مقالاتالنضال الأحوازي بين الراديكالية والبراغماتية

النضال الأحوازي بين الراديكالية والبراغماتية

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة 

بإمكان المرءِ أنْ يتسائل وهوَّ يتابع المنظمات الأحوازيَّة، إلى جانب المثقفين والنخب، في الداخل والخارج على سواء، عن الدافع الثاوي خلف مواقفهم تجاه القضيَّة الأحوازية، بين الدعوة إلى التحرير وقبول الفدرالية أو الحلول ضمن إطار الدولة، دولة الاحتلال الإيراني.

ما هو باعث المنظمات الأحوازية والنخب والمثقفين والناشطين على اتحاذ المواقف الثلاث، المشار إليها، من القضيَّة الأحوازية؟ هل هذه المواقف نابعة عن دوافع إيديولوجيَّة وأغراض سياسيَّة معيَّنة؟ أم تصدر عن عوامل قسريَّة لا شعورية فرضتها ظروف التاريخ الأحوازي؟ ما الذي يَحْدُو بمنظمة سياسيَّة ما، أو بنخبة ما، إلى العدول عن التحرير بُغْية الفدرالية، أو من الفدرالية إلى القبول بالحلول داخل إطار دولة مركزية؟ أو العكس. ولماذا ينطلق الانقلاب في الأعم الأغلب من الدعوة إلى التحرير ليرتضي بالفدرالية، أو بمجرد حقوق ضمن إطار الدولة؟ متجردا هكذا عن الدعوة الحقَّة لتحرير الوطن المغتصب.  

إنَّ البحث في هذه الدوافع قاد الدراسة نحو التماس أسباب ذلك في بُعْديْن، بعد داخلي ناتج عن المجتمع الأحوازي، وبعد خارجي مفروض من قبل الاحتلال الإيراني. وذلكم البُعْدانِ مجتمعيْنِ معا فرَضَا تغلَّبات في المواقف، وأبعدا الشعب، بمنظماته ونخبه، عن الراديكالية في المواضع، إلى براغماتية زئبقية، أشبه بالنفعية.

وأبرز العوامل الداخلية هي ثقافة الاقتصاد على الضروري من الحياة التي هي منذ القدم حياة مَسْغَبة وشظف عيش؛ يكدُّ فيها المرء في أقلِّ القوت وأدنى السلام والأمن؛ لأنَّ السلام والأمن سلعتان نادرتان في مجتمع عنيف تنفلت فيها الناس عن العُقل لأتفه الأسباب، ويشبُّ فيها النزاع. وفوق هذا كلِّه جاء الاحتلالُ الإيراني ليَزيدَ حدَّةَ الاكتفاء بالضروري، ويزيد المجتمع عنفا، هو عنف الدولة، أفضى إلى اخصاء المجتمع العربي الأحوازي 

الرديكالية والبراغماتية

الرديكالية مفهوم حديث (Modern) أشتقَّ عن اللفظ اليوناني radix، وله دلالة على الجذر والأسس. ولذلك يعني التفكير الراديكالي التركيز على جوهر القضية أو الظاهرة أو المفهوم، والنفاذ إلى بطانته وجوَّانيته، لإشهار كل ما ينطوي عليه وإظهار أجزائه كلها. ثمَّ بعد ذلك بيانُ الظروف والأفكار والبنى التي أدَّت إلى أنْ يكون الشيء محل البحث على ما هو عليَّه. وبناء على ذلك كلِّه ستعني الراديكالية إزاء القضيَّة الأحوازيَّة الرجوع إلى جذور الإشكالية مع الفرس، وبيان بنية العلاقة التي أفضت إلى أن يتسيَّد الفارسي على أرض الأحواز، ويدين العرب أهل الأرض لسلطانه الثقافي والسياسي معا. إنَّها ليست إرادة الفوضى أو الخروج عن المألوف، بل هي تحري بدء الاعوجاج والفساد، وابتغاء وضع أسس غير تلك الفاسدة لبناء إنسان عربي غير خاضع غير منقاد. وإذا ما كانت فكرة الراديكاليَّة هي تناول الأسس وكشفها أو فضحها، فإنَّ العمل على أساس مثل هذه الأفكار يتطلب عملا راديكاليَّا أيضا لا يقف عند القشور بل يصيب اللُّب. والعمل الراديكالي هنا لا ينشغل بظواهر مبهرجة، ويَعَافُ الجوهر، بل يتوغُّل في بواطن المجتمع والدولة في الأحواز، وفي إيران، حتى ينكشف له براديكاليته أن القضيَّة ليست منوطة بمنح حقوق، أو بنظام حكم مركزي أو فدرالي، بل هي قضيَّة عبد وسيد، وقضيَّة إفساد تاريخي للتطور الحضاري الأحوازي الذي وقف عن النَّماء إثر ضربات متتالية وجهتها له دولة الفرس منذ المشعشعين ورضا خان إلى يوم الناس هذا

