مقالاتالتيار البهلوي والدعم الإسرائيلي... لماذا يستمر إخفاق رضا بهلوي؟

التيار البهلوي والدعم الإسرائيلي… لماذا يستمر إخفاق رضا بهلوي؟

جمال عبيدي - لندن

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

خلال العقد الأخير، كثف التيار البهلوي جهوده لتقديم نفسه بوصفه البديل السياسي الأبرز للنظام الإيراني. ومع كل أزمة داخلية أو موجة احتجاجات شعبية، يعود اسم رضا بهلوي إلى واجهة المشهد عبر حملات إعلامية وسياسية يقودها أنصاره، وتحظى بدعم من أوساط في التيار القومي الفارسي، التي تروج له باعتباره الشخصية الأوفر حظاً، ولو مرحلياً، لقيادة مرحلة ما بعد نظام الجمهورية الإسلامية.

وجاء الموقف إسرائيلي أكثر وضوحاً على لسان وزيرة العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية وعضو المجلس الوزاري الأمني، غيلا غمليئيل، التي قالت، في مقابلة مع إذاعة “103 إف إم” يوم الخميس 27 أغسطس (آب) الجاري، إن “رضا بهلوي سيعود قريباً جداً إلى إيران، وإنه سيستقبل بما يليق به من أبهة ومجد”. 

غير أن هذا الموقف، بما يعكسه من دعم سياسي خارجي، يعيد طرح سؤال جوهري طالما تجنب أنصار التيار البهلوي الإجابة عنه: إذا كان رضا بهلوي يحظى بكل هذا الحضور الإعلامي والدعم السياسي الخارجي، فلماذا أخفق، على مدى العقد الأخير على الأقل، في توحيد المعارضة الإيرانية أو بناء حركة سياسية مؤثرة داخل البلاد؟ ولماذا انتهت معظم المبادرات التي شارك فيها إلى الانقسام أو التفكك؟ ولماذا أبدى عدد من داعميه، فضلاً عن معارضيه، خيبة أمل من أدائه السياسي؟ يضاف إلى ذلك ما بات يثير جدلاً متزايداً في الأوساط السياسية الإيرانية بشأن الخطاب الإقصائي لدى قطاعات من التيار البهلوي وأنصاره، وما يصفه منتقدوه بنزعات عنصرية وعدائية تجاه العرب والمسلمين، داخل إيران وخارجها.

الإجابة، في تقديري، لا تكمن في شخصية رضا بهلوي وحدها، بل في طبيعة المشروع السياسي الذي يمثله. فالأزمة لا ترتبط بغياب القيادة أو ضعف التنظيم فحسب، وإنما تمتد إلى الإرث التاريخي للدولة البهلوية، وما اتسم به من قمع ونزعة قومية فارسية إقصائية تجاه الآخر، وإلى رؤية لا تزال تثير تحفظات واسعة لدى معظم القوى السياسية، سواء كانت فارسية أم ممثلة للشعوب غير الفارسية.

وعلى خلاف الصورة التي يحاول أنصار التيار البهلوي ترسيخها، فإن المشكلة لا تقتصر على رفض النظام الإيراني له، بل تتعلق أيضاً بعجزه عن كسب ثقة طيف واسع من المعارضة الفارسية، التي تضم جمهوريين ويساريين وليبراليين، فضلاً عن القوى القومية التي تمثل العرب الأحوازيين والأكراد والبلوش والأذربيجانيين والتركمان، على رغم ما بينها من تباينات تاريخية وجغرافية وسياسية، واختلاف في الأهداف والمشاريع التي تتبناها. ويضاف إلى ذلك إخفاقه في الحصول على اعتراف رسمي من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو دول الإقليم بوصفه ممثلاً أو بديلاً سياسياً لإيران المستقبل.

من هنا، لا يناقش هذا المقال فرص رضا بهلوي الشخصية، بقدر ما يحاول الإجابة عن سؤال أوسع: لماذا أخفق التيار البهلوي، رغم مرور نحو خمسة عقود على سقوط النظام البهلوي، في التحول إلى بديل سياسي يحظى بقبول، وإن كان جزئياً، داخل إيران، أو يحظى باعتراف سياسي على المستوى الدولي؟

إرث الدولة البهلوية… لماذا لا يزال حاضراً؟

يصعب فهم أسباب تعثر التيار البهلوي من دون العودة إلى التجربة البهلوية التي حكمت الجغرافيا السياسية لإيران بين عامي 1925 و1979. فالمعارضة التي ترفض هذا التيار اليوم لا تنطلق من موقفها من رضا بهلوي بوصفه شخصاً فحسب، بل تستحضر أيضاً إرث الدولة التي أسسها جده رضا شاه، ثم رسخها والده محمد رضا شاه.

