المقدمة
منذ عدة أعوام، تتزايد التوقعات بإمكانية حدوث تحولات سياسية عميقة في إيران. ويبرز ذلك جلياً في تكرار الاحتجاجات الشعبية وتمددها عبر أقاليم البلاد، لا سيما في مناطق الشعوب غير الفارسية الواقعة تحت الاستعمار والاحتلال، وفي طليعتها الأحواز؛ حيث تتلاحق هذه الهزات بفواصل زمنية متقاربة، وتأتي كل موجة جديدة أشد وطأة وأثرا من سابقاتها. وأمام هذا المسار، يعوّل قطاع واسع من الأحوازيين على تحقيق تغييرات إيجابية تضمن استعادة حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والهوياتية، فضلاً عمن يرى في هذا الحراك فرصة لإمكانية تحرير الوطن الأحوازي المحتل. وفي خضم كل الأحداث التي تنبئ بقرب الحدث الكبير في إيران، تدق ذاكرة الأحوازيين أجراس التشاؤم والإنذار من خطر مصادرة حراكهم من قبل الشعب الفارسي المحتل؛ خاصة على تلك القوى العنصرية الفارسية. ومن ثم قد يأتي الدور على النكث بجلّ الوعود، مثل ما حصل بعد ثورة عام 1979م. ومن ثمّ فإن خوف الأحوازيين من تكرار التجارب الخاسرة مفهوم ومشروع؛ وهو الذي يحتم عليهم قراءة التاريخ بحذافيره، ومن زوايا مختلفة، ولأكثر من مرة(1).
وانطلاقا من ذلك، تبدو إعادة قراءة تلك المرحلة التاريخية ضرورة فكرية وسياسية، ليس لإعادة سرد أحداثه أو اجترار الماضي، وإنما من أجل فهم البنية الداخلية للحراك القومي الأحوازي آنذاك، والكشف عن عناصر قوته، وآليات صعوده، والعوامل التي مكّنته خلال فترة وجيزة من التحول إلى فاعل مؤثر في المشهد السياسي. وتأتي هذه الدراسة بوصفها محاولة لتحليل عوامل قوة الحراك الوطني الأحوازي في تلك الثورة، مع التركيز على البنية التنظيمية والسياسية للحراك، وآليات قدرته على التعبئة والتنسيق، وبناء الشرعية. كما تسعى الدراسة إلى إبراز ما حققه ذلك الحراك من إنجازات سياسية ومدنية، في مرحلة تعد من أكثر مراحل تاريخ الأحواز الحديث كثافة وحيوية.
هذا ولم تحظ عوامل قوة الحراك الوطني عند أغلب الباحثين في الشأن الأحوازي ما تستحقه من اهتمام، وكذا هي إنجازات هذا الحراك السياسي – الاجتماعي طيلة العقود الماضية. وهذا الإهمال وإن كان في الأغلب غير متعمد إلا أنه حرم قيادات الحراك من تشخيص مكامن القوة التي تستحق الاستثمار والمزيد من الانتباه. كما تسبب تجاهل مكامن القوة وإنجازات المناضلين بتراجع ملحوظ في درجات الثقة بالذات، ومن ثم انتشار نسبة كبيرة من مشاعر اليأس والإحباط.
ويجب التنبيه إلى أن الدراسة تميز بين الشعب العربي الأحوازي بعمومه وبين الحراك القومي الأحوازي، إذ أن الحراك الوطني وعلى الرغم من احتوائه لأكثر من منظمة ومجموعة ثقافية وسياسية، وكذلك تمثيله لشريحة عريضة من الشارع، لم يتمكن طوال تاريخه، ولا سيما إبّان ثلك الثورة، من تمثيل جميع الأحوازيين. وشهادة التاريخ صريحة فيما يخص انقسام الشارع في الأشهر التي تلت الثورة، إذ وفق ما ورد في مذكرات المناضلين أنفسهم، بقيت آنذاك شريحة لا يستهان بها خارج التيار القومي الوطني، ومن جملة أولئك: عدد كبير من رجال الدين، وشيوخ القبائل، وأصحاب التوجهات الطائفية، وغيرهم من عموم الناس المبهورين بشعارات الثورية. وهذا التباين في المواقف أسهم بنسبة كبيرة في إثقال كاهل النضال والحراك والإطاحة بالكثير من منجزاته.
