تحظى قضية الأحواز باهتمام واسع بين الناشطين والمهتمين بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. ومع تصاعد الخطاب السياسي حول مستقبل هذا الوطن المغتصب، برز مصطلح “مملكة الأحواز” كتسمية يتداولها البعض، مما استوجب وقفة تحليلية جادة لبيان ما يحمله من إشكاليات جوهرية تمسّ صميم القضية ومستقبلها.
أولا: مصادرة حق المواطن الأحوازي في تقرير مصيره: إن أبسط مبادئ حق تقرير المصير المقررة بالمواثيق الدولية تمنح الشعب صاحب القضية وحده الحق في اختيار شكل نظامه السياسي المستقبلي، سواء كان ملكيا أم جمهوريا أم أي نظام آخر. وحين يُطلق مصطلح “مملكة الأحواز” مسبقا، فإنَّ ذلك يعني تحديد شكل الدولة ونظام الحكم قبل أن يُستشار الشعب نفسه، وقبل أن تتاح له الفرصة للتعبير عن إرادته الحرة عبر آليات ديمقراطية كالاستفتاء أو الانتخاب. وبذلك تتحول القضية من قضية تحرر وطني جامعة إلى مشروع سياسي مُسبق التصميم، يفرض على الناس نظاما بعينه دون علمهم أو رضاهم، وهو ما يتعارض جوهريا مع الغاية الأساسية من النضال، وهي أن يكون الأحوازي حرا في تقرير مصيره بنفسه لا أن يُستبدل استبداد بآخر.
ثانيا: إشعال فتنة بين القبائل والعشائر سعيا وراء مقام الملك: إذ يتكون المجتمع الأحوازي من نسيج قَبَلي وعشائري متجذر، تربط أبناءه علاقات تاريخية من التعاون والتكافل بعض الأحيان والتنافس والجدل في أحيان أخرى. ولذلك يفتح تبني فكرة “المملكة” الباب أمام تساؤل خطير: من يستحق أن يكون ملكا؟ وهذا السؤال بطبيعته يحمل بذور الفتنة، إذ قد تتنافس عائلات وقبائل ورموز مختلفة على هذا المقام، كل منها تدّعي لنفسها الأحقية استنادا إلى النسب أو التاريخ أو النفوذ. وهذا التنافس، إن نشب، لن يكون في صالح القضية بل سيمزق الصف الأحوازي الذي هو بأمسّ الحاجة إلى الوحدة والتلاحم في مواجهة الاحتلال الإيراني. والأخطر من ذلك أنه لا يوجد – حتى اللحظة – أي شخص أو طرف حرّر هذه الأرض فعليا حتى يكون له الحق في المطالبة بالملك. فالمُلك في المنطق التاريخي والسياسي يُستحق بالتضحية والإنجاز الفعلي، لا بالادعاء أو التموضع المسبق أو التمني.
ثالثا: إحباط المناضل الأحوازي: الذي قدّم أغلى ما يملك، حياته وأعزَّ سنين عمره خلف القضبان، من أجل قضية قومية يؤمن بأنَّها ستحرر شعبه وتحقق له الكرامة والعدالة. فإذا أدرك هذا المناضل أن تضحيته قد تُستثمر في النهاية لتنصيب فرد أو أسرة بعينها على عرش المُلك، فإن ذلك يُفرغ نضاله من معناه ويحوّله من فداء من أجل الجميع إلى وقود لمصلحة فئة أو شخص. وهذا الشعور بالإحباط قد يفتّ في عضد الحركة النضالية ويُضعف الحماس والاندفاع لدى من يفترض أن يكونوا عماد القضية وحملة رايتها.
