاول بعض الباحثين البريطانيين والكتّاب ذوي النزعة الآرية في إيران تصويره شخصاً جاهلاً أو سكيراً أو غارقاً في اللهو، بل كان الامير يتمتع بصلابة سياسية، وخبرة عسكرية، وحضور اقتصادي مؤثر لا تابعاً مهمشاً كما أراد خصومه أن يظهروه (14).
5- اللافتة التصحيحية الخامسة:
طبيعة العلاقة بين الإمارة الكعبية والنظام القاجاري
في ظل الصراع بين الإمبراطوريتين العثمانية و القاجارية، حرص الأمير خزعل بن جابر على عقد اتفاقيات تحفظ التوازن السياسي وتمنع التدخل العسكري في شؤون إمارة عربستان (الأحواز). لم تكن تلك الاتفاقيات اعترافًا بالتبعية، بل وسيلة لضمان الحياد الاستراتيجي وحماية الإمارة من الأطماع الخارجية. غير أنّ طبيعة هذه العلاقة قد تعرّضت للتزييف والتحريف في عدد من الكتابات، ولا سيما تلك التي تأثرت بخطابات سياسية وأمنية لاحقة، حيث جرى توظيفها بما يخدم السردية الرسمية لإيران الحديثة النشاء، ويسهم في تكريس تصور جغرافي سياسي معيّن للدولة. وقد أسهم هذا الطرح في ترسيخ حالة من الشك داخل الوعي العربي، وأدى إلى قبول عدد من الأطروحات المتداولة دون إخضاعها لمنهج البحث التاريخي القائم على النقد والتحليل والمقارنة.
شهدت الفترة الكعبية تحولات سياسية معقّدة، تباينت فيها موازين القوى وتداخلت فيها المصالح الإقليمية. ففي بعض المراحل، امتد نفوذ النظام القاجاري إلى أرض الأحواز، مستفيدًا من حالة الضعف والاضطراب التي كانت تعيشها الدولة الأحوازية آنذاك. وقد وثّقت التقارير البريطانية تلك المراحل بوضوح، سواء اتفقنا مع قراءتها أم اختلفنا، إلا أنها تعكس واقعًا تاريخيًا لا يمكن تجاهله.
بعد وصول الأمير خزعل بن جابر بن مرداو إلى الحكم عام 1898م، بدأت الأوضاع في الأحواز تستعيد توازنها تدريجيًا، وعادت الأمور إلى مسارها الطبيعي. فقد شرع الأمير منذ تولّيه السلطة في بناء شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، معتمدًا على رؤية سياسية واضحة هدفت إلى إعادة بسط السيطرة وبمرور الوقت، نجح في استعادة نفوذه على الأحواز خطوةً بعد أخرى، إلى أن فرض سيطرته الكاملة على عربستان.
وفي هذا السياق، انتهج الأمير خزعل سياسة مختلفة في تعامله مع القاجاريين، حيث أسّس علاقته معهم على مبدأ المنفعة المتبادلة لا على التبعية، وقد أولى أهمية كبيرة لتوثيق هذه العلاقة عبر اتفاقيات مكتوبة، حرص من خلالها على تحديد طبيعة التعاون وضبط حدود النفوذ. وقد تناولت هذه الدراسة جزءًا كبيرًا من تلك الاتفاقيات، مبيّنة أسلوب الأمير خزعل في إدارة شؤون الحكم. ورغم أن بعض السياسات فُرضت على الشيخ خزعل في فترات معيّنة نتيجة للظروف الإقليمية والدولية، فإن ذلك لا يمكن تفسيره على أنه فقدان للاستقلال أو خضوع للتبعية، بل يعكس في جوهره قدرة الأمير خزعل على إدارة التوازنات السياسية بمرونة ودبلوماسية، بما يخدم بقاء الكيان الأحوازي وحماية مصالحه في مرحلة شديدة التعقيد.