مكامن القوة في الحراك الأحوازي إبان الثورة
مثّل الحراك القومي الأحوازي في ثورة 1979م نقطة فارقة في نضال الشعب، إذ مثّلت تلك المرحلة إحدى أكبر محاولات الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل المدني، مستفيدة من الفرصة السياسية التي أتاحها سقوط نظام الشاه، وما رافقه من انفراج مؤقت في الفضاءين السياسي والثقافي الإيرانيين.
ويمكن فهم هذا التحول بوصفه انتقالا من المقاومة المسلحة إلى المقاومة المدنية، بعد عقود غلبت فيها العلاقة الاصطدامية بين دولة الاحتلال الإيرانية والشعب الأحوازي، الذي كان يبتغي فيها التحرير والفكاك من الاحتلال الإيراني، ويطمح الفُرس لصهر العرب بشتى الوسائل السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى العسكرية.
ولقد امتلك الحراك الوطني آنذاك عددا من عناصر القوة التي قلّ أن تجتمع في تجربة سياسية ناشئة؛ فقد تأسست منظمة سياسية ذات هيكل واضح، ولجان متخصصة، ومراكز ثقافية معلنة في معظم المدن العربية، وقيادة موحدة، ومقر مركزي للحراك في مسجد “الجامع” بالمحمرة، وقائمة مطالب متوافق عليها، ووفد تفاوضي يمثل شريحة واسعة من المجتمع، فضلا عن قدرة كبيرة على الحشد الجماهيري. وقد عكست هذه العناصر مستوى متقدما من الوعي بآليات العمل السياسي والتنظيمي.
وعلى الرغم من قصر تلك التجربة التي لم تمتد إلا أشهرا معدودة، فقد تمكن الحراك القومي من توطيد النشاط المدني، حتى بقيت آثار ذلك النشاط فاعلة في المجتمع على مدار عقود متتالية وحتى يومنا هذا. وبناء على ذلك يمكن الوقوف عند أبرز عناصر القوة التي أسهمت في صعود الحراك الوطني الأحوازي خلال تلك المرحلة، وذلك على النحو الآتي:
أولا: وحدة القيادة: تحويل الرمزية الدينية إلى رأس مال سياسي
وجود قيادة جامعة متمثلة بالمرجع محمد الطاهر شبير الخاقاني استطاعت أن تشكّل أحد أهم عوامل القوة في الحراك. فقد أسهمت هذه القيادة في تقليل الخلافات الداخلية، وتعزيز الانسجام بين مكونات الحراك، وتوجيه طاقاته نحو الأهداف المشتركة.
الف: المكانة العلمية
ما كان عليه الشيخ شبير الخاقاني من مكانة علمية في الحوزات الشيعية، شكل أحد أهم الأسباب التي مكّنته من أداء دوره التاريخي في تلك الفترة التاريخية، إذ لم يكن الشيخ واحدا من عموم رجال الدين، بل كان مرجع تقليد وصاحب رسالة في الفتاوى الدينية، وهو ما يعكس المكانة العلمية الرفيعة التي كان يحظى بها في الأوساط الشيعية.
بلوغ الشيخ شبير الخاقاني درجة “آية الله”؛ وهي من أسمى الدرجات العلمية في مدارج الحوزات العلمية الشيعية، جعلته يحظى باحترام كبير بين رجالات المذهب الشيعي في كل من حوزتي قم والنجف، كما كان له عدد كبير من المقلدين في الأحواز والعراق وحتى في بعض دول الخليج العربي، وكل هذا زاد، بنسبة كبيرة، من ثقله في ميزان الأحداث آنذاك.
