فن وثقافة عباس العباسي الطائي… رحلة عمر في خدمة الأدب العربي في الأحواز

 عباس العباسي الطائي… رحلة عمر في خدمة الأدب العربي في الأحواز

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

من قرى مدينة الخفاجية حتى الأزهر في مصر، ومن ثم العودة إلى مدينة الأحواز العاصمة ثم عبادان، وحتى التبعيد إلى طهران، رحلة عمر طالت أربعة عقود، كلها كانت من أجل اللغة العربية، والذود عنها وتحديدا في الأحواز. تعلّم وعَلّم الكثيرين وألف عشرات الكتب في قوالب أدبية شتى، وجاد بعطائه أستاذا، وشاعرا، وباحثا، ومؤرخا، ومثقفا مقاوما.

ولد عباس العباسي الطائي عام 1944 في قرية “أبوچلاچ” (أبوجلاج) من ضواحي مقاطعة الخفاجية، غربي الأحواز، التحق عباس الطائي عام 1961م بمعهد المعلمين، ثم دخل سلك التعليم مبكّرا واختاره مسارا لا ينقطع طيلة حياته، لم يوقفه التوظيف فطموحه كانت أبعد من ذلك بكثير، إذ عاد للدراسة الأكاديمية فأخذ شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة جندي سابور في الأحواز.

 وأما بعد الأحواز فقصد مصر حيث العالم الرحب لتعلم العربية وآدابها، فالطموح لا تعترف بالحدود المرئية منها وغير المرئية، دخل جامعة الأزهر ونال منها شهادة الماجستير في الأدب المقارن، ثم عاد إلى طهران مواصلا رحلته العلمية في خدمة العربية، وهناك أخذ الماجستير ومن ثم الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة “طهران المركزية”.

للدكتور عباس العباسي أكثر من ثلاثين مؤلفا، منها أربعة دواوين شعرية، وله رواية طويلة عنوانها “فارس المدينة الفاضلة”، كما أنه نشر عام 2009 مجموعة قصص قصيرة، وله مسرحية صقر الكرخة (حتة)، ومسرحية مصيبة الحلاج وهي مترجمة من العربية إلى الفارسية، وعدد كبير من الدراسات العلمية، وكتاب في النقد الأدبي، وكتب مترجمة من العربية إلى الفارسية وبالعكس، ومعجمين المرشد والراشد، وبكل هذه الأعمال الجليلة كان الدكتور من جملة أولئك الذين أسعفوا الأحوازيين في أيام محنتهم الطويلة.

حلّت “لعنة القرن العشرين” في الأحواز، كما يسميها الدكتور الطائي، وكانت السبب في توزيع تأليفات الدكتور أكثر من قالب أدبي ومنها: الشعر والقصة والرواية والمسرح والنقد الأدبي والأدب المقارن والدراسات والبحوث والعروض والقافية والتاريخ. ويقول الدكتور: “ضاع في قرن العشرين حكمنا العربي، واستبدلته بريطانيا بنظام حكم فارسي عنصري، و هذا الأخير صب جُلّ سعيه على قتل الشعوب لتحيا الفارسية وحدها”، فما هي إلا سنوات حتى انقطعت عن العربية في الأحواز روافد الحياة، فلا مدارس ولا مجلات ولا جامعات ولا دور نشر، ومن بقي في جبهة الأحواز كان عليه أن يقاوم دون عتاد ولا نصرة وعلى أكثر من جهة.

يقول الدكتور الطائي: في البدء كنت شاعرا، لكن تاريخنا المتروك في مهب الريح أوجب علي أن أشمر عن ساعديّ، فأنجزت أول كتاب تاريخ أدبي أحوازي، تأخرت الأحواز عن الفنون الأدبية الحديثة فكتبت أول كتاب في الأدب المقارن في الأحواز، أنظر إلى الدراسات والبحوث فلم أجد من الأحوازيين – قبل العقدين الأخيرين – كتب دراسة على شعرائنا الكبار في الأدب الفصيح أو الشعبي فبدأت بذلك، وفي المسرح كذلك كان فراغ صامت فقمت بتأليف مسرحية “صقر الكرخة”.

 وكل هذا والشعر كان أوفى له من غيره من الفنون الأدبية الأخرى، ويستشهد الدكتور على ذلك بانهماكه منذ عقد من الزمن بتأليف ونظم “الملحمة الأحوازية العربية الكبرى”، التي تبدأ نظما من الألفية الثالثة قبل الميلاد حتى منتصف القرن العشرين، كما أن جديد إصداراته تحت عنوان “بک استعید کرامتی” هو ديوان شعر، وكما يسميه هو جديد حصاده الشعري، وهذا الديوان هو الجزء الرابع من سلسلة دواوينه الشعرية.

