قدري أن أكون شاهدًا على تنفيذ حكم الإعدام بحق العشرات من المناضلين الأحوازيين في سجن كارون كما كنت شاهدًا على ما يقارب مئة إعدام لسجناء من غير السياسيين، خاصة تجار المخدرات والمتهمون بالقتل وغيرهم كذلك في سجن عادل آباد في مدينة شيراز الإيرانية. صحيح أنّ العديد من الذين التقيتهم، أصدرت ضدّهم أحكام الإعدام الجائرة فنفذت الأحكام وفارقوا الحياة إلى الأبد، ولكنّ مهما بلغت درجة تأثري بلحظة اطلاعهم بالحكم ومن ثمّ تنفيذ الحكم، إلّا أنّه ودون أدنى شك، يصعب عليّ وصفها أو نقلها، إلّا إذا عشتها، وهذا ما حدث فعلاً، فكانت لي تجربتي الشخصيّة مع الإعدام.
في المرّة الأولى التي نقلوني فيها إلى معتقل وزارة الاستخبارات سنة 2009، كان الجلادون يهددوني دائماً خلال التعذيب بالإعدام، واستمرّ ذلك عدّة أشهر. وفي إحدى الجلسات وبعد ساعات من التعذيب، رفضت بعض الاتهامات الموجّهة لي، فقالوا سننفذ اليوم ضدّك حكم الإعدام لنتخلص منك.
اعتبرتها مجرّد تهديد فتحدّيتهم وحينها كنت مكبّل القدمين واليدين إلى الخلف، وبسبب قسوة التعذيب، كان الدمّ ينزف من كلّ أنحاء جسدي، فلا أعرف حتى لأي جرح استجيب أو من أي جرح أشكو، إلى أن وضعوا الحبل حول عنقي وقالوا لي سوف نعدمك. بالطبع كانت عيناي معصوبتان ولكني كنت أرى بعض الشيء من تحت الكمام، كنت أشعر بأن الغرفة فيها أكثر من 4 أو 5 أشخاص، فبدأوا برفع الحبل تدريجياً إلى أن أصبح من الصعب عليَّ التنفس، وشعرت بأن عظام عنقي كادت تنكسر وتمزّق، تلقائياً تصلّبت كل عضلات جسدي وكذلك عروقي فنسيت آلامي وكان كلّ همّي هو الحصول ولو على القليل من الهواء لأتنفسه، وأنا أعيش هذه اللحظات القاسية، رفعوني من الأرض وانتقل كلّ وزن جسدي على عنقي، شعرت بأن عيناي كادت تخرج من محجريهما، ولكن فجأة توقف كل ذلك الضغط والألم ولم أعد أشعر بأي شيء، ولا أسمع ولم أعد أحتاج إلى هواء حتى، كما إني فقدت الإحساس تماماً بجسدي، بل إني فقدت التواصل معه كليّاً…أين أنا؟ هل انفصلت نفسي عن جسدي؟ هل فقدت الوعي؟ هل هذا هو الموت؟ لقد فقدت اتصالي بالزمان والمكان، وكلّ ما كنت أشعر به هو حرارة لطيفة في أعماق مخّي وربما هي الحياة، أين ذهب كل ذلك الألم وكيف، لا أدري.
لا أعلم بالفعل كم استغرقت تلك اللحظات، ثوان أو دقائق، ولكن أول ما شعرت به بعد ذلك هو أنهم كانوا يزوّدونني بالتنفس الاصطناعي، ثم عادت لي حاسّة السمع، فسمعت همسات الجلادين الذين كانوا مجتمعين من حولي، ولربّما كلّ فترة الإعدام لم تتجاوز الدقيقة الواحدة، أو بضعة ثوان، ولكنها كانت كفيلة بفصلي تماماً وحتى هذه اللحظة عن الحياة العاديّة.
أحاول هنا شرح ما دار في بالي عندما هددوني مرارًا بالإعدام وخاصة عندما كنت وحيدا في الزنزانة وكما لمست من تجربة بعض الشباب قبل تنفيذ حكم الإعدام عليهم أو الذين نقض حكم إعدامهم بعد أشهر وسنين من التهديد بالإعدام.
إنّ أكبر نعمة وهبنا الله تعالى إياها هي الحياة وأردفها بغريزة البقاء حتى نحافظ عليها بشكل شعوري أو لا شعوري منذ ولادتنا إلى آخر لحظات وجودنا. يبدأ من حفظ الجسد والنفس ويستمر بحفظ “أنا” الفردي والاجتماعي. عادة الموت يأتي بشكل فجائي ولكن عندما تكون في معتقلٍ وتهدد يوميا بالقتل والإعدام تأتيك أسئلة خاصة والأجوبة التي تحصل عليها تختلف عن بعض ويرجع هذا إلى الإيديولوجيا ونظرتك إلى الحياة التي تتخذها. وحتى المؤمنون يختلفون في الأجوبة بين من يطمع بالجنة ومن يخاف من النار ومن يريد رضوان الله ولقائه.
يسأل الإنسان نفسه لماذا وصلت إلى هذه المرحلة التي اقتربت بها من المشنقة، هل الهدف الذي اخترته وناضلت من أجله يستحق كل هذه المعاناة وافتداء أغلى ما أملك وهي الحياة ولماذا وبأي جرم اقترفته؟
بالمختصر: الإنسان يبحث في تلك الحالة عن المعنى، معنى الحياة أو الموت . يبحث عن معنى لما يحدث له فيحاول تفسيره، في تلك الحالة ليس وقت التمثيل والتظاهر، بل إنها ساعة الحقيقة.
أجبت نفسي أنني ناضلت من أجل الأحواز إذن ما معنى الأحواز؛
هل هي تلك البقعة الجغرافية من يابسة الأرض بمساحة كذا وكذا وما يميزها عن غيرها من المناطق الأكثر خصوبة واعتدالا في المناخ ووو الخ… أم المقصود من الأحواز هو الإنسان الأحوازي ولكن ما يميز هذه المجموعة من البشر عن سائر البشر وفيهم من الخصال من الخير والشر مثل كل البشر. ومنذ زمن بعيد توصل العلماء أن البشر من صنف وسلالة واحدة رغم اختلاف ألوانهم وألسنتهم.
أم هي الحضارة والثقافة الأحوازية وكما نعلم مثل كل المجتمعات فيها من التقاليد والأعراف الإيجابية والسلبية ولم ندّعِ أنّ الشعب الأحوازي يمتلك ثقافة مثالية….
إذن ما الجواب؟!
وكما أشرت أعلاه، أن الإجابة ترجع إلى رؤية الشخص للحياة ومنظومته الفكرية وغيرها…
وأنا أكتب هذه السطور أشهد بأن معظم شهداء الأحواز ذهبوا إلى حبل المشنقة بقلوب مطمئنة بعدالة قضيتهم ومطالبين بحقوق شعبهم المسلوبة رغم اعترافهم ببعض الأخطاء في أساليب العمل والإستراتيجيات.
وفي الأخير توجد ضرورة عمل التنظيمات والنخب الأحوازية على بناء أسس ثقافية وفكرية تتلائم مع القيم الإنسانية والشرائع السماوية لشرح القضية الأحوازية للمناضلين الأحوازيين الذين يريدون أن يضحوا بأموالهم وأنفسهم من أجل القضية ولا يكتفوا بالخطاب التحريضي العاطفي.
بقلم غازي مزهر