ب: السمات الشخصية
وإلى جانب مكانته العلمية كانت للشيخ صفات شخصية مكّنته من التحول إلى مظلة جامعة لمختلف تنظيمات وشرائح التيار الوطني الأحوازي. قدرة الشيخ على الاستماع للرأي الآخر، وتقبل مختلف الفاعلين على الساحة الأحوازية، من خلفيات فكرية مختلفة معه، منحته مكانة جامعة.
وجود أكثر من مستشار من ذوي الاتجاهات المختلفة إلى جانب الشيخ شبير يُعد دليلا واضحا على سعة صدره. فضلا عن هذا صلاته الوطيدة مع كل المنظمات السياسية والمجموعات الثقافية ضمن الحراك الوطني، وذلک على الرغم من وجود اختلاف في الرؤى والتوجهات. ومن المعروف أنه كان يستقبل ويستشير مختلف الفاعلين على الساحة آنذاك، على تفاوت مشاربهم الفكرية، ومنهم الشباب المحسوبين على الفكر اليساري، أي أولئك الذين انتظم الكثير منهم في المركز الثقافي في المحمرة، وذلك على الرغم من وجود البون الشاسع بين خلفياتهم الفكرية اليسارية وبينه كرجل دين ومرجع تقليد شيعي.
ت: عائلة الشيخ شبير الخاقاني
ولم يقتصر أثر الشيخ على حضوره الشخصي، بل أسهم أفراد من أسرته في دعم هذا الدور، وكانوا جزءًا من شبكة العمل السياسي المحيطة به. ومن جملة أولئك الشيخ عيسى الخاقاني، والذي كان ممثلا لشقيقه في الكثير من جلساته، سيما في الجلسات التفاوضية التي كانت تعقد مع الجهات الحكومية. والمعروف عن الشيخ عيسى أنه كان رجلا لبق الحديث، ذا فطنة عالية.
وكذلك يمكن ذكر مهدي الخاقاني، شقيقه الآخر، والذي كان يعمل قاضيا في محاكم مدينتي عبادان والمحمرة. والمعروف عن مهدي الخاقاني أنه ناب عن الشيخ في أكثر من موقف، سيما في الوفد الثلاثيني، إذ كان المتحدث باسم الوفد، وهوالذي تساجل مع أمير انتظام (نائب رئيس الوزراء الإيراني) عندما أنكر على الوفد مطالبه في جلستهم معه. وكذلك لأبناء الشيخ، ولا سيما الشيخ كاظم، دور بارز في هذا الصدد، إذ استطاعوا أن يكونوا كحلقات وصل بينه وبين مختلف أبناء الشعب.
ث: خلق تيار مجتمعي عريض
ويُعدُّ نجاح الشيخ في بناء تيار مجتمعي عريض أحد أبرز إنجازاته السياسية، إذ أنه استطاع أن يوجد تيارا مجتمعيا، وليس حزبا أو مجموعة أو منظمة مغلقة. بعبارة أخرى تمكن عبر إحداثه مظلة جامعة من إيجاد تيار مجتمعي يحمل في داخله أكثر من مجموعة ومنظمة مدنية، وأكثر من اتجاه فكري. وفي رأي الكثيرين هذا هو من أبرز ما يمتاز به قادة الشعوب لا سيما في المنعطفات التاريخية واللحظات الحرجة.
استطاع الحراك الوطني آنذاك أن يتبلور على شكل منسجم و متآلف أكثر من أي وقت مضى عليه، إذ اجتمعت فيه جميع تفرعات العمل المدني حول المصلحة الوطنية الأحوازية، ومع ذلك بقي الحق للجميع بالاحتفاظ بوجهة نظرهم ومنطلقهم الفكري الخاص. وبهذا أصبح لدى الأحوازيين تيارا مجتمعيا عريضا وليس مجموعة واحدة أو تنظيما منفردا. وكان للشيخ محمد الطاهر شبير الخاقاني الدور الأكبر في تهيئة الظروف التي سمحت بتشكيل هذا التيار الجامع.
