تارة على هيئة مجموعة شعرية، وأحيانا عن أحد أعلام الفن أو الأدب، وتارة أخرى عن تاريخ مدينة من المدن الأحوازية، تصدر أبحاث الأحوازيين بين الحين والآخر، وكل ذلك للذود عن الذاكرة الجماعية، ولخلق تراكم ثقافي، ولإثراء المكتبة الأحوازية، وفی هذا الخضم يشهد جمع حماة الثقافة والهوية العربية في الأحواز باستمرار إضافات مباركة، فتحتفل ساحة العطاء الثقافي بزيادة باحث أو كاتب أو شاعر.
“الحميدية: المكان والإنسان عبر التاريخ” عنوان كتاب جديد، لكاتبه علي إبراهيم الزّابي، نشرته مؤخرا دار جسور للنشر، مراجعة الكتاب وتدقيقه كانت على عهدة الأستاذ توفيق النّصّاري، وجمال الغلاف هو من إبداع بدر النّصّاري. وفي الكتاب محاولة جادة لتوثيق تاريخ مدينة أحوازية عريقة، و ذلك بالاعتماد على: شهادات ميدانية، ومرويات كبار السن، ومصادر محلية، إلى جانب وثائق وأرشيفات نادرة.
وأما الحميدية، فكما جاء في مقدمة الكتاب: “تعدّ إحدى المدن العربية الواقعة في الأحواز، وتحديدا على بُعد نحو خمسة وعشرين كيلومترا شمال غرب مدينة الأحواز عاصمة الإقليم الإدارية، وقد شكّلت بحكم موقعها الجغرافي، مركزا إداريا وثقافيا ذا أهمية محلية، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد سكانها تجاوز الستين ألف نسمة، وما تزال اللغة العربية حاضرة بوصفها لغة التداول اليومي بين سكانها، محافظة على خصوصية لهجوية تنتمي إلى الفضاء الثقافي الأحوازي”.
ويجد القارئ لكتاب “الحميدية” مادة دسمة يستطيع من خلالها التعرف على هذه المدينة تعريفا شاملا، كما يلمس بوضوح أن المؤلف حرص بكل قوة ألا تضيع من بين يديه معلومة مادية كانت أو غير مادية، ولجمع المعلومات اعتمد الزابّي على عشرات المصادر بمختلف أنواعها، متوخيا حذرا كبيرا في انتقاء المعلومة.
وأما عن تقسيمات الكتاب فهو مقسم إلى ثلاثة فصول: الجغرافيا، والتاريخ، والأنثربولوجيا. والملحق يلي تلك الفصول الثلاثة، والذي خصصه المؤلف لمختلف الرياضات في الحميدية، من سباق الخيل، وسباق الجمال، وكرة القدم، والفنون القتالية، فيتناول تاريخ هذه الرياضات في المدينة، ويوثق أسماء أبطالها والقائمين عليها. وفي نهاية الكتاب تصطف المصادر، وهي قائمة طويلة من المراجع العربية والفارسية والإنجليزية.
الفصل الأول من الكتاب خصصه المؤلف، علي إبراهيم الزّابي، للجغرافيا، فيتطرق فيه إلى تحديد موقع الحميدية بين المدن الأحوازية، ثم يشرح الخصائص الطبوغرافية للمدينة من تلال وجبال وسهول وغابات وأنهار، ويأتي في هذا الفصل على قرى الحميدية ويسميها واحدة واحدة، ثم يشرح ما يتسنى له عن تاريخ وسكان كل منها، كما أن الفصل فيه تفصيل عن الثروة الحيوانية والزراعية في المدينة.
ومن أكثر ما يعلق في الذهن من الفصل الأول هو تعدد أسماء الحميدية عبر تاريخها الطويل، ولإثبات كل من تلك الأسماء يستشهد المؤلف بالمراجع التاريخية، فيخلص أن في العصر الإسلامي كانت تسمى الحميدية بنهر تيري، ثم غابت المدينة لبرهة عن مسرح الأحداث، وعندما عادت في العصر المشعشعي كان اسمها “نهر هاشم”، ثم عرفت في العصر الكعبي بـ”العِلّة”، وبعد أن شيّد الشيخ عبد الحميد الشيخ خزعل قصره على أراضيها، لازمها اسم الحميدية، وبقي معها حتى يومنا هذا.
