مقالاتأشكال الاستيطان في الأحواز وأدواته

أشكال الاستيطان في الأحواز وأدواته

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة 

في دراسات الاستعمار الاستيطاني، يُعرَّف الاستيطان بوصفه بنية ممتدة تُعيد إنتاج الهيمنة وتُرسّخها بشكل مستمر، متجاوزاً السيطرة المادية؛ إذ يتجاوز النمط الاستعماري التقليدي القائم على مجرد استغلال الثروات، ليعمل وفق استراتيجية الإزاحة والحلول، أي محو الوجود السياسي والثقافي والمكاني للسكان الأصليين واستبدالهم بمجتمعات وافدة. ويرتكز هذا المشروع الشامل على احتكار سيادة الأرض والمكان عبر التجريف البيئي والتغيير الديموغرافي، وتدعيمه بـ “عنف رمزي” وهيمنة ثقافية تسعى لتجريد الضحية من لغتها وذاكرتها التاريخية. وفي البنية الاستيطانية داخل الأحواز، تتمظهر هذه الأركان كهندسة شمولية تُعيد تشكيل الجغرافيا والمجتمع، وتُوزع الأدوار الوظيفية والاقتصادية والأمنية بين مجموعات وافدة ومستوطنة لتجريد الشعب العربي الأحوازي من أرضه وتكريس إخضاعه في حياته اليومية.

أولاً: أنماط السيطرة والاستيطان المادي

1. الاستيطان الإداري والمؤسساتي

تتجسد الصورة الأولى لهذه السيطرة فيما يُمكن تسميته بالاستيطان الإداري والمؤسساتي، وهو الشكل الأكثر توارياً وتأثيراً في الشارع والمدينة؛ وذلك من خلال جلب الموظفين والمديرين من خارج الإقليم وتعيينهم في البنوك، والمستشفيات، والبلديات، والجامعات… إلخ. وفي هذه القطاعات والأجهزة الحكومية تبرز بوضوح الأقليات والمجموعات الوافدة من الإثنيات اللورية والفارسية، لتفرض لغة السلطة وثقافتها بوصفها اللغة الرسمية للإدارة. ولا يُقدّم هذا التمييز البيروقراطي نفسه بمظهر الإقصاء السياسي للعربية (لغة أصحاب الأرض)، بل يُغلّف بدعاوى الكفاءة والمؤهل العلمي، ليشعر المواطن الأحوازي بأن تهميشه في إدارات مدينته هو قصور ذاتي فيه وليس نتيجة نظام مُصمّم لإقصائه.

2. الاستيطان الصناعي والإنتاجي والتجاري

وفي موازاة إدارة المؤسسات، يقف الاستيطان الصناعي والإنتاجي ليكون الذراع التي تستولي على الثروات الطبيعية؛ عبر جلب آلاف العمال والمهندسين الوافدين لإدارة قطاعات النفط والغاز، والبتروكيمياويات، ومشاريع المياه، الذين تُشكل الأكثرية اللورية نواتهم الأساسية في هذه المنشآت. هكذا تُنهَب خيرات الأرض لتُغذّي المركز. ويُكرّس هذا النمط بناء أحياء ومجمعات سكنية مغلقة ومجهزة بكل الخدمات للعمال الوافدين وعوائلهم، مقابل أحياء عربية محرومة، مما يخلق تفاوتًا طبقيًا ومعيشياً يُشاهد بالعين المجردة كل يوم.

وحول المشروعات الاستيطانية في الأحواز العاصمة، أُشير إلى خبر تسرّب قبل سنوات نقلاً عن الأدميرال علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي (الذي قُتل خلال الحرب الأخيرة)، ونُشر على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي بالأحواز، يفيد بأنه تم توظيف 4 آلاف موظف وعامل من القومية البختيارية اللورية في شركة “حفاري للنفط” في مدينة الأحواز، فيما لم يتم توظيف إلا سبعة أشخاص من الأغلبية العربية في المدينة، وذلك في الفترة 2006–2016. هذه الممارسات تكرست لدرجة جعلت الكثيرين يوسمون شركة النفط بأنها “شركة نفط اللور البختياريين” نظراً لهيمنتهم عليها والإقصاء شبه المطلق للمواطن العربي من التوظيف بها ولو على مستوى عامل بسيط. وهؤلاء استوطنوا في مستوطنات تابعة لوزارة النفط في الأحواز منها “شهرك نفت- حي النفط” و”شهرك آغاجاري”، حيث تتوفر فيها جميع مرافق الرفاه والخدمات المعيشية.