و قد ذكر أمير الكويت أحمد جابر الصباح أن الأمير خزعل كان حاكما مستقلا في بلاده و كانت لديه نفوذ في العالم العربي (16). وكذلك قد أكّد حسن تقي زاده، رئيس مجلس الشورى الإيراني، في مذكّراته أنّ الأحواز (عربستان) كانت مملكة مستقلة استقلالًا تامًا داخل المجال الجغرافي لبلاد فارس، وأن حدودها كانت معلومة ومُعترفًا بها لدى النظام القاجاري، ولم تكن تابعة له إداريًا أو سياسيًا. ونظرا لما ذُكر آنفا يمكن ملاحظة أن تزوير تاريخ العلاقة بين الدولة القاجارية وامارة عربستان بلغ ذروته في السرديات الرسمية اللاحقة، إذ لا يتطابق هذا الطرح مع ما ورد في شهادات ووثائق عدد من رجال الدولة القاجارية أنفسهم في تلك المرحلة، والتي تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين قامت على المصلحة النفعية، لا على الضم أو التبعية(15).
الصراعات مع القبائل الغير عربية في بداية حكم الأمير خزعل
عندما تسلّم الأمير خزعل مقاليد السلطة، كانت الحدود الأحوازية تشهد صراعات خارجية متكررة، إلى جانب محاولات قامت بها بعض عشائر البختياريين للتوسع واحتلال أجزاء من الأراضي الأحوازية. وإزاء هذه التهديدات، أمر الأمير خزعل أحد قيادات قواته العسكرية، ويدعى منصور، بالتوجه إلى المناطق الحدودية لصدّ تلك المحاولات ووضع حدٍ لها. وقد نفّذ منصور أوامر الأمير بحزم، واشتبك مع المهاجمين وأوقع فيهم خسائر كبيرة، ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم، في حين اضطر من بقي على قيد الحياة إلى الانسحاب والعودة من حيث جاؤوا. وأسهمت هذه المواجهة في تثبيت نفوذ الأمير خزعل على الحدود الأحوازية، وأظهرت قدرته على فرض الأمن وحماية الأراضي التابعة لإمارته في مواجهة أي محاولات اعتداء خارجية (17).
6- اللافتة التصحيحية السادسة:
أسباب تخلي الحكومة البريطانية عن الأمير خزعل و انتهاء حكم آخر أمراء امارة الاحواز (عربستان)
اتّسمت العلاقة بين الأمير خزعل وبريطانيا بطابعٍ نفعي واضح، يقوم على المنفعة أكثر مما يقوم على تحالف سياسي راسخ. فقد نظرت بريطانيا إلى الشيخ خزعل بوصفه حليفاً محلياً مفيداً يملك القدرة على تأمين مجموعة من المصالح الاستراتيجية الحيوية لها؛ إذ كان يتحكم بموقعٍ بالغ الأهمية على شط العرب، ويشرف على طرق الملاحة والتجارة النهرية، إضافة إلى تأثيره الفعلي في القبائل العربية سوى في الامارة وخارجها. وما كانت للامير خزعل من نقاط قوة ساهمت في تحويله لطرفاً مؤثراً في المعادلة الإقليمية، وأن يشكّل حلقة وسيطة تخدم السياسة البريطانية في مرحلة تتزايد فيها المنافسة الدولية على الخليج. غير أنّ بريطانيا، رغم استفادتها من دوره، لم تنظر إليه بوصفه شريكاً استراتيجياً دائماً؛ فقد بقي في نظرها قائداً محلياً، قابلًا للاستبدال متى ما استوجبت الظروف ذلك. وارتبط هذا الموقف البريطاني بغياب الثقة في قدرته على ترسيخ كيان سياسي مستقر ذي طابع “إماراتي” أو “شبه إمبراطوري. ومن وجهة نظر بريطانيا أن النفوذ الشخصي أو القبلي لا يمكن أن يوفّر استقراراً طويل الأمد مقارنةً بدولة مركزية حديثة. لذلك حافظت بريطانيا على علاقة ذات طبيعة مرنة وقابلة للتراجع في أي وقت، ما جعل الصداقة مع الشيخ خزعل علاقة مشروطة بالظروف ومتغيرة بحجم الفائدة التي يقدّمها، وليست التزاماً سياسياً ثابتاً يرتقى إلى مستوى التحالف الرسمي.