والطرح الرديكالي يُولِّي وجهه شَطْرَ التاريخ يستفتيه، ويسائله عن تلك المغبَّاب التي أفضت إلى إخضاع الأحواز للفرس، واستباحتها على يدهم؛ ولا يسمح مثل هذا الطرح بالحديث عن تعددية بين الأحوازيين، العرب بالضرورة، وبين مستوطنين لر وشوشتريين وغير هؤلاء المجرمين. إنَّه الجذر يظهر على سوقه وفي أُلَقه يحمَّل على الناظر صورة ذلك الصراع الأبدي الذي تمَّ لغاية الآن بظفر الفرس وهزيمة العرب الأحوازيين، ولن تفيد (الصورة الراديكالية تلك) بقيام قائمة إلى هؤلاء المنهزمين إلا بعد كسر الفرس وتحطيم سلطانهم. 

ولا تعني الردايكاليَّة بالضرورة العنف، إنما الالتزام والإيمان الراسخ بصحة العقيدة، والمضي فيها، وعدم التراجع عنها؛ ليس لأنَّها صحيحة فحسب، بل لأنَّ الواقع لا يمكن أن يُبنى ويتمأسس على غير أسس قويمة؛ إذ كلَّما استمرَّ البناء على أسس فاسدة استدامَّ الظلم والمعادلة المبنية على سيد وعبد. 

أما البراغماتيَّة التي يتم استعارتها هنا كمقابل للراديكاليَّة، نظرا للوضع الأحوازي دائما، فما أكثر إساءة استخدامها إضافة إلى انعدام إمكانية استعارتها أصلا ومن أول الخط، إذا دار الحديث عن الأحواز. إنَّها في جوهرها عبارة عن تقديم فكرة المصلحة والتبعات الناتجة عن موقف أو عن فكرة، والنظر إلى ما ستجلبه على الفرد والمجتمع. إنَّ قيمة الأفكار والمعتقدات هنا تنبع عن تبعاتها وآثارها العملية. ففكرة تحرير الأحواز مثلا، ليست قيَّمة بحدَّ ذاتها، بل قيمتها تنبع عن حجم تبعاتها (وتحرير الجزائر مدان تماما براغماتيَّا لأنَّه تمّ بمليون شهيد). ونظرا للحالة الأحوازيَّة فإنَّه لا يمكن استلاف فكرة البراغماتيَّة ثمَّ جعلها مرفَّلة بغلاف فلسفي للتستر على خضوعها وميوعها ورخاوتها.

«إنَّ المنطق السياسي يحتِّم أنْ نقدِّم المطالبة بالفدراليَّة، ثمَّ نكتسب من الفرس استقلالنا بعدها لأنَّ الفدراليَّة مران الاستقلال»! «القومية المنادية بالعروبة وحدها لا تنفعنا لأننا نجاور اللر والدسباله والشوشتريين، وهؤلاء كانوا في الأحواز منذ القدم، وشاهد ذلك نعمة الله شوشتري في كتابه تذكره شوشتر»! ومثل هذه الجُمل المُقيتة كم تدوالتها ألسن المناضلين، ومبررهم في ذلك منطلقات براغماتيَّة، يَعْلمونها أو يجهلونها، والحال أنَّ الثَّاوي خلف هذه الأصوات النشاز صيرورة مجتمعية وتاريخية في الأحواز جعلت الضحية يخشى الصراخ بأعالي الصوت أملا بأنْ لا يغضب الجاني!

وهذه الظاهرة، ظاهرة التخلي السريع عن الموقف الراسخ تجاه الثوابت الأحوازية، وعلى رأسها الموقف من التحرير، التي يُطلق عليها اليوم البراغماتيَّة، أو الدهاء السياسي أو الحنكة العملية، هي موضوع التحري فيما يلي.    