ج: إمامة المسجد “الجامع” في المحمرة: الفضاء السياسي
لم تقتصر أهمية شبير الخاقاني على شخصه أو رمزيته الدينية، بل امتدت إلى الفضاء الذي تشكل حوله الحراك الوطني. إذ تحول المسجد “الجامع” والذي كان يؤم الناس فيه إلى ملتقى للمثقفين والسياسيين، ومركزا تتصل فيه مختلف فروع النشاط العربي ببعضها، و تتشاور فيما بينها أو من خلال الخاقاني؛ وبذلك تيسرت بنسبة كبيرة مهمة التوافق بين أجزاء التيار الوطني، وهي مهمة كان من المتوقع أن تتضمن مصاعب كبيرة.
كانت الوفود القادمة من العاصمة طهران أو تلك التي تأتي من مختلف مناطق الأحواز كثيرا ما تلتقي بالشيخ وممثلي الحراك الوطني في المسجد “الجامع”، كما كان المسجد في كثير من المواقف يعمل كمركز للحكم في الأحواز عموما ولا سيما في مدينتي المحمرة وعبادان. وبهذا كان المسجد يؤدي دور المركز والواجهة السياسية.
وعلى ضوء ما تقدم، لم يقتصر أثر الشيخ محمد الطاهر على كونه قائدا للحراك، بل أسهم في بناء بنية سياسية أكثر تماسكا، تمثلت في وجود قيادة ذات شرعية واسعة، ومقر مركزي للحراك، ومظلة جامعة ضمت مختلف التنظيمات، وتيار مجتمعي التف حول المصلحة القومية الوطنية، وقد شكّلت هذه العناصر مجتمعة أحد أهم مقومات قوة الحراك الوطني في تلك المرحلة.
ثانيا: قدرة الحراك الوطني على التنظيم
لم يكن اتساع التأييد الشعبي وحده كافيا لتحويل الحراك الوطني إلى قوة مؤثرة في المشهد السياسي بعد سقوط نظام الشاه، إذ أن الحركات الاجتماعية لا تكتسب فاعليتها من حجم جمهورها فحسب، بل من قدرتها على تنظيم ذلك الجمهور وتوجيه طاقاته نحو أهداف محددة.
وبحسب أدبيات علم الاجتماع السياسي يعد التنظيم المبكر مؤشرا على نضج الحراك وقدرته على التحول إلى فاعل سياسي منظم. وفي نفس الإطار يمكن فهم سرعة تشكل الإطار التنظيمي للحراك الوطني بعد الثورة بوصفه دليلا على توفر خبرات سابقة في العمل السياسي. ويؤكد ذلك ما أورده جابر أحمد في مذكراته عند حديثه عن تشكيل “المنظمة السياسية للخلق العربي” وما رافقها من لجان متخصصة ومهام محددة.
وبينما كان التاريخ الرسمي المعلن لانتصار الثورة في إيران هو 1979/2/11، فلم يلبث الشعب الأحوازي إلا شهرا ليعلن عن ميلاد “المنظمة السياسية للخلق العربي الخوزستاني“؛ في تاريخ 1979/3/18. وأول محضر لها كشفت فيه عن أسماء هيئتها الرئيسية، وسمت معظم أعضاء لجانها الستة، وبينت مهام كل لجنة من لجان المنظمة(3).
ويُعدّ الشهر الواحد لتشكل هذا الإطار التنظيمي مدة زمنية قصيرة جدا واستثنائية، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ضعف وسائل التواصل حينها. وهذا يُعد دليلا واضحا على وجود المقدمات اللازمة، من الوعي بمقتضيات المرحلة عند نخبة المناضلين، ووجود الإرادة، وتوفر أفراد من ذوي التجارب في العمل المدني، وحتى نخب الكفاح المسلح بين صفوف هذا التيار.
وتؤكد شهادات بعض الناشطين الذين عايشوا تلك المرحلة وجود خبرات تنظيمية سابقة بين صفوف الحراك. ويشير إلى ذلك فؤاد سلسبيل (أبو رسالة. وهو أحد مناضلي تلك الحقبة وما بعدها إلى اليوم): “كنا نشاهد الكثير من المناضلين الأحوازيين القدامى الذين كانوا يأتون إلى مقر المنظمة السياسية والمركز العربي، وبعض من هؤلاء كانوا هم من المؤسسين لمثل هذه التنظيمات السياسية والثقافية، وكان لهم دور في تشجيع الشباب، حيث كانوا يلتقون بالكثير من الشباب ويحدثونهم عن تجاربهم و..”(4).