الاتحاد العربي
لم يكن الأمير خزعل بمنأى عن الشعور القومي العربي الذي بدأ يتصاعد مع انهيار النفوذ العثماني. فقد حرص على إظهار هويته العربية في خطاباته ومراسلاته، واستقبل شخصيات عربية قومية في المحمرة، ونسّق مع زعامات عربية كانت ترى في عربستان امتداداً طبيعياً للعالم العربي, قد أخذ هذا الشعور القومي شكل مشروع سياسي وحدوي، في إطار بناء كيان قومي عربي منظّم. لقد دقّ هذا التوجّه ناقوس الخطر لدى بريطانيا، التي رأت في أي تقارب عربي منظم قيام كيان عربي قوي و هذا يؤدي لاحتمالية تقليص دورها في إدارة شؤون الملاحة والتجارة، وتراجع قدرتها على التحكم بطرق النفط التي بدأت تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة. كما خشيت بريطانيا من أن يشجع ذلك المشروع أطرافاً عربية أخرى على المطالبة باستقلال أوسع أو تشكيل تحالفات تعرقل سياستها التقليدية القائمة على التجزئة وخلق مراكز قوة محلية متفرقة. وبذلك أصبح التوجّه القومي للأمير خزعل عاملاً مركزياً في تغيير الموقف البريطاني منه، إذ بدأت بريطاني بالبحث عن بدائل أكثر تماسكا. وعلى ذلك قد رأت في رضا شاه بعبعا في وجه الأمير خزعل اولا، ومن ثم في وجه العراق و منطقة الخليج العربي عموما، و هذا كان يعني عمليا انتهاء حقبة العلاقة المصلحية بين بريطانيا و الأمير خزعل.
الوفد الفلسطيني بقيادة الحسيني
تُظهر الوثائق التاريخية (16) أن زيارة الوفد الفلسطيني برئاسة الحاج أمين الحسيني إلى حكومة الأحواز شكّلت نقطة تحول حسّاسة في علاقات الأحواز مع بريطانيا. فقد كان الحسيني قد أقام في فترة سابقة علاقات وثيقة مع ألمانيا النازية وأسّس تشكيلات عسكرية موالية لها، الأمر الذي أثار شكوك القوى الاستعمارية الأوروبية. وعلى الرغم من حصول الوفد على دعم مالي تحت ذريعة ترميم مرافق دينية في القدس، تشير الأدلة إلى أنّ تلك الموارد استُخدمت في دعم نشاطات سياسية وعسكرية موجهة ضد اليهود، وفي الترويج لخطابات عدائية ذات طابع نازي، وهو ما اعتُبر تهديداً مباشراً للمصالح البريطانية في المنطقة. وعلى ما مر نشأت إشكالية بحثية جوهرية وهي: هل كان الأمير الأحوازي على علم مسبق بخطط الحسيني قبل لقائه به؟ وإذا صحّ ذلك، فكيف يمكن تفسير دعم حكومة الأحواز للوفد الفلسطيني رغم تحالفها الوثيق مع بريطانيا؟ إنّ الإجابة عن هذا التساؤل يعدّ مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة التوازنات السياسية المعقدة في الشرق الأوسط خلال تلك المرحلة الحرجة من التاريخ.