  • ثقافة الاكتفاء بالضروري

يظهر من تتبع التاريخ الأحوازي القريب (خاصة المحكي المتداول بين جيلين أو ثلاثة أجيال تعاصرت، وهو التاريخ المصادف للاحتلال الإيراني) وتاريخ ما قبل الاحتلال، على سواء، أنَّ العُسر والشدَّة كانتا سمة الحياة. فلم تكن الناس في رخاء، ولم تكن العُرب ميسورة الأحوال في القوت والاحتياجات اليوميَّة.

وهذه الصفة، صفة الحياة العسيرة بين السواد العامة، ملازمة العالم القديم في كل المعمورة، حيث كانت الناس على فاقة، لا ينعم بالرخاء منهم سوى العلية في كل مجتمع وجماعة، حتى أتت الحداثة فغلبت الأحوال والتقسيمات المجتمعيَّة، ومنحت حق الرخاء وبُلَهْنِية العيش لكل بشر. ولذلك ليس بدعا القولُ بأنَّ حياة عامة الناس في العصور القديمة، الأحوازيَّة والعربيَّة والإيرانية، كانت حياة مَخْمَصة وضنك (يكفي لإثبات ذلك تصفح كتب الرَّحالة). 

ومن البدهي والحال كذلك أنْ تكتفي الناس بالضروي من الحياة، وما به بُلْغة العيش، وتقتصد على سدِّ الرَمَق. وهذا الاقتصاد على الضروري طبع حياة الناس، وقولب عاداتهم، وطبَّع سلوكهم، وصاغ تصرفاتهم، حتى نزل منزلة الجبلَّة، ولازَمَ الذات. وهكذا يكون المقتصد في الضروريِّ مقتصدا أيضا في الطموح، وقنوعا في الرجاء، وموِّفرا في الأماني، بل ومقتصدا في القيَّم أيضا. هذا هو الصرح الفكري الذي بناه العلَّامة كارل ماركس حين أثبت بقوة تلازم الوضع المعيشي والوضع المعنوي، وكشف عن ترابط الحياتي الاقتصادي بالمعنوي السلوكي. فحين يرتمي البشري بوضع معيشي معيَّن، ينعكس ذلك مباشرة على خلقه وشخصيته ونفسيته، خاصة إذا كان الوضع هو ما قبل الحديث، في عالم يخلو فيه ما يكسر القواعد الصلبة المجتمعيَّة. 

  • علية وعوام: وهذا بالتحديد هو ما كان عليه الوضع في المجتمع الأحوازي، حيث كان عِلْية في القوم هم شيوخها وأصحاب الملك والإقطاع منها، وعامة الناس من المزارعين والكادِّين المقتصدين على ما يسدُّ الرَّمق ويحفظ العيش الكفاف. هذا الإنشطار هو سمة المجتمع الأحوازي منذ أقدم العصور، وهو ظاهر في حكاياها وقصصها وجميع جوانب حياتها الماديَّة والمعنويَّة. ولذلك تجد المجتمع القديم، ما قبل الحديث، خامدا فاترا، لا يعلو فيه غير صوت العلية، معاركة للمجد وبعثا للرسالات وطلبا للسؤدد.

لقد كان الناس والثقافة العامة، الدينية والأساطيرية، ينظرون إلى أصناف المجتمع وطبقاته، على أنها قَدَرٌ من السماء، ولا يمكن تغييرها، ولذلك يرتضون بها. فكثيرا ما يولد المرء فلاحا في أسرة فلاحة، ويموت على فلاحته، وتتوالى الأجيال على حاله، أب عن جد، دونما تغيير يذكر في وضعهم المجتمعي الاقتصادي؛ بل إنَّ معرفة الناس بمنازلهم، التي ورثوها عن وضعهم الأسري، كانت تعدُّ فضيلة بحد ذاتها، ودلالة على صحة التربية وسلامة التنشئة. ولا يمكن في هكذا مجتمع التماس التغيير في توزيع الثروات، أو طلب العدالة والمساواة، أو خروج احتجاج على سوء العيش؛ إلا إذا بلغ السوء مرحلة تهديد النفس وقتل الأرواح جوعا.