وبعد أسابيع قليلة فقط من تشكيل المنظمة السياسية تمّ الإعلان عن تدشين المركز الثقافي بالمحمرة، وفضلا عما كان يفصل بين التنظيمين من اتجاهات فكرية، إلا أن ظهور المركز الثقافي كان دليلا آخرا على القدرة التنظيمية عند النشطاء الأحوازيين آنذاك ووعيهم بضرورة العمل المدني المنظم. كما ظهرت بالتزامن مع تأسيس المركز الثقافي في المحمرة مراكز وتنظيمات عربية أخرى في سائر المدن الأحوازية، وخاصة في الأحواز العاصمة وعبادان والفلاحية والخفاجية. إن ظهور النشاط السياسي والثقافي الأحوازي على هيئة عمل مدني، وتمركزه في بنايات في مراكز المدن العربية، انتقل بنشاط الأحوازيين الهوياتي والثقافي والسياسي إلى العلن، وذلك بعد ما كان جانب كبير من حراك الأحوازيين يتسم بالسريّة طيلة ما يقرب من خمسة عقود.
وهذا كان من جملة ما يحسب لأداء المنظمات المدنية الأحوازية آنذاك. واستطاعت المنظمات والمؤسسات المدنية آنذاك في أن تترك تأثيرا مشهودا و بالغا في مسار الأحداث، وذلك من خلال نشرها المكثف للمجلات والكتب وإقامة الجلسات الأدبية والعمل على ارتفاع نسبة الوعي القومي، كما أنها استطاعت لاحقا من توحيد صفوف الحراك وتنظيم مطالبه.
ويرى البعض أن المسار المدني، الذي جاء في تلك الحقبة كاضافة جديدة على الحراك الوطني الأحوازي، استطاع أن يتعدى بتاثيره الزمني ليصل لعقود لاحقة، وقد تكون الأنشطة المدنية في حقبة الإصلاحات (1997 – 2005م) وما تلتها من أنشطة مدنية على مختلف أشكالها، هي استمرار لتلك الانطلاقة.
سرعة إنشاء المنظمة السياسية والمراكز الثقافية في مختلف المدن أظهرت قدرة كامنة لدى الأحوازيين على التنظيم المدني؛ وهي قابلية سمحت للحراك بتوزيع المهام بفاعلية، وبتنسيق الجهود، وزادت من قدرة الحراك على التأثير.
ثالثا: القدرة على توحيد المطالب
لم يكن التحدي الذي واجه الحراك الوطني الأحوازي بعد سقوط نظام الشاه مقتصرا على اتساع المشاركة الشعبية، بل تمثل أيضا في تحويل ذلك الزخم إلى مشروع له برنامج سياسي واضح، ولم يكن ذلك ممكنا من دون التوصل إلى قائمة مطالب موحدة تعبر عن مختلف مكونات التيار الوطني.
وما إن انهار تماما النظام القديم حتى عمت إثر ذلك المظاهرات جميع المدن الأحوازية، حيث كانت تنزل الحشود العربية إلى الشوارع، وتطالب الحكومة الإيرانية أن تنصفها في عهدها الجديد، وعلى الرغم من ذلك كانت مطالب المتظاهرين متفرقة، ولم تكن قد صيغت بعد في وثيقة جامعة. ومع استمرار الضغط الشعبي الذي مارسته المظاهرات آنذاك اضطرت القيادات في طهران على زيارة الأحواز والمحمرة، والتفاوض مع قيادات من الحراك الوطني الأحوازي؛ وعلى رأسهم الشيخ محمد الطاهر شبير الخاقاني في المحمرة(2).