التهديد الروسي
كان التهديد الروسي ومساعيه المتواصلة للوصول إلى المياه الدافئة أحد الدوافع الأساسية التي دفعت بريطانيا إلى ترسيخ نفوذها في جغرافية فارس. فقد سعت الإمبراطورية البريطانية—خلال ذروة التنافس الاستعماري في القرن التاسع عشر—إلى إقامة نظام سياسي موالٍ لها، يضمن حماية طرق التجارة البحرية ويحافظ على التوازن مع التوسع الروسي في آسيا الوسطى. هذا التدخل البريطاني ساهم في إعادة تشكيل البنية السياسية في فارس، وأدى مع مرور الزمن إلى إضعاف سلطة الأقاليم منها إقليم عربستان ودمجها في إطار دولة مركزية أكثر ارتباطًا بالمصالح البريطانية. ومع بدايات القرن العشرين، دخلت المنطقة مرحلة جديدة اتسمت بإعادة رسم الخريطة وبناء هوية سياسية حديثة، قامت في جزء منها على تصورات قومية مركزية استُخدمت لترسيخ النفوذ وإحكام السيطرة على التنوع الإقليمي. وهكذا أُعيد تشكيل فارس ضمن إطار قومي حديث، لكنه كان يقوم على تصوّر أحادي للهوية وعلى ارتباط وثيق بالمصالح البريطانية في تلك المرحلة, و هذه التحوّلات لم تكن نتيجة الصراعات الداخلية بين الاقاليم فحسب، بل جاءت ضمن سياق عالمي أوسع أعاد رسم خرائط الشرق الأوسط وآسيا وفق متطلبات القوى الاستعمارية في ذلك العصر.
7- اللافتة التصحيحية السابعة:
القاب الأمير خزعل
شهدت المنطقة خلال تلك المرحلة قيام كلٍّ من الدول العثمانية والبريطانية والقاجارية بمنح عدد من الألقاب والتشريفات الرسمية لملوك وأمراء في المناطق المجاورة، وهو ما يعكس عمق العلاقات الدبلوماسية والتفاعلات السياسية بين هذه القوى الإقليمية والدولية. ولا يدلّ منح هذه الألقاب بالضرورة على تبعية سياسية أو انتماء سيادي للجهات المانحة، بقدر ما يمثّل اعترافًا بالمكانة السياسية والدور الإقليمي الذي كان يتمتع به أولئك الحكّام.
ويُعدّ الأمير خزعل بن جابر من أبرز الشخصيات التي حازت على عدد كبير من هذه التشريفات، ولا سيّما من الحكومتين القاجارية والبريطانية، وذلك بحكم علاقاته الوثيقة بهما وتعاملاته السياسية والاقتصادية المستمرة خلال فترة حكمه لإقليم عربستان (الأحواز). وقد جاءت هذه الألقاب لتعبّر عن موقعه السياسي المتقدّم ودوره المؤثر في التوازنات الإقليمية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وتشير عدة مصادر تاريخية، وفي مقدّمتها كتاب رياض الخزعلية، إلى تقديم الأمير خزعل بألقاب رسمية شرفية، من بينها: «صاحب الدولة الشيخ خزعل بن جابر السردار الأعظم الأرفع»، وهي ألقاب منحتها له الدولة القاجارية، وتعكس مستوى الاعتراف الرسمي بمكانته السياسية (18).
وفي السياق ذاته، وصف الكاتب المصري عبد المسيح الأنطاكي الأمير خزعل في مجلة العمران بـ«ملك ملوك العرب»، في دلالة واضحة على النفوذ الواسع الذي كان يتمتع به الأمير في محيطه العربي والإقليمي (19). كما يذكر الرائد البريطاني كوكس أن الحكومة البريطانية قلّدت الأمير خزعل وسام «الفارس القائد»، بوصفه عربون صداقة وتقدير لعلاقته الوثيقة بالحكومة البريطانية، ولا سيّما في إطار التعاون المتعلق بحماية المصالح الدولية في الموانئ الأحوازية. وقد أكدت الحكومة البريطانية، في هذا السياق، على اعتبار الأحواز أرضًا مستقلة غير خاضعة للسيادة القاجارية، ولا لأي نظام قد يخلفها لاحقًا، وهو ما يعكس طبيعة المقاربة البريطانية للأحواز في تلك المرحلة (20).