وفي مثل هذه الظروف سيطوق طموح أفراد المجتمع، وأكثريَّة الناس، وتضيق آفاقهم، فتلحظهم مقتصدين في كل شيء، في المأكول والملبوس والمركوب، ثم يتعمم هذا الاقتصاد على مطالباتهم فلن يتجاوز مطلب واحدهم تحديد ما ليَّ وما عليَّ، بل كل ما في الحياة والمجتمع، هي هبة تُمنح، وواجبات تُؤدَّى. إنَّ المطالبة بحق الفرد، هي مطالبة حديثة، لم تولد بعد، ولذلك ظلَّ المجتمع في الأحواز، إلى ما قبل بضعة عقود، يجهل حقوقه المتعلقة به لمجرد صفته البشرية، وواصل التصرف بمعزل عن حقوق يطالبها ويتمتع بها. وهكذا تحددت الثقافة العامة على الاقتصاد في كل شيء، ليس الاقتصاد على المأكول فقط، بل الاقتصاد في القيم، والاقتصاد في الحق، والاقتصاد في الطموح إلخ. ولذلك بات المسار من الحياة المكتفية بالضروري، إلى الحياة ذات الثقافة المقتصدة مسارا طبيعيا.     

هذا هو طابع الحياة القديمة، وسيماها العام، إلى أن جاءت الحداثة، فمنحت لجميع الناس الحق، وحوَّلت الحياة من تراتبية بين الجماعة الواحدة، إلى مساواة في الجوهر والوجود، فأصبح حق الناس جميعا أنْ ينالوا كل ما يناله جهدهم وجدارتهم. وهكذا أخذت الثقافة المكتفية على الأقل من كل شيء مادي ومعنوي، إلى ثقافة بدأت تطمح للمزيد، وتبتغي التقدم في جميع مناحي الحياة. وبينما تطلَّب هذا المنجز من الأوربيين قرونا، فإنًّ بداية خَطْو الشعب الأحوازي نحو ذلك تعكَّر أوَّلا لأنَّ شذرات ذلك التفاضل التراتبي بقيت على تأثيراتها ولم تزول، وثانيَّا لأنَّ الاحتلال الإيراني تمَّ في عزِّ دخول الحداثة للأحواز، فأعاقها وأماتها، ولم يسمح بالوصول منها إلا ما أراد (من الحداثة الأوروبية).    

  • الاحتلال وتعكير الدينامية الاقتصادية: لقد تزامن ظفر الاحتلال الإيراني على الشعب الأحوازي باكتشاف النفط تزامنا شؤْما. فبعد بضعة سنوات فقط من اكتشافه في أواخر حكم الأمير خزعل، أتت جحافل الجيوش الفارسية واستولت على أرض الوطن. وأولى نتائج ذلك لم تكن غير منع ثروات هائلة عن أصحابها؛ تلك الثروات التي بنت الدولة الإيرانية، وجعلتها أغنى الدول في العالم، تعبث نخبتها فيها في نزواتها وعيثها. 

كما كانَّ محتملا جدا، مقارنة بدول الخليج العربي، أنْ تكون أولى نتائج العائدات النفطيَّة إحداث تحول جذري في العلاقات المجتمعي!َة على صعيد تجاوز الحياة المقتصدة، وما يترتب عن ذلك من تحول الثقافة العامة من حياة الاقتصاد في كل شيء، إلى حياة الطموح وتوخى المزيد. إنَّ منع الأحوازيين حق التصرف بثرواتهم لم يستَبْقِهم على شظف العيش فقط، بل أعجزهم بالدرجة الأولى في بلورة ثقافة حديثة، تسعفها العوائد، وتشكل عقلانية تقتصر قرونا من التقدم، وتبلغ بهم إلى مرحلة يعاد فيها صياغة التعقل، ونبذ الرسوبات القديمة البالية، وبناء إنسان حداثي بروح عربيَّة. 

وبينما عمل الاحتلال على تنميَّة اقتصاده عبر الثروات التي نهبها، فإنَّه عمل بجد على إبقاء التراتبية المجتمعيَّة في الأحواز، تلك التراتبيَّة التي كانت تعبيرا عن الاقتصاد القديم، الزراعي الطابع، القائم على صاحب الأرض والفلاح: على الرغم من أنَّ هذا النمط من الإنتاج قد انتهى، لكنَّ الاحتلال أبقى البنية المجتمعيَّة المنبثقة عنه، ليُصبح المجتمع ذا بنيَّة هزيلة، غير مقتعدة على أساس اقتصادي يوائمها. وهكذا بقت التراتبيَّة سارية المفعول، بين شيخ وعامي وثقافتها المتعلقة به، بينما الأوضاع الراهينية غير متصلة بهذه التراتبية؛ ليظهر عن كل ذلك مجتمعا لا هو بالقديم ولا بالحديث ولا بالنامي ولا بالمتخلف، بل هو مزيج لا يمكن إيجاد وصف يليق به سوى مجتمع الاحتلال.  