وأما الفصل الثاني من الكتاب فمحوره التاريخ، وفيه يلتزم المؤلف بالترتيب الزمني بدءا من العصر الإسلامي، ثم المشعشعي، ثم الكعبي، ثم العهد البهلوي، ثم ثورة 1979، أي الثورة الإسلامية، ويشرح الأسباب السياسية والاجتماعية والطبيعية في ازدهار أو تراجع هذه المدينة في كل حقبة تاريخية، ويخصص جزءا من الفصل للحرب العالمية الأولى وما آلت إليه من وقائع تاريخية، ومن أبرزها حرب الجهاد، كما يتطرق الفصل لتاريخ مشاريع الرّي ويبين مدى أهميتها في التغيرات التي شهدتها المدينة سلبًا كانت أو إيجابا.
وقبل أن ينتهي الفصل الثاني يفرد المؤلف صفحات قليلة منه للنشاط السياسي المعاصر، وبينما يخص حزب “توده”، والذي يختصر نشاطه على بضع سنوات، يتجاهل تماما وجود الحراك الوطني الأحوازي العريق في هذه المنطقة. ولا تثريب على الكاتب ولا على المُراجع العلمي، فالفاعل الثقافي في الداخل يعرف أسباب مثل هذا السكوت ، إذ أن جوانب كثيرة تقع ضمن قائمة التعتيم الصارم، فما يبقى للكاتب سوى قول جانب من الحقيقة، وتأجيل جانب آخر منها.
وأما الفصل الثالث فمحوره الإنسان (الأنثروبولوجيا)، ويأتي الكاتب فيه على ذكر العشائر والقبايل التي تسكن الحميدية، ويقول الكاتب: أن أهل الحميدية عرب أقحاح، لغتهم اليومية عربية، وأغلبهم مسلمون على المذهب الشيعي، ومعهم عدد من المتسننين، وتشكل الطائفة المندائية (الصابئة) في هذه المدينة أقلية دينية لها جذور تاريخية بعيدة. ثم يتطرق إلى كيفية جلب العجم المستوطنين (الفُرس) لها، وكيف أنهم رجعوا إلى أوطانهم بعد عقود من الزمان.
ويجنح الفصل الثالث من الكتاب بالأخذ بيد القارئ، فيسير به في الحميدية، وبين أحيائها القديمة والجديدة، ثم يطوف به في مساجد المدينة، والأماكن الدينية، والمعالم الأثرية، ثم يشرح للقارئ أعياد أهل المدينة، ومراسم عزائهم في شهر محرم، ثم يسرد القصص، والأساطير ويتحدث عن الألعاب الشعبية، ويذكر أصحاب الحرف، والقدماء في كل مهنة، فيعيش قارئ هذا الفصل من الكتاب أجواء الحميدية، وسيعرف عنها الكثير.
وجاء كتاب الحميدية في إخراج جميل، ونصه عربي، وعصري، وجميل، وخال من الهفوات. كما أن ترتيب الفصول، و نظم الفقرات، والدقة في ذكر المصادر، ومراعاة قواعد التحقيق، كلها تنبئ بعمل متقن، يمثل خطوة ناجحة إلى الأمام في عالم الكتابة والنشر العربي في الأحواز، كما أنه جاء كبارقة أمل تنبئ بغيث نأمل أن تمطره دار جسور للنشر على أرض الكتاب، لا سيما وأنها دار نشر حديثة النشأة أبدت حتى الآن نجاجًا فيما قدمته من جديد لعالم الكتاب في الأحواز.
ويكشف كتاب الحميدية مرة أخرى عن إصرار عند عدد من النخبة الأحوازية على العطاء رغم كل ما يعوق العمل ويبطئه، فالعمل الثقافي في الأحواز فيه من الصعاب ما يرهق العاملين في هذا المجال، ومنها التعتيم الحكومي، وغياب المؤسسات الداعمة، والمال المفقود، وشح القراء، وكلها تزيد من صعوبة العطاء، فالعمل الثقافي في الأحواز كالسير في المرتقى، صعب لكنه نحو الأعلى.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
