في هذا المقال يُقصد بالتيار الوطني-الديني تلك الحركات الاجتماعية والسياسية التي ظهرت بعد تلاقي العالم الإسلامي مع ظاهرة الدولة-الأمة، وجاء هذا الطرح كمحاولة للخروج من التناقض الذي قيل إنه قائم بين القومية والدين؛ وفي إطار الإجابة عن سؤال: أيهما أولى بالتقديم؟ وإلى أي حد؟
فعلى سبيل المثال: هل العراقي عربي وعراقي أولًا ومن ثم مسلم؟ أم أنه مسلم أولًا ثم عربي وعراقي؟ وكذلك الفرد الأحوازي: هل هو عربي وأحوازي أولًا، أم مسلم بالدرجة الأولى ثم عربي؟ وقد جاء الاتجاه الوطني-الديني كإحدى الإجابات على هذا السؤال، فرأت أن الفكاك من هذا التناقض يكمن في المزج بين البُعدين الوطني والديني.
وعلى ما يبدو أن تصاعد الخطاب القومي العربي كان من جملة أهم ما دفع على ظهور التيار الوطني – الإسلامي؛ خاصة أن الحراك القومي العربي في تلك المرحلة كان قد اقترب في كثير من البلدان العربية من الفكر اليساري، حتى وصل في بعض الأحيان إلى حد التحالف معه، وحزب البعث العربي هو ومن أبرز الأمثلة على ذلك.
وأما في الأحواز يعود أول ظهور للفكر الوطني-الديني إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي، ففي تلك الفترة كان أغلب مناضلي الأحواز متأثرون بالتيار القومي العربي؛ غير أن هذا الخطاب كان ضمنيًا أو في بعض الأحيان صراحة يدخل في صدام مع الدين عموما والإسلام خصوصا، وبهذا أصبح الفرد العربي المتدين أمام مفترق طرق بين الوطن والدين؛ فجاء الإتجاه الوطني-الإسلامي في تلك الفترة كمخرج من هذا التعارض، وكانت من أبرز تجلياته “رابطة الشباب الجعفرية لإحياء الشعائر الدينية”، بإدارة هاشم النزاري، في مدينة المحمرة.
كان هاشم النزاري (أبو فتّاح) شخصية معروفة في مدينة المحمرة، وأديبًا وشاعرًا، ومثقفًا واسع الاطلاع، عُرف بين أهالي المحمرة وعبادان بحسن خلقه ومكانته العلمية. ولادة هاشم كانت في منطقة كوت الشيخ، ثم انتقل مع أسرته إلى مساكن شركة النفط في عبادان. وُلد هاشم لأبوين عربيين؛ وكانت والدته السيدة مسالك من النساء المعروفات في المحمرة وعبادان، إذ كانت ذات مكانة اجتماعية بارزة، ومتقنة للغة العربية، فكانت تُقيم مجالس العزاء النسائية في بيوت كبار العرب في المدينتين.
أكمل هاشم المرحلة الثانوية في العراق، ثم حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والإدارة من جامعة البصرة، بعد ذلك عاد للمحمرة وفيها تعلّم اللغة الإنجليزية على يد زوجة الشيخ كاسب (چاسب) بن الشيخ خزعل، وهي امرأة إنجليزية الأصل كانت تُعلّم الشباب اللغة الإنجليزية،
وبفضل تحصيله العلمي وإتقانه العربية والإنجليزية والفارسية، التحق هاشم بمصفاة عبادان، وشغل فيها مناصب إدارية متعددة.
جاءت فكرة تأسيس رابطة الشباب الجعفرية لأول مرة من قِبل رفرف الفيصلي؛ فاتفق مع هاشم النزاري على إنشاء جمعية تجمع بين الجانبين الديني والقومي العربي.
كان رفرف الفيصلي من الناشطين المعروفين بين عرب الأحواز، ومن أصدقاء هاشم المقربين، وقد أصبح لاحقًا من الشخصيات المؤثرة خلال أحداث الثورة الإيرانية عام 1979 في مدينتي عبادان والمحمرة.
وقد كان رفرف فی اقتراحه متأثرا بما رأه في العراق من نشاط للجمعيات الدينية الوطنية التي كانت تُلقى فيها القصائد والمقالات الإسلامية باللغة العربية فكانت تحظى بقبول واسع بين الناس.
نجحت الرابطة وحظت بقبول كبير عند أهالي المحمرة وعبادان، وقد ساهمت في ذلك أسباب مختلفة، من بينها الحصول على تأييد علماء الدين وشيوخ العشائر والشباب في عبادان والمحمرة، إضافة إلى وجود شروط صارمة للعضوية، إذ لم يكن يُقبل في هذه الرابطة إلا من كان معروفا بتدينه وبحسن سيرته وطيب سمعته.
ومع مرور الوقت أصبحت العضوية في الرابطة مصدر فخر لأعضائها، حتى أنهم كانوا يضعون وردة بيضاء على صدورهم للدلالة على انتمائهم إليها.
وللرابطة كانت أنشطة مختلفة يمكن تقسيمها إلى محورين رئيسيين:
أولا: إحياء المناسبات والشعائر الدينية.