لقد دمرَّ الاحتلال الإيراني بنية نمط الإنتاج الأحوازي القديم، وبنى اقتصاده القائم على المستوطنين (أجل المستوطنين اللر والدسبالة والشوشتيريين الذين يناصفوننا الأرض والوطن وفق الدعوات الفاسدة للتعددين السوبر إنسانويين) في مدن الأحواز وحواضرها، لكنَّه بالآن ذاته أبعد قاطبة الشعب عن اقتصاده شبه الحديث، واستعاض المستوطنين بأهل الأرض، فداخ الأحوازي بفقره الذي اشتدًّت وطأته عليه فصار بين رمضاء البطالة وتهديم الاقتصاد القديم، ونار المدن والحواضر التي خربت ولم تعد تحميه.      

  • المجتمع العنيف

يعدُّ العنف في المجتمع الأحوازي فضيلة، إلى غاية اليوم، وجزءًا من ممادح الرجل. والعنف يعني هنا صورته المجردة الدالَّة على الافتراس والضراوة. وباعثه هو مجرد الاختلاف، أو طمعا في مال أو جاه؛ وإنْ كان حافزه غالبا سرعة الإقدام وهيجان النفس نحو العمل، دون رويَّة ولا تؤدة. 

لم تصل الثقافة الأحوازيَّة العامة التي تعاني من رسوبات المجتمع القديم في شتى تمظهراتها، إلى صياغة أساليب أو ضوابط سلوكيَّة تحدد بها سبل إدارة الاختلاف، وطرق التعامل مع تنافر الآراء؛ وظلَّ اللجوء إلى العنف السبيل الأكثر اختصارا وإتاحة للتعامل؛ ليس لأنَّه غريزي فحسب بل لأنَّ العقوبة الوازعة عنه منعدمة أيضا. 

ولسهولة اندلاع النزاع في كلِّ لحظة، أصبح الأمن في المجتمع الأحوازي سلعة نادرة وشحيحة تماما كما هو شح الاقتصاد وخصاصة المعيشة. وبما أنَّ البشر حريص على الأمن، فإنَّه بعد نَزْغِهِ وافتراسه، يجنح مباشرة نحو السلام، ويرتضي للحصول على السلام المؤقت الذي سرعان ما سينتهي بدورة عنف مستأنفة، بكلِّ حَلٍّ، وإنْ كان حلا لا يراعي حقوق الضحية والجاني معا؛ بل هو حل يتحصل عليَّه بأي ثمن من أجل سلام مفقود سينتهي قريبا، ويقتضي الاستعداد لدورة عنف متجدد تطير بالسلام.  

وهذا هو باعث ذلك الترابط المباشر بين مجتمع نشأ على العنف وافتقاد السلام، وبين رضاه بكل حل يؤدي إلى السلام مجددا، وطريق كل ذلك المعبَّد أمام تقولب الثقافة على القبول بالحلول النصفية، والابتعاد عن الحلول الجذريَّة الراديكاليَّة التي تقتلع جذور المشكلة من أساسها وتهدم بنيانها لبناء عمارة قويمة لا يعتورها الفاسد. 

  • ثقافة الفزعة: إنَّ المسؤل الأوَّل عن حالة إنعدام الأمن في المجتمع هو ثقافة الفزعة هذه. وليس المهم هنا لا آليًّة عمل هذه الثقافة، ولا إنعدام الأمن بحد ذاته، بل الأهمُّ في كل ذلك هو الترابط فيما بين انعدام الأمن والبحث عن السلام والرضا بأنصاف الحلول من أجل السلام من جهة، وبين ما ينتج عن ذلك في الثقافة الأحوازيَّة العامة التي تصبح قابلة للحلول النصفية من جهة أخرى.

