فن وثقافة مأساة تهجير مئات الأحوازيين.. قراءة في كتاب «التبعيد الرهيب»

 مأساة تهجير مئات الأحوازيين.. قراءة في كتاب «التبعيد الرهيب»

التبعيد الرهيب».. شهادة تاريخية تُوثّق مأساة تهجير مئات الأحوازيين

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

 في واحدة من أشد المحطات قسوة في التاريخ الأحوازي الحديث، عانت مئات العائلات من عمليات تهجير قسري طالت زهاء 1500 شخص، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، من منطقة “سهل ميسان” غربي مدينة الأحواز. وكانت المنطقة—التي تضم مدنا رئيسية تاريخية كالحويزة والخفاجية والسوس—شاهدة على اقتلاع أهاليها وتسفيرهم نحو ضواحي العاصمة الإيرانية طهران، في رحلة إبعاد شاقة تجاوزت مسافتها ألف كيلومتر.

 لم تكن رحلة النفي مجرد انتقال، بل كانت اختبارا قاسيا للبقاء؛ إذ قطع المهجّرون تلك المسافات الشاسعة سيرا على الأقدام الحافية، وعبر مسارات جبلية شديدة الوعورة. وأسفرت الظروف القاسية عن قضاء المئات منهم حتفهم في الطريق قبل الوصول إلى وجهتهم. أما من كُتبت لهم النجاة عند وصولهم إلى المنفى، فقد عاشوا نحو 12 عاما من الشتات والتنقل المستمر من مكان إلى آخر، تحت وطأة ظروف معيشية وأمنية بالغة القسوة.

وتركت حادثة تهجير مئات الأحوازيين—وفي مقدمتهم شيوخ وجهاء قبيلة “بني طُرُف”—جرحا غائرا في الذاكرة الجمعية لسكان المنطقة. وعلى مدى العقود الماضية، برزت محاولات عدة لتوثيق هذه التراجيديا، كان من أشهرها الملحمة الأدبية “قافلة الحب والموت” للدكتور عباس العباسي الطائي. غير أن معظم تلك الأعمال استندت إلى الروايات المنقولة، حتى ظهور كتاب (التبعيد الرهيب)، والذي يُعد الوثيقة الأولى المسجلة بقلم شاهد عيان عاش تفاصيل التجربة بنفسه، وهو صاحب المذكرات الراحل كَشكُول بن حسين بن علي الطُرفي (1925م – 1982م).

وكان كَشكُول في الخامسة من عمره عندما أُرسل (1930م) مع عائلته ضمن القافلة الثانية للمهجرين، وما عاد إلا وهو شاب في 17 من عمره تقريبا. كتب المرحوم كَشكُول شهاداته باللغة الفارسية، ولم يتسنّ له طبعها قبل أن يتوفى في عام 1982م، وبقيت المذكرات لعقود نسخة خطية تدور بين الأقارب والمحققين في الشأن الأحوازي حتى ضاعت، وما بقي منها إلا نسخة مصورة غير واضحة تماما، وعندئذ تدارك الدكتور عباس العباسي الطائي أمر هذه المذكرات، فأخرجها كتابا باللغة العربية يحمل عنوان (التبعيد الرهيب).

وأعاد الدكتور الطائي كتابة مذكرات المرحوم كَشكُول، ثم ترجمها إلى العربية، فعمل على ترتيب مطالبها وعنونتها، وقدّم لها، فأخرجها على هيئة كتاب أسماه (التبعيد الرهيب). وفي سبيل توثيق هذا الحدث التاريخي المهم  بذل الدكتور الطائي جهدا كبيرا، كما يشرح ذلك في مقدمة الكتاب. ثم تولت دار الشويكي نشر الكتاب، فأصبح إضافة قيمة على المكتبة الأحوازية، لا سيما في جانبها التوثيقي.

ويوضح الدكتور الطائي في المقدمة أن التبعيد حصل في دفعتين: ففي الدفعة الأولى والتي وقعت عام 1928م تم تهجير 85 رجلا من شيوخ قبيلة بني طُرُف، ثم بعد عامين وفي عام 1930م تم إلحاق عوائل الشيوخ المبعدين بهم، وهم 1500 شخص من أطفال ونساء ورجال. وعليه يتحدث كَشكُول في الجزء الأول من المذكرات عن لسان والده، وأما في الجزء الثاني فيكون كَشكُول هو الراوي إذ كان ضمن المبعدين فعاش المأساة لحظة بلحظة.   

