فن وثقافة"فجر الأبوذية".. مئتا عام من الذاكرة الشعبية الأحواز

“فجر الأبوذية”.. مئتا عام من الذاكرة الشعبية الأحواز

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

 يحتفي المشهد الثقافي الأحوازي بوافد جديد إلى مكتبة الأدب الشعبي، وهو كتاب (فجر الأبوذية) الذي يضم نماذج شعرية لأكثر من مئة شاعر أحوازي، عاشوا على مدار القرنين الماضيين، وبهذا یمثل الكتاب موسوعة لشعر الأبوذية في الأحواز.

واستغرق تجميع هذه الموسوعة عقدا بأكمله، وتطلب عملا دؤوبا التقى فيه الأستاذ جاسم هاشم مع  المعمرين من شعراء الأحواز، وغاص في كتب الأدب الأحوازية، وزار مختلف مدن وقرى الوطن، فاستطاع أن ينظم اللآلي المتناثرة من أبيات شعر الأبوذية في عمل أدبي رصين سدّ به ثغرة في العمل التوثيقي في الأحواز.

صورة تجمع الباحث جاسم هاشم الحيدري مع الكاتب والباحث الأحوازي موسى سيادت
جاسم هاشم

جاسم هاشم الحيدري، هو من مواليد قرية “الموشة”، من توابع مدينة البسيتين، ولد في عام 1979م، ولم يكمل العامين بعد حتى اندلعت الحرب الإيرانية – العراقية، فنزح جاسم إلى مدينة الأحواز، وفيها ترعرع، وانضم مبكرا  للعمل الثقافي العربي الأحوازي، فصار عضوا في العديد من المؤسسات الثقافية التي كانت نشطة في حقبة من الزمن.

وبين أصناف العمل الثقافي وقع اختيار جاسم هاشم على عالم الكتاب، وهي في الأحواز مهنة تكتنفها مشاق كثيرة ولا سيما في جانبها العربي، وعانى في سبيل ذلك من ضنك الحياة وصعاب معاشها، ورغم ذلك واصل الأستاذ جاسم عمله الثقافي كبائع متجول للكتاب، حتى أصبح معروفا عند معظم هواة الثقافة والهوية العربية في الأحواز.

 وللأستاذ جاسم قبل هذه الموسوعة عدد من المؤلفات بعضها رأت النور، وأخرى تنتظر، وهي في حقول مختلفة: ففي الفكر والمعرفة له كتاب عنوانه المثقف والتغيير، ورواية تحمل عنوان (ساري)، وأما في التوثيق فله ديوان الشاعر ايفير بن ابحير السلامي، وكذلك ديوان سلمان السلامي. 

الأبوذية:

“الأبوذية” هي من فنون الشعر الشعبي، وكل أبوذية تتكون من أربعة أشطر، تنتهي الأشطر الثلاثة الأولى منه بألفاظ متجانسة صوتيا لكنها مختلفة في المعنى، وهو ما يُعرف بالجناس. وأما الشطر الرابع فيسمى غالبًا القفلة أو الرَبّاط، وهو يخرج عن الجناس الثلاثي وينتهي عادة بصيغة صوتية من قبيل: يه أو ي. 

الغيرك ما وله كلبي ولهلك (وله لك)

أموت ابصدت اعيونك ولهلك (و أهلك)

عمامك ما تبي كربي ولهلك (ولا أهلك) 

اشبصرك يا الغرامك فتك بيه 

واختلفت الروايات في أصل تسمية الأبوذية ونشأتها، ولا يبدو أن هناك اتفاقا تاريخيا حاسما حول رواية واحدة. وبحسب أشهر التفسيرات الشعبية أن الكلمة مركبة من: أبو+ ذية، أي صاحب الأذية، أي أن هذا الشعر مرتبط بالألم والحزن والشكوى، وهذا التفسير ينسجم مع طبيعة كثير من الأبوذيات القديمة التي تدور حول الفراق والموت والحرمان والحب.