قام النظام البهلوي، منذ تأسيسه عام 1925، ببناء دولة مركزية قوية ارتكزت إلى الهوية القومية الفارسية بوصفها الإطار الجامع للدولة. وفي سبيل ترسيخ هذا النموذج، عمل على إخضاع الكيانات السياسية المحلية والإدارات التقليدية المنتشرة في الجغرافيا التي تشكل إيران الحالية لسلطة المركز. وكانت هذه الجغرافيا، خلال مراحل تاريخية مختلفة، تضم ممالك وكيانات وأقاليم متفاوتة في استقلاليتها وطبيعة علاقتها بالدول والسلالات التي بسطت نفوذها عليها بين الحين والآخر، ومن بينها الدولتان الصفوية والقاجارية، وقد حكمتهما سلالتان من أصول تركية

وخلال العهد القاجاري (1796-1925)، عرفت هذه البنية باسم “الممالك المحروسة”، وضمت، من بين أقاليمها وكياناتها، عربستان وأذربيجان وخراسان وكردستان ولرستان وجيلان، مع تفاوت كبير في طبيعة علاقتها بالسلطة القاجارية ودرجة استقلاليتها عنها. وفي هذا السياق، تمتعت إمارة عربستان (الأحواز)، وعاصمتها المحمرة، باستقلالية شبه تامة في إدارة شؤونها الداخلية. 

وترافق ذلك مع سياسات هدفت إلى توحيد الهوية واللغة والإدارة والتعليم، وانعكست آثارها على علاقة التيار البهلوي بالشعوب غير الفارسية حتى اليوم، إذ تنظر قوى سياسية تمثل الأحوازيين والأكراد والبلوش والأذربيجانيين والتركمان إلى التجربة البهلوية بوصفها نموذجاً للدولة المركزية التي همشت التعدد القومي وأضعفت الخصوصيات الثقافية والسياسية لهذه الشعوب.

ورغم سقوط النظام البهلوي عام 1979، لم يغب هذا الإرث عن المشهد السياسي. فبالنسبة إلى هذه القوى، لا يمثل التيار البهلوي مجرد معارضة للنظام الحالي، بل امتداداً لمشروع سياسي لم يقدم، حتى اليوم، مراجعة واضحة لسياسات الدولة البهلوية تجاه الشعوب غير الفارسية، ولا رؤية دستورية تطمئنها إلى مستقبل حقوقها السياسية والثقافية والتاريخية.

ومن هنا، فإن جانباً من رفض التيار البهلوي لا يرتبط بالماضي وحده، بل باستمرار الشكوك في قدرته على تقديم مشروع يقطع بوضوح مع النموذج الذي حكم إيران قبل عام 1979.

لماذا ترفضه قوى واسعة من المعارضة؟

إذا كان الإرث التاريخي يفسر جانباً من موقف الشعوب غير الفارسية، فإن التحفظ على التيار البهلوي يتجاوز هذا البعد، ليشمل قوى سياسية فارسية من الجمهوريين والليبراليين واليساريين وغيرهم.

فمنذ سقوط النظام البهلوي، لم يتمكن التيار البهلوي من بناء تحالف سياسي مستقر يجمع حتى أطياف المعارضة الفارسية. وظهرت هذه التباينات بوضوح خلال احتجاجات عام 2022، عندما سعت شخصيات معارضة بارزة إلى تشكيل إطار سياسي مشترك في المنفى عرف لاحقاً بـ “تحالف جورج تاون”. لكنه لم يصمد طويلاً، وسرعان ما تفكك نتيجة خلافات سياسية وتنظيمية وشخصية بين أعضائه.  

كما أن حملة “التوكيل”، التي أطلقها أنصار بهلوي، لم تنجح في إقناع غالبية القوى المعارضة بمنحه موقع القيادة السياسية أو تفويضه بتمثيل معارضي النظام في مخاطبة المجتمع الدولي باسمهم. 

ولا يقتصر الأمر على الخلافات التنظيمية، بل يمتد إلى جوهر المشروع نفسه. فقوى جمهورية واسعة ترى أن استبدال النظام الحالي بنظام ملكي لا يمثل أولوية، وأن المطلوب هو بناء دولة تقوم على التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون والفصل بين السلطات وضمان الحقوق والحريات.

أما القوى الممثلة للشعوب غير الفارسية، فترى أن أي مشروع لا يقدم تصوراً واضحاً لمعالجة قضية التعدد القومي، ولا ضمانات دستورية للحقوق السياسية والثقافية والإدارية، لن يكون قادراً على بناء توافق وطني حقيقي.

أي دولة يريدها التيار البهلوي؟

هنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم مشكلات المشروع البهلوي. فخلال السنوات الأخيرة، ركز التيار في خطابه على الحفاظ على الدولة المركزية ووحدة جغرافيا إيران السياسية الحالية، إلى جانب شعارات حقوق الإنسان وإسقاط النظام، لكنه تجنب في الغالب تقديم تصور دستوري واضح يجيب عن واحدة من أكثر القضايا حساسية: شكل الدولة بعد التغيير.

