فن وثقافةديوان الملا محمد الماجود: من النسيان إلى المكتبات الأحوازية

ديوان الملا محمد الماجود: من النسيان إلى المكتبات الأحوازية

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

 في الأحواز، ومنذ عقود، تقع ثروة أدبية وفنية كبيرة على حافة الضياع، وذلك في ظل التعتيم وغياب المؤسسات الراعية للأعمال الثقافية. فسعى عدد من الأدباء وأصحاب الاختصاص لتدارك هذا الضياع، وكان النجاح حليفهم في إنقاذ جزء من تلك الثروة الوطنية، ومما تمّ استعادته بنجاح هو ديوان الملا محمد الماجود، المتوفى 1950م (1370هـ).

قصة الديوان 

بخط يده الجميل، كتب الملا محمد الماجود ديوانه، إلا أن هذه النسخة ضاعت على نحو غريب. وكذلك كادت تضيع تلك القصائد الموزعة بين الدفاتر والأوراق، فتدارك الأمر بعض من محبي الأدب العربي في الأحواز، وأولهم كان ابنه الملا محمود المايود، وهو في هذا الصدد يقول: “وكانت القصائد في أوراق بالية فقمنا ولله الحمد، وجمعنا ما تيسر لنا من الديوان الذي بين أيديكم حتى يطبع وينشر”.

وكان الملا محمد الماجود شاعرا بالفصحى وكذلك باللهجة الشعبية الأحوازية، إذ يقول الدكتور عباس الطائي في مقدمة الديوان: “جاءتني مخطوطة هذا الديوان وفيها قسمان، القسم الأول الشعر الفصيح، والقسم الآخر الشعر العامي أو الشعبي، وكان قد تمّ جمعها في ديوان واحد، فاقترحت على نجل الشاعر وهو الملا محمود أن نفصل الفصيح عن الشعبي ليكون لشاعرنا الكبير ديوانان في الفصيح والشعبي. ولو أمد الله بعمري سأعمل على تحقيق القسم الشعبي من شعر الملا محمد الماجود بإذن الله”.    

الملا محمد الماجود

كان الملا محمد الماجود من أبرز الشعراء الذين أنجبتهم الأحواز في تاريخها، إذ قال الشعر في مختلف الأغراض ولا سيما الغزل، حتى لقبه الدكتور عباس الطائي بـ “شاعر الغزل الأحوازي”، وهو اللقب نفسه الذي كان قد أطلقه من قبل على السيد جابر آلبوشوكة، وذلك بقوله: “بعد أن  اطلعت على غزل الملا محمد الماجود عليّ أن أعترف الآن وأقول: لقد وجدت من ينازع السيد جابر على لقب شاعر الغزل الأحوازي، ألا وهو الملا محمد الماجود”.

ومدحه كبار الشعراء من معاصريه في الأحواز والعراق  ومنهم الشاعر الأحوازي الكبير السيد جابر آلبوشوكة، وقال فيه:

فإن يك ذو فخر فأنت إلى العلا

 وإن ورد الوفاد فأنت غديرها

سموت إلى العليا ونلت فخارها 

وعقد بجيد المكرمات ونورها

ولد الملا محمد بن المرحوم ماجود (مايود) الخزرجي في مدينة الدورق (الفلاحية)، ونشأ وترعرع في إحدى قرى تلك المدينة والتي تدعى “الطوبجیة”، وفي المدينة نفسها وفي جوار والده (الملا ماجود) اكتسب العلوم الإسلامية كالخطابة والقراءة الحسينية ونظم الشعر في شتى الفنون.

وبعد ذلك قد أتمّ الملا محمد دراسة العلوم الدينية في مدينة النجف، ونال هناك الدرجات العلمية على يد كبار رجال الدين، فأصبح، رحمه الله، من أبرز علماء عصره في الأحواز، وهذا هو السبب في وجود مراسلات شعرية بينه وبين زملاء له في تلك الآونة. 

وكانت للملا محمد الماجود معاشرة ومنادمة مع وجوه القبائل وزعمائها، ومنهم السيد جابر السيد مشعل زعيم قبيلة آلبوشوكه، الذي كان سيدا فاضلا وصديقا ونديما لشاعرنا، وكان سيد جابر يقيم المجالس الدينية في شهري محرم ورمضان، ويتولى الملا محمد الماجود القراءة والخطابة.