وعلى الرغم من الحضور الكبير للحزن والفراق في مضامين الأبوذية إلا أن الأبوذية ليست شعر حزن فقط، ففيها الغزل والحب والفراق والحنين والرثاء والحكمة والشكوى والفخر والمواقف الاجتماعية والنقد، والوطن والمقاومة، والحياة اليومية. وهذا واضح جدا في التراث الأحوازي؛ فقد استخدمت الأبوذية في مضامين شتى، حتى أصبحت جزءا من التعبير الشعبي عن المشاعر والمواقف.

وتوصلت بعض الأبحاث الأدبية إلى أن مولا حميد المشعشعي هو أقدم شاعر أحوازي عُرف بقول الأبوذية، وبحسب ما ورد في دراسة للدكتور عباس الطائي فإن مولا حميد ولد في الحويزة عام 1829م، وقد دفع ذلك بعض الباحثين إلى ترجيح أن مدينة الحويزة كانت من أقدم مواطن الأبوذية في الأحواز، ومنها انتشرت إلى مناطق أخرى. وتذكر الدراسة نفسها مجموعة من الشعراء الأحوازيين في القرن التاسع عشر، من أبرزهم: عباس الأسد، وايفير بن ابحير، والملا محمد المايود، وعبود الحاج سلطان.

موسوعة فجر الأبوذية

تبدأ الموسوعة بثلاث مقدمات، وبها يدخل القارئ  إلى  الموسوعة وهو يعرف الكثير عن هذا النمط من الشعر الشعبي، وعن تاريخ نشأته، ومسار تطوره، وعن أوزانه وأغراضه الشعرية. ويتعرف على الجهد الجبار الذي بذل في سبيل تجميع هذه الموسوعة. وبعد المقدمات تأتي ثلاث قوائم تسهل على القارئ تتبع ما يريد قراءته في الموسوعة.

وتبدأ الموسوعة بمساجلات أدبية، جرت بين العديد من شعراء الأحواز. وتأتي معظم هذه المساجلات في قالب الأبوذية، وهي من أنفع ما جاء في هذه الموسوعة، وأغلب مضامينها سياسية واجتماعية، ومن يقرأ هذه المساجلات يجد فيها فوائد جمة عن التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والأدبي في الأحواز.

 وبعد ذلك تأتي مختارات من أوائل شعراء الأبوذية في الأحواز من أمثال: منان شبيب الزبيدي، ايفير بن ابحير السلامي، واشديد البادي، وعبود الحاج سلطان، وآخرين. وبعض هذه المختارات يُنشر لأول مرة في هذه الموسوعة.

 ومن ثم تعرض الموسوعة نماذج من أبيات الأبوذية  لأكثر من 100 شاعر أحوازي. والقارئ لهذا العمل التوثيقي يعجب لوجود كل هذا الكم من الأبيات التي لم تكن مدونة من قبل، وكيف ظلت حبيسة صدور عدد قليل من الشعراء وأهل الأدب. 

وفي هذه الموسوعة مادة غنية ذات قيمة علمية كبيرة لكل دارس وباحث في العلوم الإنسانية، مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) وفقه اللغة، ليطلع على أحوال شعبنا في تلك الأزمنة. لا سيما والكتاب يعالج إنتاجًا أدبيا لشعراء منتشرون في كل نواحي الأحواز، من المدن والقرى، ويمتد على حقبة زمنية طويلة.

الخاتمة:

الأبوذية لما فيها من إيجاز، سهلت مهمة الحفظ والانتقال على المجتمع الأحوازي الريفي آنذاك، وهذا يفسر قدرتها على البقاء والانتشار عبر الأجيال. فكانت الأبوذية ومازلت كالكلمات المشفرة التي تحمل لمن يتمكن من قراءتها فوائد أدبية وتاريخية واجتماعية وسياسية جمة. 

ولهذا فإن “موسوعة فجر الأبوذية” لما فيها من كم هائل لأبيات الأبوذية وأسماء شعرائها تستطيع أن تسدي خدمة بالغة التأثير في دعم الذاكرة الأحوازية الجماعية. كما أن عملا بهذا الحجم الكبير يعيد إلى الفاعل الاجتماعي والمثقف والكاتب الأحوازي إيمانه بقدراته، وأن العوائق مهما كبرت، تلين أمام الإرادة الواعية، وجاسم هاشم، مؤلف هذه الموسوعة، خير مثال على ذلك.     

 

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

 

   

   

 

   

   

         

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here