فبموحب بواعث الفزعة يهيج الفرد والجماعة، الحمولة والعشيرة غالبا، ويركضون نحو الأمام دون هدف سوى الضرب والافتراس والضراوة، ثمَّ العودة إلى الحياة الطبيعيَّة التي عكَّرت صفوها هذه الفزعة. ولأنَّ الحياة في فزعة مستمرة متعذرة، فإنَّ الفازعين الساعة، هم أنفسم الرجايين العافية والستر بعد ساعة من تقضي أمد الفزعة. هذا سلوك شهير في الأحواز، وفي الوطن العربي عموما، لا يحتاج شرحه إلى إسهاب، بل هوَّ سمة الحياة فيها. 

وتظهر آليَّة الفزعة حركة واضحة ويسيرة: انفجار هائج؛ ثمَّ حالة ترقب؛ ثمَّ خمود وخنوع. فهي عندَّ هيجانها تطالب بأكبر المكاسب والرغبات؛ ثمَّ تمرُّ بطور الترقب في حالة حيادية بينيَّة تتموضع وَسْطَ العودة لفزعة جديدة أو الخمود؛ ثمَّ الرجوع إلى حالة ما قبل الفزعة تماما وهي حالة الخمود. وفي هذه الأطوار الثلاث لا يضبط سلوك المنتفضين بدافع الفزعة غير سريانها هيَّ: وليس ردود فعل المفزوع عليه. لأنَّها آليَّة تسير وفق مراحلها الثلاث؛ فإذا صدر فعل ما تسبب بهيجان الفزعة، عند مرحلتها في الخنوع، أو مرحلة الترقب، فإنَّه لن يثير ردود الأفعال نفسها، بل منطق الفزعة الثلاثي هو الذي يحدد صدور الفعل، وليس أفعال المفزوع عليَّه بحد ذاته. 

وعلى العموم لا يهمُّ كل منطق الفزعة بمراحله الثلاث، إلا ما طبع منه الثقافة العامة، وهو مرحلة الخنوع الذي يأتي بعد الهيجان، فيكون العربي الهائج المارق قبل ساعة، يستجدي الحلول ويتسول المخرج، حتى وإنْ أتى ذلك على حساب ما كان عنده قبل فزعته كليَّا! 

لقد أُجبر المجتمع العنيف المحكوم بمنطق الفزعة، وهي قد تودي بحياة البشر وتضيع ممتلكاتهم، على أن يكون مستعدا لقبول حلول تنهي أمد الفزعة، حتى تقولبت ثقافته على أساس أن الحلول لن تكون مرضيَّة في جميع الأحوال، وعلى المرء أن يقتصد في الحل اقتصاده في شظف العيش. وهذا بالذات جعل أجيال متتالية ترث هذه الثقافة، ثقافة الرضا بحلول دنيا.          

  • الاحتلال وسطوة المتغلِّب: هذا وقد كانت ثقافة الفزعة هذه، بمختلف أطوارها، وتبعاتها المفضية إلى ثقافة ترتضي أنصاف الحلول، تسير في مجتمع اعتادته واعتادها، لكنَّها خرجت عن موضعها المجتمعي تماما، عندَّ ما هيمن الاحتلال الفارسي، فأخذ يردُّ على الفزعة والفازعين بعنف متوفق، هو عنف الدولة، فأربك ميزان القوى الضامن لدورة الفزعة، وهكذا وُجهت كل فزعة بعنف لم يألفه الفازع، فأُخصي المجتمع بكل شرائحه وعشائره، وبات الشعب الأحوازي كلَّه أمام آلة دولة قتَّالة، لم تجردّه من آلية فزعته بوصفها تنفيسا عن السخط وعدم الرضا وفاعلية بصفة عامة، بل جعلته مشلولا لا يمكنه التصرف وفق ثقافته المتقومة بمنطق الفزعة.

لقد كان مفعول عنف الدولة مزدوج بالنسبة للشعب الأحوازي، فهو منع ومنح: فقد منع الفزعة بل أخصاها كلَّما تطاولت على نطاق الدولة، دولة الاحتلال، وواجها بعنف قاشم يشل؛ ومنحها فسحة ما إذا بقيت تندلع وتخمد في نطاق المعاركات ضدَّ بعضها، دون المساس بالأمن العام، ودون الوصول إلى حرم الدولة والمستوطنين. 

