فترة شتاء قاتل حلّت على الأدب والفن الأحوازي، مع صباح تلك الليلة التي أُسر بها الأمير خزعل الكعبي من على متن يخته في المحمرة عام 1925م، فهوى الحكم العربي في الأحواز، ومعه هوت صروحٌ كثيرة منها صرحُ الفن والأدب، ودخل الأحوازيون حقبة من الفتور طالت لعقود طويلة، وهي حقبة كادت أن تكون قاضية، لولا الروافد القادمة من نواحي التاريخ والجغرافيا والسياسة.
ومن أهم تلك الروافد كان الإرث الثقافي لحقبة حكم الأمير خزعل الكعبي على الأحواز، وهي حقبة تولد منها علماء دين وشعراء وفنانين. فاستمد الأحوازيون من ذلك الإرث قوتا، ثمّ غذوا به ساحات الفن والشعر، وذلك في فترة وصفت بالفتور والخمود الثقافي في الأحواز.
ومما نجح فيه الأحوازيون أنهم، من جانب، استطاعوا انتقال ما ورثوه للأجيال التي ولدت في حقبة الحكم الإيراني، ومن جانب آخر ذهبوا بما ورثوه إلى العراق ومن خلال عملية تثاقفية زادوا قيمة ما كانوا يملكون، وكل ذلك كان مددا للأحوازيين عبروا به من حقبة الفتور.
حقبة الازدهار (حكم الأمير خزعل)
امتدت حقبة حكم الأمير خزعل على الأحواز من 1897م حتى عام 1925م ، وفيها شهدت ساحة الأدب والفن في الأحواز دعما كبيرا من البلاط الخزعلي، ونتيجة لذلك تولدت حاضنة ثقافية انتفع بها الداخل الأحوازي، كما أنها أسهمت في استقطاب أدباء وفنانين من المحيط العربي، وهو أمر زاد الساحة الأحوازية ثراء أدبيا وفنيا.

ومما ساعد في خلق تلك البيئة الخصبة أن الأمير خزعل كان شاعرا وأديبا، وفي مجاراته وسجالاته الشعرية شاهد على ذلك. كما أن للشيخ ديوان شعر تم نشره وتوثيقه أخيرًا في الأحواز، وأما أكثر ما اشتهر به الشيخ خزعل في الجانب الثقافي، هو كتاب في أربع مجلدات عنوانه (رياض الخزعلية في السياسة الإنسانية)، وما أورده الشيخ في هذا الكتاب من أشعار ونصوص وفنون البلاغة، دليل على سعة اطلاعه واتساع ثقافته.
وشهدت الأحواز في عصر الأمير خزعل ازدهارا ثقافيا كبيرا، حيث تحوّلت قصور الأمير إلى ملتقى للأدباء والفنانين، إذ كان يغدق عليهم بالهدايا الجزيلة، فقصده أهل الفن والأدب من الأحواز ومن خارجها، ومنهم من سكن في جواره لسنوات طويلة، و في هذا الصدد يقول أمين الريحاني: “وتجيء المغنية من حلب أو دمشق إلى المحمرة وهي لا تملك غير خلخالها، فتقيم عدة أشهر في القصر وتعود غنية مثقلة بالحلي”.
فاستطاعت حقبة حكم الأمير خزعل أن تشكل جانبا مهما من الذاكرة الجماعية في الأحواز، فأصبحت للأحوازيين ذاكرة مشحونة بالأدب والفن، وفيها قائمة طويلة من أسماء رجال الدين، والشعراء، والفنانين، فصارت رصيدا عادوا إليه في حقبة الفتور، وعندما أدبرت عنهم الأقدار، وعبست فيها الحياة بوجههم في كل الجوانب، ومنها الجانب الثقافي.
حقبة الفتور:
ومع بداية حقبة الفتور (1925م) فقد الفن والأدب الأحوازي أسواره التي كانت تحميه، وضاقت به الحیل في أرضه. فهاجر من الأحواز عدد كبير من أهل الأدب والفن، واختار بعضهم الآخر العزلة، وأما من اختار البقاء والنضال فقتل، أو نُفي، أو دخل السجن لسنين طويلة.
ومن الشعراء الأحوازيين الذين اختاروا البقاء والمقاومة يمكن ذكر: الشيخ محيي الزيبق، وشايع حسن الهلالي، وعيسى المذخور، وكل هؤلاء دفعوا أرواحهم ثمنا في سبيل الدفاع عن الأرض، واللغة، والأدب، والفن العربي.