رابعا: غياب الشرعية التمثيلية والاعتراف الدولي: وذلك لأنَّ أية تسمية لكيان سياسي مستقبلي، كالمملكة، قبل قيام الدولة فعليا وقبل حصولها على اعتراف دولي أو إقليمي، هي تسمية سابقة لأوانها، لا تستند إلى شرعية تمثيلية حقيقية. بل إنَّ مثل هذه التسمية قد تُستخدم من قِبل خصوم القضية كذريعة للتشكيك في جديَّتها، ووصفها بأنها مشروع فردي أو عائلي ضيق لا قضية شعب بأكمله يناضل من أجل حريته. وهذا يضعف موقف الأحواز أمام الرأي العام الدولي الذي يتطلع إلى رؤية حركة تحرر ذات طابع ديموقراطي وتمثيلي واضح.
خامسا: التناقض مع الخطاب الحقوقي المعاصر لتحرر الشعوب: والشعوب غير الفارسية منها على وجه الخصوص؛ لأنَّ معظم حركات التحرر الوطني في العصر الحديث يتمفصل خطابها على مفاهيم الديمقراطية والمواطنة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد. وفي المقابل، فإن تسمية “المملكة” قد تُفهم – سواء بحق أو بغير حق – على أنها عودة رجعية إلى أنظمة الحكم الوراثي، وهو ما يتناقض مع تطلعات الأجيال الجديدة من الأحوازيين نحو المشاركة السياسية الفعلية وبناء دولة مؤسسات تقوم على الكفاءة والاختيار الحر، لا على الوراثة والنسب.
سادسا: تشتيت الجهد النضالي عن القضيته المركزية: في ظل فتح باب الجدل حول شكل الدولة المستقبلية في هذه المرحلة المبكرة من النضال، قبل تحقيق الهدف الأسمى وهو التحرر ذاته. وهذا يستهلك وقتا وجهدا كان ينبغي أن يخصصا بالكامل نحو التحرير والاستقلال التام. وهذا النوع من الجدل الجانبي حول من سيحكم وكيف، قد يُستغل أيضا من قِبل خصوم القضيَّة لإشغال الأحوازيين ببعضهم، بدلا من توحيد جهودهم وتوجيهها نحو الهدف المشترك.
سابعا: خطر احتكار تمثيل القضية: بتبنى طرف واحد لها، أو أسرة بعينها، تحت مسمى “الأسرة الحاكمة” أو “العائلة المالكة” دون أي تفويض شعبي حقيقي. ويظهر ذلك انطباعا باحتكار تمثيل قضية الأحواز بأكملها من جانب فئة محدودة؛ بينما القضيَّة في جوهرها وحقيقتها تخص جميع أبناء الأحواز، بمختلف انتماءاتهم القَبَلية والسياسية والفكرية، ولا يجوز أن تُختزل في شخص أو عائلة مهما كانت مكانتها أو تاريخها.
وفي الختام يتضح مما سبق أن نعت الأحواز بـ”مملكة الأحواز” ليس أمرا هينا أو مجرد تسمية شكلية، بل هو طرح يحمل في طياته مصادرة لحق الشعب في تقرير مصيره، وبذرة فتنة داخلية بين القبائل والعشائر، وإحباطا لمن ضحوا من أجل القضية، فضلا عن افتقاره للشرعية التمثيلية والاعتراف الدولي، وتناقضه مع الخطاب الحقوقي المعاصر لحركات التحرر، وتسببه في تشتيت الجهد النضالي، وخطر احتكار تمثيل القضية بيد فئة محدودة.
ولذلك فإن الترويج لهذا المصطلح، سواء كان صادرا عن سذاجة أو عن جهل ببعده السياسي والاجتماعي، يستوجب الرفض والتصحيح، سعيا لتطبيع فكرة أخرى أكثر التصاقا بجوهر النضال: وهي أن القرار في شكل الدولة القادمة يجب أن يبقى بيد الشعب الأحوازي وحده، حين تحين ساعة تقرير المصير. كما يجب على شكل الحكم أن يكون منبثقا عن روح العصر يتطلع إلى التقدم والحداثة، وليس اشتقاقا عن رومنسية تجمّل العصور الظلامية التي كان فيها الملولك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون!
هادي الموسوي، ناشط سياسي أحوازي
