فن وثقافةالمخرج والكاتب الأحوازي حبيب ساجد باوي: هواجس قريبة في مهرجانات بعيدة

المخرج والكاتب الأحوازي حبيب ساجد باوي: هواجس قريبة في مهرجانات بعيدة

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

حبيب باوي ساجد، المخرج والكاتب الأحوازي؛ تتوالى أعماله الفنية من كتب وأفلام سينمائية ووثائقية، وكذا جوائزه من المهرجانات العالمية، وبكل هذا يسعى حبيب إلى كسر جليد الفتور الثقافي في الأحواز؛ ويطمح إلى أن يصعد بالأحوازيين و هواجسهم إلى مشهد الفن العالمي. تلقى رسائل هذا المخرج الأحوازي قبولا عالميا فتجد طريقها إلى المهرجانات الفنية، وفي الأحواز يقرأ الفنان والناشط الثقافي في تجربة حبيب أن العوائق قد تبطئ وتيرة العطاء لكنها لن تستطيع إيقافها.

يحصد حبيب ساجد جوائز المهرجانات العالمية؛ فيعود إلى واجهة الخبر الفني عموما وفي الأحواز خصوصا. قبل أيام فقط وفي (إبريل/ نيسان 2026) وفي الدورة الحادية عشر لمهرجان الواسط في العراق تم تكريم حبيب ساجد باوي على جهوده ومثابرته في الأنشطة السينمائية. وبحسب تقرير “سينما سينما” فإن هذا المهرجان الدولي يستضيف سنويّا في مدينة الكوت بمحافظة واسط صناع الأفلام، وذلك تحت شعار “السينما ثقافة الشعوب”. وأما في هذه الدورة فيتنافس 17 فيلما قصيرا على الجوائز الرئيسية، والتي تشمل الميداليات الذهبية والفضية والبُرنزية.

وُلد حبيب ساجد باوي سنة 1980 في الأحواز، وبدأ نشاطه الفني المبكر عام 1994 من خلال المسرح. وهو الآن مخرج وكاتب قصصي وصانع أفلام وثائقية، وعضو في شبكة صناعة الأفلام الوثائقية الأوروبية، وكذلك في الجمعية المهنية لصانعي الأفلام الوثائقية في إيران. وفي سجل أعماله الفنية حتى الآن أكثر من ثلاثين فيلمًا قصيرًا ووثائقيًا وروائيًا، وكذلك كتبا في الأدب والفن وتحديدا في السينما.

أخرج حبيب أول فيلم له تحت عنوان “من الحُلم إلى الواقع” وهو في 17 من عمره. يروي هذا الفيلم القصير قصة بائع متجول صغير يعشق السينما، تطارده البلدية وتسلبه بضاعته، ومن ثم يطرده أبوه من البيت، فيلجأ إلى السينما الذي كان يرتادها لكن لا يجد من يأويه. وبحسب ما يقول حبيب فإن في عمله الأول انعكاسا واضحا لحياته وطفولته. نجح حبيب رغم شح الإمكانات في كسر رهبة البدايات ثم سار في سرد أحوال الأحواز؛ من بيئة وهوية وفقر ونفط، بالأفلام تارة وبالكتابة تارة أخرى.

 وفي عناوين أعمال حبيب دليل واضح على هواجس هذا المخرج الأحوازي، وخذ منها مثلا: المحبيس (وهو اسم لعبة شعبية في الأحواز)، و “15” وهو فيلم يحكي قصة أطفال العرب وحرمانهم من التعليم بلغة الأم، والاسم مأخوذ من المادة 15 في القانون الأساسي الإيراني والتي تسمح بتعليم اللغات غير الفارسية، إلا أنها مادة معطلة منذ عقود طويلة، وكذلك “عرزال” وكارون والأحواز وحاوي وإلخ. ليس هذا وحسب بل الموسيقى والفضاء والغناء والزي كلها مجندة في منتجات حبيب لخدمة رسالته في الحديث عن الأحواز ولها.       

عرضت أفلام حبيب في أبرز المهرجانات الدولية وحصدت جوائز عالمية  ومنها جائزة التحكيم في الدورة الأولى من مهرجان “الفيوم للبيئة والفنون المعاصرة” في مصر، والتي مُنحت للفيلم الوثائقي “الأحواز ـ كارون” من إخراج حبيب ساجد باوي. وبحسب مهدي منصوري، المستشار الإعلامي للفيلم، فإن لجنة التحكيم رأت أن “كارون ـ الأحواز” يستحق جائزة أفضل فيلم وثائقي لما قدّمه من صورة إشكالية وتحذيرية عن الصدام بين البيئة وتمدد الشركات النفطية، فضلًا عن اهتمامه بأهالي المنطقة.