وكانت أبرز تلك الزيارات لرئيس الوزراء الإيراني آنذاك، مهدي بازرکان، إلى المحمرة، وفي تلك الزيارة تم الاتفاق مع الشيخ شبير على إرسال وفد عربي إلى مدينتي طهران وقُم ليحمل معه مطالب الشعب الأحوازي. وعقب الاتفاق مع رئيس الوزراء الإيراني، أجرى الشيخ سلسلة مشاورات مع جميع المنظمات السياسية والثقافية. ويكشف هذا المسار عن سعة في النظر، وقدرة على استيعاب مختلف الاتجاهات وحرص على إشراكها في اتخاذ القرارات المصيرية، وهي سمات عززت تماسك الحراك وشرعيته.
وأسفرت تلك المشاورات عن إعداد مسودة أولية للمطالب على يد أعضاء “المنظمة السياسية للخلق العربي” وكانت في أربعين فقرة، بعدها تم تقديم المسودة إلى شبير للإطلاع عليها، ثمّ اتسعت دائرة التشاور، فعرضت المسودة بعد ذلك على سياسيين ومثقفين في مختلف المدن، ومنهم أعضاء المنظمة السياسية، والمركز الثقافي العربي في المحمرة. ولم تقتصر المشاورات على النخب السياسية والثقافية، إذ تمّ عرض قائمة المطالب على شيوخ العشائر والوجهاء في مختلف المدن، وكذلك على ممثلين من مختلف شرائح المجتمع من حقوقيين ومعلمين وتجار وكُتّاب وإعلاميين. وبذلك أصبح التيار الوطني الأحوازي مدعوما بشريحة مجتمعية واسعة، وبرنامج حظي بدرجة عالية من الاجماع. أسهمت وحدة المطالب إسهاما كبيرا فيما حققه الحراك الوطني، وذلك عبر تعزيز التماسك الداخلي، وزيادة القدرة على التعبئة الجماهيرية. كما أن هذه الوحدة زادت من الشرعية السياسية وسهلت إمكانية التفاوض، وحالت دون التشتت وضعف التأثير.
ولم يقتصر أثر هذه الوثيقة على تلك المرحلة، بل أصبحت، مع بعض التعديلات، مرجعا استند إليه كثير من النشطاء في المراحل اللاحقة عند صياغة المطالب الوطنية، وهو ما يعكس الأثر الممتد لعملية التوافق التي أنجزت آنذاك.
رابعا: بناء التمثيل السياسي (الوفد الثلاثيني)
لم يكتف الحراك الوطني الأحوازي بعد التوصل إلى قائمة موحدة من المطالب، بصياغة تلك المطالب أو إعلانها للرأي العام، بل انتقل إلى خطوة أكثر نضجا تمثلت في اختيار وفد يتولى حملها إلى عاصمة الفرس طهران والتفاوض باسم الشعب مع مسؤولي الدولة الإيرانية. ولم يكن هذا الانتقال مجرد إجراء تنظيمي، بل عكس إدراكا مبكرا لدى قيادة الحراك بأن المطالب مهما بلغت عدالتها، تحتاج إلى جهة تمثلها وتدافع عنها أمام السلطة. ولضمان أن تحظى قائمة المطالب بأوسع تأييد ممكن، رأى القائمون على التيار الوطني آنذاك أن يضم الوفد ممثلين من مختلف شرائح المجتمع من رجال دين، ورؤساء عشائر، ومثقفين، ومحامين، وقضاة، ونشطاء سياسيين، وكُتّاب، ومعلمين، وسجناء سياسيين، وشعراء وأدباء.
وبعد سلسلة من المشاورات تمّ تمثيل تلك الشرائح في الوفد الأحوازي، والذي عُرف لاحقا بالوفد الثلاثيني، كما يمكن القول إن جميع المنظمات الوطنية الناشطة على الساحة آنذاك، السياسية منها والثقافية، وافقت على قائمة المطالب وأرسلت ممثلين منها للانضمام إلى الوفد(5). وهكذا تشكّل أول وفد عربي أحوازي رسمي، حظي بدعم جماهيري واسع، وبإسناد مؤسساتي غير مسبوق في التاريخ القومي الأحوازي، ومعه قائمة مطالب واضحة ومتفقا عليها بين قطاع واسع.