ويجد القارئ في المقدمة قيمة مضافة على أصل المذكرات، إذ يحاول محقق الكتاب ومترجمه أن يضع حدث التهجير في موضوعه التاريخي الدقيق، ولذلك يتطرق إلى الثورات والانتفاضات والمعارك والحركات الأحوازية والتي بدأت منذ  أسر الأمير خزعل حاكم الأحواز (1925م) . وبهذا يرسم الدكتور خطا تاريخيا لأهم الأحداث الأحوازية المعاصرة، ليعرف القارئ من خلاله خلفيات الحدث ومآلاته. وكذلك يبین الدكتور عباس الطائي في مقدمته أهمية هذا الحدث، ومدى بشاعته، ثم يتطرق إلى مذكرات كَشكُول، ويوضح أنها تأتي في ثلاثة فصول يسبقها جزء تمهيدي مبسوط:

الجزء التمهيدي: والذي يصف فيه المرحوم كَشكُول الموقع الجغرافي لمنطقة سهل ميسان، ومن ثم يتطرق لمآثر قبيلة بني طُرُف في الدفاع عن الوطن، كما أن في التمهيد تقريرا عن جرائم النظام البهلوي، وشرحا للحظة التاريخية آنذاك، والتي شهدت الحرب العالمية الأولى، وصعود رضا خان في إيران، ومن ثم سقوط امير خزعل وضياع الحكم العربي في الأحواز. كما يذكر كَشكُول جرائم الحكم البهلوي في الأحواز عموما وفي منطقة سهل ميسان خصوصا.

الفصل الأول: وهو تقرير غير مباشر عن التبعيد الأول، إذ يرويه المرحوم كَشكُول بن حسين بن علي بن شرهان الطرفي عن قول والده الشيخ حسين بن علي بن شرهان الذي كان أحد المُبعدين وأبطال قصة التبعيد الأول، ويشتمل على شرح مأساة تهجير 85 شخصا من زعماء قبيلة بني طُرُف الذين ساقهم جنود رضا خان عام 1928م من ضواحي سهل ميسان (الخفاجية) إلى طهران.

الفصل الثاني: وهو تقرير مباشر عن التبعيد الثاني (1930م)، والذي فيه تم إلحاق العوائل بالشيوخ المبعدين، وهم 1500 شخص أغلبهم من الأطفال والنساء، ومعهم الطفل الصغير كَشكُول، وهو الراوي المباشر للفصل الثاني من الكتاب.

الفصل الثالث: وأما الفصل الثالث من الكتاب فهو شرح لأحوال المبعدين خلال اثني عشر عاما من المنفى، وتلك المرارة التي لاقوها جراء التنقل القسري بين المدن، فمن طهران إلى ضواحي مدينة ري، ثم الانتقال إلى شمال إيران، وتوزيعهم على أكثر من مدينة، وكذلك قصة العمل الإجباري في مصنع النسيج. وهكذا مرت اثني عشر عامًا حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، ومعها جاءت المفاجأة على حين غرة، فتم احتلال شمالي إيران على يد قوات الاتحاد السوفييتي، وجراء ذلك عاد المهجرون إلى وطنهم. وعندئذ لم يبق منهم سوى 600 شخص من أصل 1500.

وأما كتاب (التبعيد الرهيب) على ما فيه من معلومات قيمة ونافعة لا يخلو من عبارات ملتوية، وهذا ما يشير إليه الدكتور الطائي في أكثر من موضع من الكتاب، ومنها في هامش صفحة 77 بقوله: ” من الواضح أن كاتب هذه المذكرات كانت لديه الكثير من المعلومات لكنه كان يتحاشى التصريح بها، بل كان وكأن قوة تفرض عليه قول ما لا يريد قوله، وتغير الواقع، وعدم الإدلاء بأشياء كثيرة، وهذا ما يظهر من عباراته المقتضبة والملتوية أحيانا”. 

وقد يكون في عقود القمع المتتالية تفسير لما كانت عليه مذكرات كَشكُول من إكثار في العبارات الالتفافية وإيراد المجاملات مع الدولة الإيرانية. علمًا أن مضايقة الأحوازيين لم تنته مع انتهاء ذلك التهجير الجائر، إذ عاشوا الأحوازيون بعد ذلك، وحتى يومنا هذا ظروف قمع لا يسهل تجاوزها. وقد يبدو أن الشيخ كَشكُول كان يتوخى حذرا شديدا من مواجهة الأمن الإيراني، وقد يكون في عدم نشر مذكراته أثناء حياته دليل على ذلك. 

وكان نشر كتاب (التبعيد الرهيب) ثمرة عمل تكاملت حلقاته عبر عقود، حيث استطاع بفطنته أن يوثق المرحوم كَشكُول الطُرفي مأساة التهجير بكل ما فيها من مرارة، ثم جاء الدكتور الطائي وحول ذلك الإرث إلى كتاب من أروع ما يكون، وعندها التقطت دار الشويكي للنشر تلك المبادرة، فتولد كتاب (التبعيد الرهيب). وبهذا استطاع هؤلاء الأحوازيون، وعلى بعد المسافات والأزمنة، أن يكونوا  فريقا متكاملا حولوا التهديد إلى مكسب أحوازي، وها نحن اليوم نحتفل به.

 

 

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here