وبعد ذلك عُرض “كارون ـ الأحواز” في القسم الرئيسي من الدورة الخامسة عشرة لمهرجان “الخريبكة” الدولي في المغرب. وكان حبيب باوي قد نال سابقًا الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في هذا المهرجان نفسه عن فيلمه “تهويدة الحرب”. ويُعد مهرجان “الخريبكة” من المهرجانات المهمة والمرموقة في العالم العربي، ولا سيما في المغرب العربي.

وعبر فيلم “سامي” سجل حبيب ساجد باوي في رصيده إنتاج أول فيلم سينمائي ناطق بالعربية في تاريخ السينما الإيرانية. تدور أحداث الفيلم في جغرافية الأحواز، وتروي قصة حب رجل لم يستطع طوال عشرين عامًا أن يصدّق فقدان زوجته. وقد عُرض فيلم “سامي” في مهرجان روما، كما أنه حصل على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان “قازان” في روسيا.

فيلم عِرزال

أما “عرزال”، الفيلم الطويل الثاني لحبيب، فيتناول هو الآخر الحب، في فضاء عربي وبالاستفادة من الأجواء المحلية. كما تضيف مينا إدريس ـ الفنانة الأحوازية ـ بصوتها جانبا جماليا آخر للفيلم، لا سيما وهي تغني قصائد من الشاعر الأحوازي عبد العظيم السوداني، وهكذا غدا “عرزال” أشبه بمجموعة متكاملة من الفنون العربية المعاصرة في الأحواز؛ من شعر وموسيقى وصورة.

ومن خلال فيلم “البنات” شق طريقه إلى مهرجان المنامة في البحرين. وفي هذا الفيلم، الذي تولى إنتاجه، يجري تناول إشكالية بلوغ الفتيات في المجتمعات التقليدية والمحلية، عبر التركيز على البيئة الشعبية والاستعانة بعوامل محلية.

يحاول حبيب جاهدا أن يلتقط تفاصيل الأحواز كلها، وكأنه يحمل مهمة رسم لوحة كاملة ودقيقة وجميلة عنها. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في جميع أعماله؛ من أحمد محمود في فيلم “قلمرنج”، إلى حكاية كرة القدم في الأحواز ووثائقي “برزيلته”، إلى الزقورات والسوس في فيلم “خالد”، مرورًا بسينما الجنوب وغيرها. ويرى حبيب كما يقول هو نفسه: أن الفن نقطة التقاء الثقافات والحضارات، تماما كما الأنهر؛ كالنيل والفرات وكارون.

وإلى جانب حضوره البارز في السينما، يمتلك ساجد باوي عددا من الكتب المعروفة في مجالي السينما والأدب ومنها: مجموعة قصصية بعنوان “عِصابة”، وكتابًا بعنوان “ماذا نعرف عن السينما العربية”، وآخر بعنوان “أحمد محمود”، كما صدر له مؤخرًا كتاب بعنوان “سينما اللاشيء”، وكلها باللغة الفارسية.

في سيرة حبيب تذكير صارخ بأن ثمة فرصة لإحداث التغيير مهما ساءت الظروف وتردى مستوى الإمكانيات، وأن بإمكاننا دائما فعل شي وترك أثر، حتى لو اختصر الأمر على الإشارة إلى معضلة ما، لعلّ آخرين يرون فيشغلهم أمر البحث في الحلول، وعسى أن يُكتشف طريق وتولد بداية.

بهمومه القريبة سافر حبيب باوي إلى الأماكن البعيدة، وفتح باب الحوار في المهرجانات العالمية عن أناس في أقصى الهامش، وتحدث بلغة السينما والقصة والموسيقى والشعر بلسان ملايين البشر، فصعد بأصوات الأهوار وبساتين النخيل ومزارعي كارون والكرخة والجراحي وغيرهم إلى خشبة العالم؛ وبذلك فسح لهم المجال ليقولوا ما هو مسكوت عنه.

الأعمال الكبيرة يتم التقاطها من مختلف المسافات، كما رأى مهرجان الواسط في العراق، أعمال حبيب ساجد، وكذا مهرجان الفيوم المصري، وخريبكة المغربي، ومهرجانات قازان الروسية وروما الإيطالية والمنامة البحرينية، وكذلك نحن محبي فن حبيب ساجد باوي؛ التقطنا رسالته، ورأينا بريق عمله الكبير.

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here