ولا يتوقف هذا التمدد عند حدود الشركات والدوائر الرسمية، بل يسري إلى قلب الأسواق والحياة اليومية عبر ذراع البازار والقطاع التجاري، الذي يتخذ طابعاً إثنياً محدداً بحسب المدن. ففي بازار مدينة الأحواز العاصمة، تستحوذ الإثنيتان الشوشترية والدزفولية على ملكية المحلات والمراكز التجارية وتتحكمان في حركة السوق المحلي، بينما تهيمن على غالب بازار المحمرة وعبادان المجموعات الإثنية الكردية سيما على المحلات والمولات التجارية الحديثة. تستفيد هذه الشبكات التجارية من الدعم والتسهيلات لامتلاك العقارات في أهم الشوارع، وتزاحم الكسبة والتجار الأحوازيين بدفع إيجارات ومبالغ خيالية تدفع بالتجار العرب نحو الأسواق الشعبية الهامشية، مما يحول الأسواق إلى جزر غريبة عن هوية الأرض، يُستبعد فيها الشباب العربي الأحوازي حتى من فرص العمل البسيطة كباعة أو موظفين في متاجر مدنهم.

3. الاستيطان العسكري والنظامي

أما الاستيطان العسكري والنظامي فيشكل الحزام الصلب الذي يحمي هذه المنظومة بأكملها من خلال توطين أفراد الحرس والشرطة والجيش وعائلاتهم في قواعد ومعسكرات دائمة داخل الإقليم، وهي تركيبة نظامية متنوعة تتشكل أساساً من اللور والفرس وباقي الإثنيات الوافدة، يُصبغ الفضاء العام بطابع عسكري ويُحاط المواطنون بمراقبة مستمرة. ولم تكتفِ سلطة الاحتلال بإسناد القطاعات الاقتصادية والتجارية والإدارية لهذه الكتل الاستيطانية، بل أوكلت إليها أيضاً أدواراً أمنية واستخباراتية ميدانية مباشرة. فقد تحوّل هؤلاء المستوطنون بجميع أشكالهم الوظيفية إلى شبكة مراقبة مجتمعية و”عيون” للدولة وأجهزتها القمعية داخل المجمعات السكنية، والشركات، والأحياء، والمولات، ومحلات البازار؛ حيث يقومون برصد أي تحرك أو نشاط سياسي أو ثقافي عربي أحوازي والإبلاغ عنه، مما يجعل القمع المباشر مدعوماً براصد استيطاني يومي يحاصر المجتمع العربي في تفاصيل حياته اليومية. فبعد قيام الثورة عارض المستوطنون الفرس، الذين أسكنهم الشاه في المحمرة وعبادان، منح أي حقوق للشعب العربي الأحوازي، بل حملوا السلاح وتحالفوا مع الحاكم العسكري الفارسي الجنرال أحمد مدني في قمع الحراك السياسي والثقافي السلمي لأبناء الشعب الأحوازي. وبالطبع كانت مدينة المحمرة في الواجهة. ولعبت الأقلية المستوطنة غير العربية دوراً مهماً في مذبحة المحمرة في 30 مايو (أيار) 1979 وما بعده؛ إذ قضت على حلم العرب في إقامة حكم ذاتي كانوا يطالبون به الحكومة المركزية إبان الثورة الإسلامية.

4. استعمار الأرياف: التوطين العشائري وتفكيك الأحزمة الديموغرافية في شمال الأحواز

هناك نمط من الاحتلال يُعدّ الأشد خطورةً وتدميراً؛ إذ لا يكتفي بإقصاء أصحاب الأرض عبر الاستيطان الحضري في المدن، بل يمتد ليشمل إرباك الديمغرافيا الريفية والقروية وتفكيكها. ويعتمد هذا النمط على جلب مجموعات مستوطنة تملك أساليب حياة وعادات ونفسية قريبة من بيئة أصحاب الأرض، لضمان قدرتها على المقاومة والتشبث بالأرض والتصدّي لأي ضغوطات أو تحديات قد تواجهها من قبلهم. ولتوضيح هذه السياسة، يُمكن استعراض سياسات التوطين الإثني لعشائر “اللور” الرحالة في أطراف المدن بشمال الأحواز، وتحديداً في مدن الصالحية (أنديمشك)، والقنيطرة (دزفول)، وتستر، والسوس، على مدى عدة عقود زمنية؛ حيث أنشأت الدولة الإيرانية مؤسسة تحت مسمى “إسكان العشائر الرحالة”، وعمدت من خلالها إلى بناء مستوطنات قروية نموذجية إلى جانب القرى العربية الأحوازية التي تمثل بالحالة الطبيعية حزاماً ديموغرافياً مكثفاً يحيط بتلك المدن.