فما طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والأقاليم؟ وما حدود صلاحيات السلطات المحلية؟ وكيف سيترجم الاعتراف بالتعدد القومي واللغوي والثقافي دستورياً وسياسياً؟ وما الضمانات الدستورية التي تحول دون إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية الذي حكم إيران خلال القرن الماضي؟ 

وترى غالبية القوى الممثلة للشعوب غير الفارسية، إلى جانب بعض التيارات الجمهورية الفارسية، ومنها منظمة مجاهدي خلق ذات الجذور اليسارية، أن مستقبل إيران لا يمكن أن يبنى على استمرار تركيز السلطة في العاصمة، مهما تغيرت هوية الحاكم أو شكل النظام. ولذلك، تطالب قطاعات واسعة من هذه القوى بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، وإقرار نظام يضمن المشاركة المتوازنة في إدارة الدولة، ويعترف بالتعدد القومي والثقافي بوصفه أحد مكونات البلاد، لا تهديداً لها. 

ومن هنا، لا تبدو أزمة التيار البهلوي مرتبطة بالملكية أو الجمهورية فحسب، بل بسؤال أعمق: هل يسعى إلى تغيير شكل النظام فقط، أم إلى إعادة تأسيس الدولة على عقد سياسي جديد يعترف بجميع مكوناتها وشعوبها بوصفها شركاء متساوين؟

الحضور الإعلامي… والدعم الخارجي

على الرغم من النشاط السياسي والإعلامي المكثف الذي مارسه التيار البهلوي، ولا سيما بعد اندلاع احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، فإنه لم ينجح في تحويل هذا النشاط إلى اعتراف سياسي رسمي من القوى الدولية أو الإقليمية به بوصفه ممثلاً للمعارضة الإيرانية أو بديلاً للنظام القائم.

فقد تجنبت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وكذلك الحكومة الإسرائيلية، حتى خلال الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران، منح رضا بهلوي أو أي طرف آخر صفة الممثل الشرعي للمعارضة أو الاعتراف به قائداً لمرحلة انتقالية. كما لم يصدر، حتى الآن، أي موقف رسمي من هذه الأطراف يتبنى التيار البهلوي بوصفه بديلاً سياسياً للنظام الإيراني. 

لكن دوائر إسرائيلية وشخصيات سياسية وأمنية تبدو أكثر وضوحاً في علاقتها برضا بهلوي، ولا سيما منذ زيارته إسرائيل في أبريل (نيسان) 2023 للمشاركة في مراسم إحياء ذكرى الهولوكوست، ولقائه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على هامش الزيارة. ومع ذلك، يصعب اعتبار هذه العلاقة دليلاً على تبن إسرائيلي لرضا بهلوي بوصفه بديلاً سياسياً وحيداً للنظام الإيراني، بقدر ما يمكن قراءتها في إطار توظيفه سياسياً ضمن رؤية إسرائيلية أوسع لمستقبل إيران.

فنتنياهو خاطب، في أكثر من مناسبة، مكونات وشعوباً مختلفة داخل إيران، وذكر بعضها بالاسم، في مؤشر إلى أن الرهان الإسرائيلي لا يبدو محصوراً بالتيار البهلوي وحده. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تصريح غيلا غمليئيل الأخير وحديثها عن عودته واستقباله في إيران، بوصفه موقفاً سياسياً لافتاً، لكنه لا يرقى، في حد ذاته، إلى اعتراف إسرائيلي رسمي به بديلاً لإيران المستقبل.

غير أن الدعم الخارجي، مهما بلغ، لا يصنع بمفرده بديلاً سياسياً. فثمة فارق بين استقبال شخصية معارضة والتعامل معها سياسياً، وبين الاعتراف بها ممثلاً لبلد متعدد الشعوب والثقافات والمذاهب والأديان، أو قائداً لمرحلة انتقالية. كما أن أي رهان خارجي لا يستند إلى توافق داخلي واسع قد يفاقم أزمة الشرعية بدلاً من حلها.

أزمة تيار… لا أزمة شخص

بعد نحو خمسة عقود على سقوط النظام البهلوي، لا يبدو أن إخفاق التيار البهلوي يرتبط بشخص رضا بهلوي وحده، بقدر ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بالمشروع الذي يمثله ومدى قدرته على كسب قبول طيف واسع من الشعوب والقوى السياسية في إيران، بوصفه تصوراً مختلفاً لمستقبل الدولة.

وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان رضا بهلوي سيعود إلى إيران، كما تتوقع غيلا غمليئيل، بل ماذا يمثل سياسيا إذا عاد إليها؟ وهل يمتلك التيار البهلوي، بعد نحو خمسة عقود على سقوط النظام البهلوي، مشروعاً قادراً على كسب قبول طيف واسع من المعارضة الفارسية والشعوب غير الفارسية، أم أن مشروعه لا يزال يحمل في جوهره بعض الإشكاليات التي حالت دون تحوله إلى بديل جامع للنظام الإيراني؟ وحتى الآن، تبدو الإجابة، في نظر شريحة واسعة من القوى السياسية المعارضة، أقرب إلى النفي منها إلى الإثبات.

جمال عبيدي، صحفي أحوازي مقيم في لندن

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here