8- اللافتة التصحيحية الثامنة:
مصير الأمير خزعل بن جابر
الرواية الفرنسية
يؤكد المؤرخ الفرنسي جان جاك بيروني أن النظام الإيراني أعدم الأمير الشيخ خزعل الكعبي في 22 مايو 1925، خلافا لما تروج له الرواية الإيرانية التي تزعم أن الأمير خزعل “تنازل طوعًا” عن حكم الأحواز لـ رضا شاه البهلوي وقََبِل بسلطته و سكن في أحد القصور في طهران حتى يوم وفاته عام 1936م، فهي رواية تتناقض مع العقل والمنطق، إذ إنّ قراءة سيرته الشخصية والسياسية تُظهر أنّه كان رجلًا ذا نفوذ واسع ورؤية سياسية مستقلة، ومن المستحيل أن يقبل لنفسه فضلًا عن شعبه أن يخضع لسلطة نظامٍ عنصري ذي نزعة قومية توسعية يسعى لطمس الهوية العربية في الإقليم (21).
تشير إحدى الوثائق الصادرة عام 1929م إلى هروب الأمير خزعل وبداية تشكّل انتفاضة ضد الاحتلال القاجاري. وجاء في البرقية أن تحقيقات أحد الضباط أظهرت انتشار حديث واسع بين سكان الحويزة حول احتمال اندلاع ثورة وشيكة ضد الحكومة الفارسية. كما أشارت التقارير إلى أن القبائل بدأت بتسليح نفسها، وأن بعض العائلات من قبيلة بني لام وصلت إلى الحدود وانضمت إلى القسم الثاني من القبيلة هناك (22). غير أن هذه الوثيقة كانت في حقيقتها وثيقةً مخابراتية تتناول الوضع الأمني والسياسي في الأحواز، ولم تتضمن أي تأكيد رسمي بشأن مقتل الأمير خزعل أو بقائه على قيد الحياة، بل ركزت أساسًا على محاولات لإثارة انتفاضة ضد النظام القاجاري، استُخدمت فيها إشاعة جرى ترويجها عمدًا حول هروب الأمير خزعل من السجن. وقد أسفرت هذه الإشاعة عن تبادل مراسلات بين مسؤول فرع البصرة والكابتن “إ. و. فليتشر”، نائب القنصل البريطاني في المحمرة. إلا أن بعض الباحثين وقعوا في خطأ منهجي عند ترجمة هذه الوثيقة أو تفسيرها، إذ جرى التعامل معها على أنها تأكيد للرواية الإيرانية القائلة بأن الأمير خزعل كان لا يزال على قيد الحياة ومحتجزًا في السجن البهلوي. والحقيقة أن مضمون الوثيقة لا يثبت ذلك ولا ينفيه، ولا يقدم أي دليل قاطع حول مصير الأمير خزعل، وإنما يعكس قراءة استخباراتية للوضع الميداني ومحاولات استغلال الإشاعات بوصفها أداة لتحريك الشارع الأحوازي.
الرواية البريطانية:
تشير الرواية البريطانية إلى أنه، وفقًا للبرقية رقم 144 الصادرة بتاريخ 27 مايو/أيار 1936 من السيد بتلر إلى السيد أيدن، فإن الأمير خزعل قد توفي ما بين 24 و25 مايو/أيار 1936 في منزله بمدينة طهران، ودُفن في مقبرة الإمام زاده عبد الله. وتذكر البرقية أن آخر من التقى بالأمير ورآه على قيد الحياة كان السكرتير الشرقي السيد تروت، الذي زاره في منزله بتاريخ 22 مايو/أيار، وأفاد آنذاك بأن الأمير كان في حالة صحية جيدة. تُعدّ هذه الرواية الأقرب إلى الصحة من حيث إنها كُتبت في إطار التوثيق الرسمي وأكّدت وفاة الأمير في تلك الفترة، كما أنها أُرسلت من قبل مندوبين بريطانيين معنيين برصد الأحداث. غير أنّه من المعلوم تاريخيًا أن بريطانيا كانت من الدول التي تورّطت في تزوير أو إعادة صياغة جوانب من تاريخنا المعاصر، ولا سيما خلال فترة حكم الأمير خزعل، إذ أسهمت سياساتها في طمس حقيقة وجود كيان عربي مستقل في الأحواز، كما كان لها دور مباشر في التمهيد لاحتلال الإقليم. وبناءً على ذلك، فإن كل ما تطرحه الروايات البريطانية يظل قابلًا للشك والنقد التاريخي، ما لم يُدعَّم بمصادر مستقلة أخرى أو تُقارَن به روايات مغايرة تنفي أو تؤكد ما ورد فيها (23).
الخاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن إمارة شمال الأحواز (عربستان) في عهد الأمير خزعل بن جابر مثّلت كيانًا سياسيًا عربيًا قائمًا بذاته، يمتلك مقومات الحكم والسيادة الفعلية، وإنْ العمل ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد فرضت عليه سياسات توازن وحذر في علاقاته الخارجية. وقد أظهرت القراءة التحليلية للوثائق والاتفاقيات والمراسلات، ولا سيما البريطانية منها، أن العلاقة بين الأمير خزعل والنظام القاجاري لم تكن علاقة تبعية سياسية أو إدارية، بل قامت على أساس المصالح المتبادلة، والاعتراف الضمني بخصوصية الإقليم واستقلاله الداخلي والخارجي في فترات طويلة من حكمه.
وبيّنت الدراسة أن نظام الحكم في الأحواز اتسم بطابع إقطاعي قبلي، فرضته طبيعة المرحلة التاريخية وبنية المجتمع، ولم يكن ناتجًا عن غياب الدولة أو ضعفها كما صوّرته بعض السرديات اللاحقة. وعلى العكس، فقد أظهر الأمير خزعل قدرة ملحوظة على إدارة هذا التعدد القبلي، والسعي إلى توحيد الإقليم سياسيًا وعسكريًا، رغم ما شاب تجربته من أخطاء في إدارة الضرائب والعلاقة مع الإقطاعيات، وهي أخطاء أسهمت في إضعاف الجبهة الداخلية في لحظة تاريخية حاسمة.
كما أثبتت الدراسة أن الصراعات الداخلية في الأحواز لم تكن السبب الجوهري في سقوط الإمارة، بل استُخدمت لاحقًا كذريعة لتبرير الاحتلال وطمس الكيان العربي القائم. إذ إن العامل الحاسم تمثل في التحولات الدولية والإقليمية، ولا سيما تغيّر الموقف البريطاني، وصعود المشروع البهلوي المدعوم خارجيًا، والخوف من تشكّل كيان عربي مستقل ذي نزعة وحدوية في منطقة غنية بالموارد ومفصلية استراتيجيا.
وأظهرت الدراسة كذلك أن السياسات الإيرانية اللاحقة للاحتلال لم تكتف بإسقاط الحكم العربي، بل عملت بصورة منهجية على إعادة كتابة التاريخ، وتزوير الوثائق، وتكريس سردية رسمية تنفي الوجود السياسي العربي في الأحواز، وهو ما انعكس سلبًا على الوعي الجمعي الأحوازي، وأضعف محاولات بناء سردية تاريخية ذاتية قائمة على الأدلة.
وفيما يتعلق بمصير الأمير خزعل بن جابر، فقد تبيّن أن الروايات المتداولة حول نهايته تعكس بدورها حجم التلاعب السياسي والإعلامي بالتاريخ، إذ لا يمكن التعامل مع أي رواية سواء الإيرانية أو البريطانية بوصفها حقيقة نهائية دون إخضاعها للنقد والمقارنة بمصادر مستقلة متعددة. وهو ما يؤكد الحاجة إلى إعادة فتح هذا الملف ضمن مقاربة علمية صارمة.