أهداف التوسع في سياسة الاستيطان الريفي: تستهدف سلطات الاحتلال الإيراني فرض أمر واقع وسردية مفادها أن المستوطنين الجدد ليسوا مجرد طارئين على المنطقة، بل هم مكونٌ يمتلك جذوراً تاريخية أصيلة في أرض الأحواز. وتُسخَّر هذه القرى والأرياف المستحدثة والمنسوجة من هذه الإثنيات الوافدة كـ “دليل مادي” تُثبت من خلاله السلطة أن المجموعات غير العربية تُشكل العمق والديمغرافيا الأساسية لأطراف المدن. وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أدبيات وتجارب تصفية الاستعمار؛ حيث يُعدّ وجود الحزام القروي والريفي لأصحاب الأرض الأصليين أقوى الأدلة والبراهين على حقانية وسردية الشعب المـُستعمَر المتمسك بأرضه عبر تاريخ ممتد في الأرياف.وللأسف، نجح هذا المشروع فعلياً إلى حدٍّ كبير؛ إذ شهدت المنطقة تدفقاً لعشائر اللور الرحالة وبناء تجمعات سكنية قروية لهم. ورافق ذلك اندلاع نزاعات محلية وقروية بين السكان العرب وهؤلاء المستوطنين الجدد المدعومين بقوة من الدولة، شملت تسليحهم وتعزيز قدراتهم المادية، وتوفير البنية التحتية من مياه، وطرق، ومنازل، ومدارس، ومراكز صحية—كل ذلك على أراضٍ اُقتُطعت قسراً من القرى العربية المجاورة بهدف تمزيق ترابط البيئة القروية والريفية الأحوازية وتشويه عمقها الديموغرافي.

الشواهد الميدانية: منطقة السوس نموذجاً: يتجلّى هذا المخطط العملي بوضوح في ضواحي مدينة السوس، حيث أُنشئت مستوطنات ريفية مصطنعة تحمل دلالات رمزية وإثنية مفرطة في الاستفزاز. ومن أبرزها “مستوطنة بختيار”—التي يُشير اسمها إلى إعلان المنطقة كأرض اختيارية ومستقرٍّ لعشائر اللور البختيارية—إضافة إلى “مستوطنة بهرام”.وتحمل تسمية “بهرام” أبعاداً نمطية واستفزازية عميقة؛ إذ يُنسب الاسم إلى أحد قيادات قبيلة “سوکوندی” اللورية التي خاضت تاريخياً مواجهات مسلحة ضد العشائر العربية في المنطقة ضمن ما يُعرف بـ “حرب الونج”، والتي قاد فيها المناضل الأحوازي حيدر الطليل العشائر العربية للتصدي لتمدد تلك الجماعات اللورية. وقد أسفرت تلك المواجهات عن سقوط العديد من الضحايا العرب على يد تلك المجموعات العشائرية المسلحة.ولا تقف خطورة هذه التسميات عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى الحرب النفسية والرمزية؛ إذ يستحضر المستوطنون اليوم تفاصيل تلك المعركة عبر منصات التواصل الاجتماعي، متفاخرين بالمجازر التي ارتكبت بحق العرب، ومتخذين من شخصية “بهرام” رمزا وبطلا لقمع الوجود العربي. وهو ما يكشف أن إنشاء هذه القرى لا يهدف فقط إلى التغيير الديموغرافي الميداني، بل إلى زرع بؤر استيطانية معادية تُعيد إنتاج الصراعات التاريخية وتكرّس سياسة الترهيب ضد أصحاب الأرض الأصليين.

ثانياً: أدوات الهندسة الاجتماعية وصناعة الصراع الداخلي (العنف الأفقي)

تفكيك نسيج المقاومة وتمزيقها: صناعة الصراع البيني كأداة للمحتل لإشغال الأحوازيين وصرفهم عن الدفاع عن الأرض