وعن جديد إصداراته يقول الدكتور الطائي: كل ما جد جاد، أو راودتني بنات الشعر -ويالهن… ولولاهن  لما خلقت هذه البدائع من الصور واللوحات الجميلة في العالم- أمسكت بالقلم وأطلقت الخيال فسال على الأوراق بما جادت به القريحة، في الكثير من الأغراض الشعرية. وأما محتوى الديوان فهو مقسم على ثلاثة أقسام: فالقسم الأول هو مخصص للقصائد العمودية، وأما القسم الثاني فهو للمنظومات التاريخية، والقسم الثالث والأخير فهو للشعر الحر.

في شعر الدكتور الطائي يمكن سماع صوت الأحواز دونما شغب، ورؤية فرحها وحزنها بكل وضوح، وهذا حال النظم عنده عموما، وفي ديوانه الأخير خصوصا. ومن يقرأ الديوان الجديد يجد فيه تاريخ الأحواز المنظوم، ويوميات ناسه وأدبائه وكُتابه، وأخبار عموم الأحوازيين، وكذلك يطالع فيه أفعال أهل السياسية والنشطاء الاجتماعيين، وفي ذات الوقت في الديوان تقويم للأحداث الرسمية والعالمية كاليوم العالمي للغة الأم، وتوثيق للمناسبات الأحوازية كيوم الشاعر الأحوازي. وما زال الدكتور الطائي ينظم في تاريخ الأحواز، وبحسب ما أعلن له في طريق النشر كتاب آخر عنوانه “التبعيد الرهيب”.

أهدى الدكتور الطائي ديوانه الجديد للشاعر الشاب الراحل حسن حيدري، وهو شاعر حماسي عرف بمواقفه البطولية أمام السياسات التعسفية للسلطة، ليعرف قارئ الديوان منذ البداية تلك الوجهة التي يقصدها الشاعر في نظمه، وكذا في الديوان رثاء لكل عَلَم خسرته الساحة الأحوازية من ملا فاضل السكراني، وحبيب مزرعة، وعدنان سلمان، والشيخ إبراهيم الديراوي، وبين دفتي الديوان تبجيل  لمن لهم بصمة في خدمة الشعب الأحوازي وعروبته، كما يسعى الدكتور أن لا يفوته إبداء موقفه في كل حادثة ألمت بأهله وناسه في الأحواز كانوا أو في الوطن العربي أو في شتات العالم.

 محاصرة هي الأحواز ومحاصر الدكتور عباس العباسي الطائي بأصناف المعوقات؛ وآخرها المرض الذي أقعده في إحدى ساقيه، لكن صوت مقاومته وصدى إنتاجاته الثقافية لا يدع ساحة الدفاع عن اللغة العربية تبرد ولو لقليل من الزمان، ولهذه الأسباب وغيرها لقبته الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية بلقب “شاعر العرب الكبير في العصر الحديث”، واعتبرت ملحمته “سلمى الأسيرة” أحد كنوز الأدب العربي، كما لقبته جامعة عبادان ب “عميد الأدب العربي”، ولقبوه الأحوازيون “معلم الأدب”.    

اختار الدكتور عباس الطائي أن يكون مشروعا قائما بذاته، فبعد حظر العمل الثقافي العربي المنظم في الأحواز، وبعدما أغلقت الأبواب في وجه المحاولات المجتمعية لحماية الثقافة والهوية العربية، آثر أن يكون الدكتور وحده مشروعا يعلّم العربية ويربي لها معلمين وأساتذة، وأن يعمل على توثيق الأدب العربي وأعلامه في الأحواز، وأن يكون بمفرده كمركز للأبحاث الأدبية، وراويا لتاريخ عتيد يمتد في الأحواز إلى آلاف السنين، وكل هذا خوله ليكون لسان شعبه الذي يتحدث عنهم في أتراحهم وفي المسرات.

لا بالحديث ولا بالنظريات الجامدة، دَلّ الدكتور عباس الطائي على مخارج من دائرة المستعصيات التي أرادت للعروبة في الأحواز الضياع، وذلك في زمن حار الأحوازيون  من شدة صدمة ضياع الحكم، ومن قلة الناصرين، ومن تعنت الآخر العنصري. شعلة الدكتور في حبه للغة العربية أضاءت طرقا، ودبّت دفئا في جسم الأحواز ساعد في تجاوز شتاء العقود المتتالية. فإذا مازالت العروبة في الأحواز تنبض بالحياة، ذلك لأن للدكتور ولطواقم الأدب والفن في الأحواز دور المسعف الساهر على عزيز.        

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

      

   

          

        

     

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here