ثانيا: الأنشطة الثقافية والهوياتية، خصوصًا تعليم اللغة العربية والتعريف بالتاريخ العربي والإسلامي.
وقد نجحت الرابطة في كلا المجالين، حتى قيل إن كثيرًا من الشخصيات المؤثرة في مدينتي عبادان والمحمرة كانوا من تلامذتها. 
تقاطع البعدان العربي وإسلامي لعرب الأحواز في رابطة الشباب الجعفرية، ومع أن كلا البعدين كانا يتعرضان لضغط من السلطة المركزية الإيرانية آنذاك، لكن الحساسية تجاه النشاط الديني كانت أقل مقارنة بالضغط الذي كان يجربه النشاط الوطني الأحوازي، ولذلك جرى من خلال الرابطة تمرير الكثير من الأنشطة الهوياتية العربية تحت غطاء ديني، فكانت القصائد والمجالس والخطب تُقام بالعربية، كما كان يجري الحديث عن تاريخ المنطقة والعالمين العربي والإسلامي، وسيرة النبي والأئمة، مع التأكيد على أنهم عرب، ونحن أيضًا عرب. وبذلك سعت الرابطة إلى إعادة بناء الذاكرة الجمعية ومقاومة سياسات التفريس.
للأسف لا تتوفر معلومات دقيقة عن كيفية انتهاء نشاط الرابطة، لكن شخصياتها البارزة، مثل هاشم النزاري ورفرف الفيصلي، استمروا بنشاطهم كشخصيات مؤثرة بين الناشطين العرب حتى أحداث ثورة عام 1979 وما بعدها.
بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وهيمنة التيار الديني وقمع الناشطين العرب، أخذت المسافة تتسع بين التيارين الوطني والديني، خصوصًا مع اقتراب التيار الديني العربي من السلطة الإسلامية الحاكمة، وظهور نوع من التفاهم غير المعلن بين الطرفين. ومن ثم أخذ التيار الوطني العربي يكتسب طابعًا أكثر علمانية. غير أن هذا لا ينفي وجود أفراد متدينين ذوي توجه هوياتي عربي، لكن الحديث هنا يدور عن التيارات والتنظيمات المعروفة.
ومع مرور الوقت أصبحت العلاقة بين التيارين أكثر حدة، ووصلت أحيانًا إلى تبادل الاتهامات بالخيانة، خصوصًا بسبب المواقف الضعيفة أو الصامتة لبعض التيارات الدينية تجاه قمع العرب وإعدام ناشطيهم وسجنهم.
وتُعد أحداث “الأربعاء الأسود” في 30 مايو 1979 مثالًا بارزًا على تعمق هذا الشرخ.
بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ومع شعور كثير من الإسلاميين العرب بخيبة أمل من عدم تحقق شعارات الثورة، عاد بعضهم إلى تأييد الأنشطة الهوياتية العربية، وحاولوا تبني رؤية وطنية-دينية توازن بين انتمائهم الديني والقومي.
لكن قرب بعض هؤلاء من المؤسسات الأمنية جعلهم عرضة للاتهام بالتعاون مع السلطة أو لعب أدوار اختراق داخل الأوساط العربية.
ويرى الوطنيون-الدينيون الجدد أن قربهم من مؤسسات النظام، إضافة إلى وجود التشيع بوصفه نقطة اشتراك كبرى، يمكن أن يشكل فرصة لتخفيف مستوى التوتر بين عرب الأحواز والجمهورية الإسلامية، ودفع العلاقة نحو معادلة “رابح-رابح”، حتى وإن كان نصيب العرب أقل.
وفي هذا السياق، يرون أن تحقيق مكاسب صغيرة ومتراكمة، أو حتى مجرد اعتراف رسمي ببعض حقوق العرب، أفضل من الانخراط في صراع غير متكافئ.
ومن جملة أهم ما فات الفاعل الأحوازي لمعالجة مثل هذه الثنائيات، هو الرجوع إلى التعريفات في العلوم الإنسانية، ومنها العلوم السياسية، إذ بها يمكن التخفيف كثيرًا من حدة الخلافات وسوء الفهم. فالشخص الذي يقدّم القضايا القومية على القضايا الدينية يُسمى في العلوم السياسية “قوميًا”، لا كافرًا أو عميلًا. كما أن الشخص الذي يحاول الجمع بين البعدين الديني والقومي يُسمى “وطنيًا-دينيًا”، لا منافقًا أو متسللًا. ومن خلال هذا الفهم يمكن على سبيل المثال قراءة حضور بعض الناشطين الهويّاتيين في المناسبات الدينية بصورة أكثر هدوءًا وتحليلًا، حتى وإن كانت السلطة أو الأجهزة الأمنية تستفيد من تلك المناسبات. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن موضوع هذا المقال هو التيارات الفكرية والسياسية لدى عرب الأحواز، وليس الأنشطة الأمنية أو الاستخباراتية.
تنوية: المعلومات التاريخية عن “رابطة الشباب الجعفرية لإحياء الشعائر الدينية” الواردة في هذا المقال مأخوذة من ذكريات الناشط الأحوازي فؤاد سلسبيل، وهي تحت عنوان: اجتاحني حب كارون.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