تتمتع الأحواز بثروات هائلة وفرص اقتصادية وفيرة على كافة الصعد؛ من صناعات نفطية وغازية وبتروكيماوية، إلى أراضٍ زراعية خصبة وموارد مائية ومشاريع إستراتيجية. غير أن الأغلبية الساحقة من السكان العرب يُستبعدون بقرار سياسي وممنهج من هذه القطاعات الحيوية، التي تُسلّم إدارتها والاستفادة منها للمستوطنين الوافدين (من الفرس واللور)، بينما يُحرَم أصحاب الأرض الأصليون من ثرواتهم ويُدفعون نحو الحرمان والتهميش. وفي هذا السياق من الاستبعاد القسري، يتجه المزارعون العرب -مع التقلص التدريجي والمستمر لمساحات أراضيهم الزراعية نتيجة المصادرات الحكومية- إلى نزاعات محتدمة فيما بينهم حول حدود الأراضي المتبقية والتعدي على ممتلكاتهم؛ مما يؤدي إلى صراعات عشائرية عنيفة تمتد لعقود. وعندما تصادر السلطات الإيرانية تلك الأراضي لصالح مشاريع تنقيب النفط وشركات الاستثمار، تلجأ -لاحتواء الغضب المحلي- إلى ممارسة ما يُعرف في الأدبيات الاستعمارية بـ “سياسة إدارة الفتات وتدوير الأزمة”؛ حيث يُمنح أعدادٌ محدودة جداً من أصحاب الأراضي الحقيقيين وظائف هامشية ومؤقتة كـ “حراس لآبار النفط”. ولكن التوظيف هذا ليس دائماً ولا يهدف للاستقرار؛ إذ يجري تسريح هؤلاء العمال بعد بضع سنوات واستبدالهم بموظفين عرب آخرين قد صودرت أراضيهم حديثاً. هذا الإجراء يتجاوز حدود النزاع بين الأسر والقبائل ليخلق تنافساً حاداً ومصطنعاً بين أبناء المنطقة، حيث تُحوَّل الحقوق الاقتصادية إلى “منح مشروطة” ومؤقتة تُبقي المجتمع في حالة اضطراب دائم وتمنع تشكّل أي تضامن مجتمعي. وهنا تكتمل أدوات هندسة هذا الصراع؛ فعندما يُجرّد المستعمر السكان الأصليين من أرضهم ومصدر عيشهم ويُغلق أمامهم موارد الاقتصاد الحقيقي، يتولد لدى المجتمع القابع تحت الضغط إحباطٌ سيكولوجي واقتصادي متراكم. ولأن مواجهة السلطة الغاشمة تكون مكلفة جداً ومصحوبة بأداة قمعية شديدة، يسري هذا الغضب والمنافسة الشديدة نحو الجيران وأبناء العشيرة والعمومة، وهو ما يُعرف بـ “العنف الأفقي” (أي أن يضرب الضحيةُ الضحيةَ)؛ فتتحول بوصلة النزاع من صراع ضد المستعمر سارق الأرض إلى اقتتال ذاتي دموي على الفتات المتبقي.

ونتيجة لهذا الاقتتال الجانبي، يقع الأهالي في فخ تناسي القضية الأساسية؛ وهي مصادرة أراضيهم واستحواذ المستوطنين على الثروة والفرص الاقتصادية الحقيقية. وبدلاً من الاستفادة من تلك الفرص الهامشية، ينتهي المطاف بالعرب ليس فقط بالحرمان من وظيفة حارس بسيط، بل بتحمل تبعات ثقيلة تشمل دفع مبالغ مالية باهظة كـ “الدية” لأسر القتلى -الذين غالباً ما يكونون من أبناء العمومة أو الأقارب- فضلاً عن الملاحقات الجنائية، والسجون، والتفكك الأسري وتفكك النسيج الاجتماعي. لكن الأكثر مرارة وبشاعة يحدث عند استغلال المستوطنين (من الفرس واللور) لهذه النزاعات؛ إذ تُطلق الخطابات العنصرية فور اندلاع أي صراع داخلي لوسم الأحوازيين وتكريس صور نمطية تحقيرية تُصوّرهم كـ “مجتمع بلا رحمة ومتخلف يقتل بعضه بعضاً”، مع تعمّد تغييب دور السياسات الاستعمارية التي أدت إلى هذه الأزمات من الأساس. هذا الترويج الممنهج والتحقير الممارس يُسفر عن آثار نفسية واجتماعية عميقة، تُجبر العديد من الشباب والفتيات الأحوازيات -تحت وطأة الشعور بالدونية ومحاولة الوقاية من الهجمات العنصرية- على إخفاء هويتهم القومية والتنصل من لغتهم وأصلهم؛ وبذلك تُستكمل حلقات تدمير النسيج الاجتماعي عبر خنق الهوية واللغة تدريجياً. ومع استمرار هذا التهميش الاستعماري والتجريد الممنهج من مصدر الرزق الأساسي (الأرض) على مدى عقود متواصلة وتعمّق هذه الأزمة بمرور الوقت، كُرّس واقعٌ من البطالة المزمنة والفقر المدقع، مما أدى إلى تفكك الأسَر، وارتفاع معدلات الجريمة والإدمان، والدفع ببعض الشباب -تحت وطأة الحاجة والإحباط المتراكم- إلى التورط في تجارة وترويج المخدرات. وتتبلور النتيجة النهائية لهذه الهندسة الاستعمارية في إنهاك المجتمع الأحوازي اقتصادياً واجتماعياً، وإغراقه الممنهج في دوامة النزاعات القبلية والصراعات الداخلية، وما يرافقها من استنزاف في قضايا الدية والسجون والثأر وتفكك الأسرة؛ الأمر الذي يُعطل قدرته الذاتية على التضامن والتعبئة، ويُعرقل محاولات النضال الواعي والمستمر لاستعادة حقوقه المسلوبة.