ولقد تُرجم كل ذلك للمجتمع العربي على شكل ركوع أمام قوة المعتدي؛ لأنَّه كلَّما قامت قائمة قمعها، وأبطش بالقائمين بها. وهذا أفقد ثقة المجتمع بنفسه، ممَّا زعزع تمكين القيم الراديكالية وتذويب المواقف وتمييعها. ثمَّ بعد ذلك كلِّه ظهر المتسلط الفارسي ظهور الجبَّار، الذي إذا ما رضي على سبيل الافتراض بشيء من مَنْحِ الحقوق، عُدَّ ذلك انجازا وقدرا منحه الله يجب اغتنامه والأخذ به بالنواجذ. 

هكذا بدت أنصاف الحلول التي يهمس لها الفارسي المحتل همسا، بمثابة ما يجب الأخذ به سريعا، بوصفه انجازا، لا بوصفه خروجا عن تناول جذور الإشكالية، وتسويفا بالحقوق الأحوازيَّة في التحرير وطرد الاحتلال وكسر شوكته على أرض الوطن.   

الختام

وإزاء السؤال الذي يبحث عن سبب تغلب المنظمات الأحوازيَّة، والنخب معا، في مواقفهم من القضيَّة، قد تنبع الإجابة عن ظروف تاريخية نابعة من المجتمع الأحوازي، وما جلبه الاحتلال الإيراني له. 

فهذه التغلبات في المواقف التي عادة من تنحدر من سموَّ الدعوة إلى تحرير الأحواز إلى تبني الفدراليَّة، كحل وسط، إلى حضيض القبول بالحلول ضمن نطاق الدولة الإيرانية، نابعة من:

 أولا: الحياة المعيشية الشحيحة التي خاضها الشعب الأحوازي منذ أقدم العصور. وهي حياة قائمة على نمط انتاج يتمتع فيه العلية بسبل الرخاء، بينما الأكثرية في خصاصة ومسغبة. وقد جاء الاحتلال الإيراني في بداية اكتشاف النفط الذي كان من شأنه إحداث انقلاب في الحياة الشحيحة هذه، فنهب الثروات، وزاد الشعب فقرا وبؤسا. 

هذا الضعف الاقتصادي خلق ثقافة أحوازية قوامها الاختصار على أقل المكاسب من الحياة. ومن الاختصار على سبل الحياة الأقلية، إلى الاختصار على القيم والمطالبات الدنيا طريق معبد انعكس مباشرة على القضية الأحوازيَّة، فجعل الانقلاب من التحرير إلى الفدرالية إلى الحلول ضمن إطار الدولة، ممكنا تماما، بل ومنسجما مع الثقافة التي اعتادت على الأقل، وخلقت سلوكا قوامه الاكتفاء بالأدنى، وقولبت أخلاقا تكتفي بالنَزْر اليسير. 

وثانيا: هذه التغلبات تنبعث أيضا من مجتمع عنيف، هو المجتمع الأحوازي، المحكوم بمنطق الفزعة. فثقافة الفزعة هذه التي سرعان ما تعدم الأمن، وتجعل المطالبة بالعودة إلى الأمن السابق هو الغاية، أفضت إلى أن تبرر هذه الغاية جميع التنازلات، وتكون الحلول النصفية مقبولة في سبيل العودة إلى الأمن الذي أفقدته الفزعة وعطلت به الحياة. 

لكن لمًّا هيمنت دولة الاحتلال الإيراني وهي المتوفرة على فائق القوة، ارتبكت بعدها آلية الفزعة، بارتباك ميزان القوى، ووجهت كل فزعة بعنف قاشم، مما أدى إلى اخصاء المجتمع العربي الأحوازي، ووضعت كل فزعاته أمام هزيمة محتومة؛ وذلك جعل الثقافة العامة مستعدة استعدادا كليَّا للتنازل أمام هذا المتغلب المحتل، والقبول منه بالحلول التي يرتضيها. 

تلك هي الأسباب التي تثوي خلف الانقلابات في المواقف الأحوازيَّة تجاه قضيَّتهم؛ هل هي أسباب مقنعة؟ ألا يوجد غيرها من الأسباب؟ لا شك أنها ليست مقنعة بالمطلق، وهناك غيرها من الأسباب الدخيلة؛ بيد أنها محاولة عالمة لتعليل تلك التغلبات.  

 

 

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

 

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here