وأرخ الشاعر الملا مهدي الشويكي وفاة الملا محمد الماجود في قصيدة غراء قالها في رثائه، وعلى ذلك كانت وفاة شاعرنا في عام 1950م (1370هـ)، في الدورق وتحديدا في  قرية نهر مسلم، وبحسب نجله الملا محمود، دُفن الملا محمد في منطقة تسمى “الدّوائر” وهي أيضًا من توابع مدينة الدورق.

ورثى الكثير من شعراء الأحواز والعراق الملا محمد الماجود، وبعض هذه القصائد وُثقت في الفصل الثاني من الديوان، ومن أولئك الشعراء الملا مهدي الشويكي، الذي نعت الملا محمد بـ “أديب الشرق”:

فمن مبلغ أهل الكمال رسالة     بأن أديب الشرق أصبح ثاويا

 

ديوان الملا محمد الماجود

الخطوة الأولى في جمع ديوان الملا محمد الماجود كانت لابنه الملا محمود، إذ جمع قصائده من بين الأوراق البالية ومختلف دواوين معاصريه، ثمّ حقق وشرح الدكتور عباس العباسي الطائي الديوان وكتب له مقدمة، وبعد ذلك تمت طباعة الديوان ونشره في دار الشويكي للنشر.

ويقع الديوان في أربعة فصول: ففي الفصل الأول يأتي الدكتور الطائي على شرح بيئة الشاعر وتعريفها ضمن تلك الحقبة التاريخية، ثم تأتي سيرة حياة الشاعر لتشكل مضمون الفصل الثاني، فيتحدث هذا الفصل عن مولد الملا محمد الماجود ونشأته وتحصيله العلمي والديني، وفيه أيضا مقتطفات من أقوال الشعراء في مدح شاعرنا.

وأما الفصل الثالث فالتركيز فيه على دراسة أشعار الملا محمد الماجود: أغراضها، وأوزانها، والصور الشعرية فيها، ومكونات اللغة والخيال والعاطفة والصناعات الأدبية. أما الفصل الرابع فتأتي فيه قصائد الملا محمد الماجود، وتدور أغلبها حول رثاء أهل البيت والمراثي العامة، والمدح، والإخوانيات والشكوى، والغزل.  

ويجد القارئ في  ديوان الملا محمد الماجود أكثر من كتاب أدبي، ففيه تعريف عن الأحواز عموما والدورق خصوصا لا سيما إبان حكم المشعشعين والكعبين. وكذلك في الديوان شرح للأحوال السياسية، والثقافية، ومدارس الأحوازيين الأدبية والدينية آنذاك، وكيفية علاقاتهم بالعرب الجوار وبالأخص مع العراق الشقيق. ويخرج قارئ هذا الأثر الأدبي وقد اتسعت أمامه خريطة الأدب الأحوازي.

الخاتمة

قبل ذلك كانت تعرف النخبة الأدبية في الأحواز اسم الملا محمد الماجود، لكن دون أن تجد له ديوانا، ودون أن تعرف الكثير عن عطائه الأدبي، إذ كانت قصائده موزعة بين الدواوين، أو أسيرة النسخة الخطية المغمورة، لكن اليوم أصبح لهذه القامة الأدبية ديوان يزين رفوف المكتبات، ومعه ترجمة لحياة الشاعر وتحقيق وشرح لقصائده. وبهذا أصبح الملا محمد الماجود أقرب من أي وقت مضى لذاكرة الأحوازيين الجماعية.

وإذا سار الأحوازيون على الخطى نفسها، أمكنهم استعادة جانب من ثروتهم الثقافية، معنوية كانت أو مادية، وجعلها حاضرة في الذاكرة الثقافية، وأن يجسروا بذلك  تلك الهوة بين شباب الأحواز وتاريخهم العريق، وهذا ممكن ولو بعد جهد ومثابرة، وفي الميلاد الجديد لديوان الملا محمد الماجود خير شاهد على ذلك.       

 

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات      

      

   

          

        

     

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here