ثالثاً: الهيمنة الرمزية وسردية المستوطن

هذه الأشكال الثلاثة من المستوطنين تتغذى من روح استيطانية، قوامها تدوين سردية تُشرعن لوجودهم على أرض الأحواز.

1. تكوين “الطبقة الوسطى الاستيطانية” واحتكار المشهد الثقافي:

تمنح الدولة هويتها وتثبت فاعليتها عبر السيطرة الثقافية؛ فمن حيث النشاط الفكري تشهد الأحواز ميلاد “طبقة وسطى” من المستوطنين بدأت تشكّل وتدوّن سردية فارسية تماماً، تُخرج الأحواز من عروبتها وتسلخها من تاريخها العربي. رواد هذه السردية هم أساتذة الجامعات، القائمون على المكتبات، والنشطاء الثقافيون—رجالا ونساء—الذين يضعون حاضر الأحواز ومستقبلها ضمن إطار الدولة الإيرانية والسردية الفارسية، ليجد الأحوازي (المثقف والأميّ على حد سواء) نفسه على هامش هذه السردية مجرد طفيليات لا وطن لها. تُعدّ المكتبات والكتّاب والأساتذة جزءاً عضوياً من هذه الهجمة ضد الوجود الأحوازي بغرض نزع العروبة عنه. وتكفي الإشارة إلى حجم الكتب التي بدأت تُنشر لمستوطنين يروون تاريخاً أحوازياً حديثاً غير عربي؛ نظير كتاب «سعدي أهوازي» وكتاب «اهواز: يك شهر بيست و هفت داستان» كنتاج ما كتبه هؤلاء المستوطنون (امتداداً لأعمال سابقة مثل رواية مدار صفر درجة لأحمد محمود)، إلى جانب المجلات والمؤسسات الثقافية. كما أخذ متجر «شهر كتاب اهواز» على عاتقه إقامة أمسيات ثقافية خاصة بالمستوطنين، بعيداً عن أي إشارة لعروبة الأرض، في محاولة صريحة لنكران الثقافة العربية فيها. وأمام هذا التزوير الممنهج، ثمة صمتٌ غير مبرر من القلم والنضال الأحوازي ما يترك هذه الطغمة المستعمرة تسرح وتمرح دون مواجهة فكرية تضع حداً لتزوير التاريخ والوجود، ودون نتاجات صلبة تُسفّه هذه الأفكار المزيفة.

الاحتواء والتأطير البيئي والحقوقي المزيف: ينشط هؤلاء في تبني قضايا جفاف الأهوار والتلوث أو الأزمات البيئية، لكن مع تفريغها التام من سياقها السياسي والوطني؛ إذ يُقدّمون الكارثة بوصفها إدارة سيئة للتنمية أو تغيرات مناخية عامة، ويتجاهلون عمداً سياسات الاستيطان وسرقة المياه، ليقطعوا الطريق على تشكّل أي خطاب حقوقي بيئي مستقل يناضل ضد أصل السياسات الاستيطانية.

طلب الشفقة من المستعمر وتجريد القضية من السياسة: يُمارس النشطاء المستوطنون عبر منصات التواصل (مثل إنستغرام وتيك توك وغيرها) ما يُعرف بـ “العمل الخيري الاستعراضي” وتوزيع المساعدات والتقاط الصور ومقاطع الفيديو مع الأطفال والنساء الفقراء العرب. يحقق هذا الفعل أهدافاً تخديرية: تسويق الفقر الأحوازي، وإظهار النشطاء المستوطنين بمظهر “المنقذ والأخ الأكبر الأخلاقي”، ونقل قضية الأحواز من “المطالبة بالسيادة والحقوق التاريخية على النفط والأرض” إلى “طلب الشفقة والاسترحام”.