وبناءً على ما سبق، تؤكد هذه الدراسة أن إعادة قراءة تاريخ الأحواز، ولا سيما في فترة الحكم الكعبي، ليست مجرد مسعى أكاديمي، بل ضرورة معرفية وسياسية لحماية الهوية العربية الأحوازية من التزييف، واستعادة الوعي التاريخي بوصفه أحد أهم أدوات الصمود الثقافي والسياسي. كما توصي الدراسة بضرورة توسيع نطاق البحث في الأرشيفات الدولية، وتشجيع الدراسات المقارنة، وتحرير الكتابة التاريخية من هيمنة السرديات الرسمية، وصولًا إلى بناء تاريخ أحوازي موثّق، موضوعي، ومنسجم مع الحقائق والشواهد التاريخية.
وليد جمعة الاحوازي، باحث وكاتب في معهد الحوار للأبحاث والدراسات
المصادر:
(1) المكتبة قطر الرقمية ملف عربستان الأمير خزعل من ملفات الشركة الهندية.
(2) كتاب مقدمة ابن خلدون قسم الجغرافية. و كتاب نزهة المشتاق قسم جغرافية فارس.
(3) وثيقة من الحكومة الإيرانية للتقسيم الجغرافي واسم المحافظات قبل تغيرها وقد نشرت على نطاق واسع عن طريق الوثائق البريطانية.
(4) كتاب التوراة الطبعة القديمة.
(5) البروفسور دانيال باس المختص في حضارة عيلام, جامعة سيدني و قد كتب الكثير من البحوث في هذا الشأن و منها عيلام في عيون داريوس.
(6) صورة من ملفات الشركة الهندية في سنة 1924م، و حضور رضا شاه قائد القوات القاجارية لمدينة المحمرة بأمر من أحمد محمد رضا قاجار.
(7) المصدر:كتاب الاحتلال الايراني لامارة الأحواز للكاتبة الدكتورة في التاريخ الحديث ابتهال عبد الحميد شامخ).
(8) الوثائق البريطانية و قد تناولها الكاتب و الباحث الأحوازي حامد الكناني في مركز الدراسات.
(9) كتاب “شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز” الكاتب خير الدين الزركلي.
(10) اتفاقية ناصر الدين شاه مع جابر بن مرداو عام 1857م.
(11) اتفاقية عام 1909 مع شركة دارسي البريطانية لاستئجار موقع مصفاة النفط في عبادان من الوثائق البريطانية بمكتبة قطر الرقمية.
(12) اتفاقية بين الأمير خزعل و الحكومة البريطانية عام 1914، مكتبة قطر الرقمية قسم وثائق عربستان.
(13)اتفاقية عام 1915 بين الأمير خزعل والحكومة البريطانية، منحت بموجبها بريطانيا امتياز استخراج النفط في أراضي عربستان لمدة 60 عامًا.
(14) الرسالة القاجارية بعد المعركة عام 1924م: في كتاب القواسم و الخليج العربي و عربستان للكاتب أحمد السامرائي.
(15) حسن تقي زاده، رئيس مجلس الشورى الإيراني، كتاب زندكي طوفاني حسن تقي زاده.
(16) الوثائق البريطانية، مركز الدراسات عربستان الاحواز.
(17) كتاب الدرر الحسان في إمارة عربستان للكاتب عبد المسيح الأنطاكي الصفحة 35.
(18) كتاب رياض الخزعلية.
(19)الكاتب المصري عبد المسيح الأنطاكي، كتاب الدرر الحسان في إمارة عربستان.
(20) القائم بأعمال القنصل في عربستان، آرنولد تالبوت ويلسون، كتاب ملخص علاقة البريطانية بقبائل و شيوخ عربستان.
(21) من كتاب القواسم و الخليج العربي وعربستان للكاتب احمد السامرائي.
(22) مركز دراسات عربستان الأحواز- حامد الكناني (أن الباحث و الكاتب حامد الكناني ككاتب احوازي قام بترجمة الوثيقة و أدخلها في سياقها الصحيح).
(23) الكاتب حامد الكناني: كتاب الأحواز بين الاستقلال والحاضر المفروض. يحمل الكتاب الكثير من الوثائق البريطانية التي تم ترجمتها من قبل الكاتب حامد الكناني.