وأما من الشعراء والفنانين الذين قاوموا فسجنوا يمكن الإشارة إلى: أحمد الكنعاني، والشيح حنش اليابر، وخلف خان زاده القنواتي، وحمد العطيوي. وأما الفئة الثالثة من أصحاب الفن والأدب الأحوازي فاختاروا الهجرة باتجاه العراق، وكان من أبرزهم: عبود الحي سلطان، وحجي موسى وفرقته المسرحية، وممثلون مسرحيون آخرون ومنهم: بَدَيّن الكروشاوي، ويَدّوع المنبوهي.
وفي وصف تلك الحقبة يقول الدكتور عباس العباسي الطائي في كتابه صقر الكرخة: كان التحدث باللغة العربية في المدارس تترتب عليه غرامة نقدية، واقتناء الكتاب العربي كان يعتبر جريمة تعاقب عليها الحكومة الفارسية، وأما الشعر والفن العربي فأصبحا ضمن المحظور الذي يجلب سخط الحكومة.
وكثيرة جدا الوثائق التي تتحدث وتصف تلك الحقبة، ومنها الصحف العراقية، وكتب لباحثين من الأحواز والعراق، ونصوص لكتّاب وشعراء أحوازيين، ومثالًا على ذلك هذا البيت من الشاعر الأحوازي، يار الله محمد العنيفجاوي، وهو من الشعراء الذين عاشوا تلك الحقبة:
تمدن يا ركايبنه تمدن
إبدمه وإجروح دلالي تمدن
ذاك الساكن البيده تمدن
وأنا الراعي الوطن ضاقت علیه
ويقول الباحث العراقي عبدالقادر النجّار: “أن ما شهده الأحوازيون كان من أجل إرغامهم على مغادرة أرض الأحواز باتجاه العراق، وفي رسائل تظلم شيوخ العشائر الاحوازية إلى مراجع التقليد في النجف دليل واضح على ذلك”. إلا أن الأحوازيون تمسكوا بأرضهم، وحافظوا على هويتهم، ومن جملة الأسباب التي ساعدتهم في ذلك الإرث الذي وصلهم من حقبة الأمير خزعل.
إرث حقبة حكم الأمير خزعل
وفي العقود التي تلت عام 1925م، عاد الأحوازيون كأهل القلاع المحاصرة إلى مخازنهم الثقافية، فأخذوا يقتاتون على ما استقر في ذاكرتهم الجماعية، وفي تفعيل تلك الذاكرة كان للأدباء والشعراء، والفنانين وحتى رجال الدين الذين عاشوا الحقبتين دور بالغ الأهمية، وكأن الواحد منهم صار جسرًا يصل ما ورثه من حقبة الازدهار إلى أيام الحصار والفتور الثقافي.
ومن الشعراء المخضرمين الذين ترعرعوا في حقبة الازدهار، وعاشوا حقبة الفتور يمكن ذكر:عبود الحي سلطان، وحسن الهلالي، ومحيي الزيبق، ومنّان شبيب الزبيدي، وطاهر إسحاق القيم، وشيخ مولا مطلب المشعشعي، وطعان آل نبهان الكعبي، وغيرهم الكثيرون.
ولا تقتصر قائمة المخضرمين على الرجال، إذ شهدت فترة الفتور شاعرات عايشن حقبة خزعل، فحملن ما يمكن حمله إلى فترة الفتور، وبذلك كنّ من أطواق النجاة لهوية كادت تغمرها مياه النسيان، ومن أولئك الشاعرات نذكر: الشاعرة ورشن بنت إسنيسل الكعبي، والشاعرة شوگه بنت بستان الشرهاني، وركن بنت زائر علي الطرفي، والشاعرة إقديمة زرگاني، والشاعرة مريم بنت فرادي الساري، وقائمة هؤلاء المخضرات فيها عشرات الأسماء لم نذكر هنا سوى بعض منها.
وفي الموسيقى والمسرح أيضا تركت حقبة الأمير خزعل إرثا كان عونا للأحوازيين في فترة الركود الثقافي، فعلى سبيل المثال استطاع مِزبان العجليم، وهو حكواتي، وشاعر، ومغن، أن ينقل ما حصل عليه في قصور خزعل إلى الأجيال التي تلته، فمن المعروف أن مِزبان كان قريبا جدا من الشيخ عبدالحميد بن الشيخ خزعل، وكان على صلة قريبة بالأحداث الثقافية في القصور.
وكل هؤلاء الشعراء والفنانون كانوا بمثابة جسر امتد بين حقبتين متفاوتين، تمكّن الأحوازيون من خلاله، من تأمين متاع يعبرون به من حقبة التعتيم الصارم الذي ضُرب عليهم لأكثر من عشرة عقود. فبلغت الهوية العربية الأحوازية يومنا هذا وهي على قيد الحياة، لكنها منهكة وعافيتها ليست على ما يرام، وعودتها إلى مسرح الثقافة العربية والعالمية لا تكون إلى بجهد جبّار من أهلها.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