تلميع التغيير الديموغرافي وإلغاء الاستحقاق المحلي: يتكفل هؤلاء النشطاء بالتغطية على التمدد الاستيطاني عبر الترويج لثقافة “التعايش الوهمي”، وتقديم وجود الجماعات الوافدة في القطاعات التجارية والنفطية كحالة من “الاندماج والمواطنة الحديثة”، فيما يعملون كحائط صد إعلامي ضد أي صوت أحوازي يحاول الكشف عن حقيقة التهميش والتغيير الديموغرافي.

تدمير الأسرة والترويج للزواج العابر للإثنيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي: ينشط متبنو هذا النهج عبر حملات ومحتوى موجه وممول في منصات التواصل للترويج المكثف لزواج الفتيات والشباب العرب الأحوازيين من عناصر وعوائل الجماعات المستوطنة (الفرس واللور). يُقَدَّم هذا النمط من المصاهرة تحت شعارات الحداثة والاندماج الثقافي، والتحرر من التقاليد الاجتماعية، لخدمة هندسة ديموغرافية واجتماعية خبيثة تهدف إلى تذويب النواة الأسرية العربية، وقطع سلسلة التنشئة اللغوية والتاريخية للأجيال القادمة، وتحويل الأسرة الأحوازية إلى حقل جديد للدمج القسري وفقدان الهوية التاريخية.

ركائز السردية الاستيطانية والاستلاب الجغرافي:

هذا التمدد الرمزي يرافقه مسار موازٍ من الفلسطنة المكانية(1) للهندسة الجغرافية والثقافية عبر آليات متعددة:

المحو الروائي وتشويه الذاكرة التاريخية: تعتمد سردية مركز القرار على محو الكيانات والإمارات العربية التاريخية (كالمشعشعية والكعبية) وتقزيم حكامها التاريخيين عبر وصمهم بألقاب تحقيرية كـ “عُملاء الخارج” أو “الأمراء المتمردين”، لتغطية حقيقة تقويض السيادة السياسية للبنية العربية.

سلب الملكية والتجريف البيئي: يتم تجريف الجغرافيا وسلب الأراضي عبر مشاريع تحويل مياه الأنهار (كنهري الكارون والكرخة) ومشاريع السكر الكبرى، مما أدى إلى جفاف الأهوار وتدمير بيئة النخيل والزراعة، ودفع بالآلاف من القرى العربية إلى الحرمان والهجرة نحو ضواحي المدن (كحي علوي والملاشية وعين دو).

دمار البيئة والتلوث والتجريف الهندسي: أسلوب السلب المكاني ومحو الأحزمة الريفية

إن ما يميّز بنية السيطرة الاستعمارية والاستيطانية في الأحواز هو الترابط الوثيق والتلازم العضوي بين المحو الإنساني والتدمير البيئي؛ إذ تتحول البيئة والخصائص الهيدرولوجية من مجال محايد إلى أدوات صريحة للهندسة الاجتماعية والتغيير الديموغرافي. تعود جذور هذه السياسة الممنهجة لحقبة الحرب الإيرانية-العراقية؛ حيث دُشنت أولى عمليات تجريف التربة وتجفيف المساحات المائية الواسعة لأغراض عسكرية وأمنية. غير أن هذا النمط التمهيدي لم ينتهِ بانتهاء العمليات العسكرية، بل تكرّس وتعمّق مع إعادة تشكيل المنطقة عبر مشاريع حكومية كبرى، تتمثل ببناء منظومات السدود العملاقة لخدمة توليد الكهرباء ونقل المياه للمحافظات المركزية، وإطلاق «مشروع قصب السكر ومنتجاته الفرعية» (شركة توسعه نیشکر و صنایع جانبی)، لتبدأ مرحلة إبادة بيئية واقتصادية شاملة تُجرّد السكان الأصليين من عناصر الوجود والاستقرار.

1. مصادرة القرى وتفكيك الحزام الزراعي والنسيج الاجتماعي

امتد مشروع السكر على مساحات شاسعة تجاوزت 84 ألف هكتار موزعة على وحداته السبع الكبرى (مثل: إمام خميني، دهخدا، سلمان فارسي، وأمير كبير)، عبر قرارات استملاك قسرية واقتطاع آلاف الهكتارات ومصادرة أراضي ما يقارب 40 قرية أحوازية تاريخية. امتد هذا التجريف على طول أحواض أنهار الكارون والدز والكرخة، من تستر والسوس شمالاً، مروراً بالنواحي الريفية في الشعيبية والأحواز العاصمة وإقليم الباوية، وصولاً إلى الدورق (الفلاحية) والمحمرة جنوباً (منها القرى الموثقة: جليعة، بيت باوي، شليلي، السراي، الكورية، الطاهرية، أم الدبس، القليعية، خنيفرة، الصراخية، المحينش، وبيت غانم).

ولم تتوقف آثار هذا المشروع عند حدود انتزاع الملكية العقارية، بل أدت إلى تفكيك يشمل:

التحويل الطبقي القسري: تحول المزارعون الأحوازيين من مالكين منتجين يتمتعون بالاكتفاء الذاتي المحلي إلى أجراء محرومين وعمالة يومية هامشية، أو خارج دورة الاقتصاد والإنتاج برمتها.

تكوين أحزمة الفقر: أدى فقدان وسائل العيش الزراعية والحيوانية إلى دفع آلاف العائلات نحو الهجرة القسرية الداخلية، لتتراكم في تجمعات حاشدة وعشوائيات فقيرة تُطوّق هوامش المدن الكبرى (مثل أحياء علوي، الملاشية، والشكارة)، مما أدى إلى تفكيك الحزام الديموغرافي الزراعي الذي كان يمثل خط الدفاع الأول عن عروبة الأرض وأصالتها.

2. التدمير الهيدرولوجي والملحي: السدود ومصادر السموم

تتجلى أعتى صور هذا التجريف الهندسي في تخطيط وإنشاء سد «كوتدوند» (Gotvand) على المجرى السفلي لنهر الكارون، والذي أُقيم عمداً—ورغم التحذيرات البيئية والهندسية المبكرة—فوق جبل وتلة ملحية نشطة (منظومة غاتشساران الملحية). أدى ذلك إلى ذوبان مستمر وتراكم الملايين من الأطنان من الأملاح في مخزونه البحيري، متسبباً في كارثة ملوحة قياسية غيّرت التركيبة الكيميائية لواحد من أعظم أنهار المنطقة. تضافرت هذه الملوحة العالية القادمة من أعالي النهر مع السياسات المائية لمزارع قصب السكر، التي تصرف ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الزراعي شديد الملوحة والمشبع بالمبيدات والأسمدة الكيميائية (المعروف بـ “آب زهکشی (زهاب)”) مباشرة نحو مجاري الأنهار والأهوار المجاورة (كهور العظيم وهور الفلاحية).

وقد أسفر هذا الانقلاب الهيدرولوجي عن عواقب بيئية كارثية:

تدمير البيئة الشجرية والنخيل: أجهزت الملوحة المرتفعة وركود المياه السامة على بيئة النخيل التاريخية على طول شط العرب والكارون، مما تسبب في موت ومحو ملايين الأشجار التي كانت تمثل عماد الاقتصاد الزراعي المحلي.

الإبادة البيولوجية للثروة السمكية: أدى ارتفاع منسوب الملوحة في المياه إلى نفوق جماعي وانقراض سلالات الأسماك الأصيلة في الأنهار والأهوار (القطان، والبني)، وهي أسماك تاريخية لا تعيش إلا في البيئات المائية العذبة؛ مما قضى على المهنة التاريخية للصيد وعلى مصدر بروتيني وغذائي أساسي للسكان الأصليين.

التغيير الممنهج للأسماء الجغرافية: استبدال المسميات التاريخية والأصيلة للمدن والمناطق (كالمحمرة إلى خرمشهر، والخفاجية إلى دشت أزادكان، والمعشور إلى ماهشهر، وعبادان إلى أبادان، والفلاحية إلى شادكان) لإيجاد قطيعة نمطية بين العربي وذاكرته المكانية.

تخريب الذات اللغوية وتكريس سياسة التهجين: الاستعاضة الممنهجة عن العربية الفصيحة والأصيلة عبر الترويج المفتعل للهجات ركيكة هجينة، مثل ما يُسمى بـ “اللهجة الآبادانية الجنوبية” المتأثرة باللورية والمحشوة بألفاظ وتعابير شوارعية، وترويجها عبر الإعلام والمنصات على أنها تعبير حقيقي ومتعارف عن إنسان المنطقة. يهدف هذا الترويج إلى احتقار اللسان العربي وتفريغه من قيمته الأدبية والفكرية؛ وكما يحلل فرانتس فانون في كتاب بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، فإن الاستعمار يسعى أولاً لاحتقار لغة الضحية واستبدالها برطانات مبتذلة لتوليد شعور بالدونية والخجل الذاتي، مما يحرم المجتمع من بناء لغة سياسية صلبة قادرة على صياغة مشروع التحرر والسيادة.

هندسة الاستيلاء على البيئة الاجتماعية والثقافية: إقامة المهرجانات الاحتفالية والرقصات التابعة للكتل الوافدة (كاللور) برعاية وتغطية رسمية في غالب المدن العربية، بينما تُحظر الفعاليات الثقافية العربية أمنياً. ويعبر هذا الاستلاء الرمزي على المكان لإشعار العربي بأنه ليس إلا مشاهد هامشي على أراضيه.

الغايات الأساسية للسردية الاستيطانية

وقد أتاحت هذه الهندسة الديموغرافية وتجميع الإثنيات الوافدة وصعود النشطاء المستوطنين للمنظومة الاستعمارية صناعة سردية خطيرة تُسوّق الإقليم بوصفه “قوس قزح من التنوع القومي”، زاعمة أن الأحواز ليست وطناً تاريخياً وحصرياً للشعب العربي، بل مجرد مساحة جغرافية تعايشت فيها إثنيات متعددة عبر التاريخ. وتستهدف هذه السردية تحقيق غايات أساسية أهمها:

تجريد الشعب العربي الأحوازي من حقه التاريخي: نفي صفة “أصحاب الأرض” والوطن التاريخي للعرب، وتحويلهم من صاحبي أرض ذوي قضية تقرير مصير إلى مجرد “أقلية ضمن أقليات عديدة” وشريكة في الجغرافيا.

شرعنة الاستيطان: إضفاء طابع “التنوع الثقافي الطبيعي” على نتائج سياسات التوطين والهندسة الديموغرافية، مما يُظهر وجود الشبكات اللورية والكردية والأصفهانية ونشاط المجتمع المدني الاستيطاني كحالة حداثية طبيعية وتعددية اجتماعية، لا كآليات إزاحة وتغيير ديموغرافي ممنهج.

رابعاً: موقف النخبة والطبقة السياسية والأفق الاستراتيجي

ورغم عقود طوال من عمر هذا الاحتلال، ما زالت النخبة والطبقة السياسية الأحوازية تعاني من حالة تردد وعدم حسم لموقفها الصريح والرسمي من أداة “المستوطن” بمختلف أشكاله (العسكري، الإداري، البازاري، والريفي والنشطاء والمؤثرين)، ولم تتبنّ بعد موقفا استراتيجيا حازما يُهيّئ النفسية الجماعية الأحوازية للمواجهة. وحتى وإن تذرع البعض بضبابية الموقف تحت وطأة التوازنات الدولية والمعادلات الإقليمية التي تتفادى الخوض في هذه التفاصيل الحساسة، فإن الضرورة الوطنية تفرض بناء استراتيجية بعيدة المدى للتعامل مع هذا التهديد الوجودي.

هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من مسارين متوازيين:

  1. الأول: ترسيخ مفهوم المستوطن (بما في ذلك شريحة النشطاء والفاعلين الاستيطانيين) في الوعي والعقل الجماعي الأحوازي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من بنية الاحتلال وعنصراً عضوياً في أدوات قمعها وتغييرها الديموغرافي والرمزي.
  2. الثاني: توثيق التمدد الاستيطاني وأنشطة الشبكات الوافدة ورسائل التغيير الديموغرافي في ملفات وشكاوى رسمية تُرفع للمحافل والدول المعنية بقضايا الشرق الأوسط.

إن تبني هذا النهج يضمن حسم الموقف السياسي والميداني مستقبلاً بصرامة وسرعة، وبأقل تكلفة وتضحيات. ويتكامل هذا البناء الأيديولوجي والوعي الاستراتيجي مع مواجهة السيطرة الإدارية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والأمنية والرمزية، ليُشكل أداة شاملة تسعى لفك الخضوع، وتثبيت حقوق الشعب العربي الأحوازي السياسية والسيادية، واستعادة أرضه ومقدراته.

 

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

الهوامش: 

1: توضيح مصطلح “الفلسطنة المكانية” (الذي ورد في النص): ​المقصود بـ “الفلسطنة المكانية” (Spatial Palestinianization): هو مفهوم تحليلي مُستعار من الأدبيات الاستعمارية النقدية، يُقصد به: تطبيق الآليات والجغرافيا الاستيطانية نفسها المتبعة في فلسطين على جغرافية أخرى. ويشمل ذلك مصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات المحاطة بأحزام أمنية، وتقطيع أوصال المناطق القروية عبر الجدران أو المشاريع الاقتصادية المغلقة، وتغيير الأسماء التاريخية للمعالم والمدن للتمهيد للإزاحة المكانية والديموغرافية الشاملة.

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here