ويمكن القول إن تشكيل الوفد الثلاثيني حقق ثلاثة مكاسب رئيسية: أولها تحويل الزخم الشعبي إلى تمثيل سياسي منظم، وثانيها تيسير عملية التفاوض مع مؤسسات الدولة عبر جهة معترف بها داخل الحراك، وثالثها تعزيز شرعيته السياسية بوصفه ممثلا لشريحة واسعة من المجتمع الأحوازي. وتنسجم هذه النتائج مع ما تشير إليه أدبيات الحركات الاجتماعية من أن وجود تمثيل سياسي واضح يزيد من فاعلية الحركات وقدرتها على إدارة مواردها والتفاوض بشأن مطالبها(6).

رابعا: وجود قاعدة شعبية عريضة
لم يكن الحراك الوطني إبّان ثورة، مجرد نشاط قادته نخبة سياسية أو ثقافية، بل استند إلى قاعدة جماهيرية واسعة ظهرت بوضوح في المظاهرات والتجمعات العامة، وفي حجم التفاعل الشعبي مع مواقفه وقياداته؛ وقد منح هذا الحضور الجماهيري الحراك وزنا سياسيا ملحوظا، وعزّز موقعه من خلال مرحلة كانت تشهد تنافسا حادا بين مختلف القوى الساعية على التأثير في مستقبل جغرافيا إيران بعد سقوط نظام الشاه.
وسرعان ما أدركت قيادة الحراك الوطني آنذاك أهمية إبراز الدعم الشعبي؛ فبعد الاتفاق على قائمة المطالبات، وبعد أن تمت تسمية أعضاء الوفد الثلاثيني، قررت القيادة الإعلان عنها أمام الجماهير العربية في المحمرة، وبالفعل تم التحضير بشكل جيد لذلك اليوم، وكان الهدف إظهار ما كان عليه الوفد المنتخب من دعم شعبي. وفي اليوم المحدد حضر مدينة المحمرة مئات الآلاف من الشعب الأحوازي تأييدا للوفد، ولمطالب المذكرة التي كان من المقرر أن يحملها الوفد إلى طهران لعرضها على الحكومة الإيرانية(7). وقد أسهم هذا الأسلوب في عرض المطالب، مقرونا بإظهار التأييد الشعبي الواسع للوفد، من ثقل هذا الحراك في موازين الصراع السياسي آنذاك.
لم يتوقف التيار الوطني في استعراض ما كان لديه من دعم شعبي، إذ نجح مرة أخرى في تحشيد الجماهير العربية، وهذه المرة كانت في مدينة الأحواز، إذ بعد التجمع الجماهيري الكبير في المحمرة، والذي كان موفقا إلى حدود كبيرة، قصد الشيخ شبير الخاقاني إلى تلك المدينة بهدف عرض قائمة المطالب وكسب تأييد شعبي آخر للوفد. وكان الشيخ يتوقع استقبالا جماهيريا كبيرا، وذلك نظرا لكثافتها السكانية مقارنة بمدينة المحمرة، وكذلك لمركزية مدينة الأحواز وقربها من أغلب المدن. وقد صدقت توقعاته إذ استقبلته جماهير غفيرة في ملعب المدينة الرياضي، معلنة تأييدها للوفد ومطالبه.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الحراك الوطني نجح في تحويل التأييد الشعبي من حالة شعورية عامة إلى قوة سياسية ظاهرة. وتكشف المذكرات أن الانتماء الوطني في تلك اللحظة التاريخية كان حاضرا لدى قطاع واسع من الشعب، ومتقدما في تلك على الاعتبارات الطائفية والقبلية والمناطقية، وهو ما مكّن الحراك من توظيف هذا الرصيد الشعبي في تعزيز موقعه السياسي.
ولا غرابة، إذ تشير أدبيات علم الاجتماع السياسي إلى أن القاعدة الشعبية تمثل أحد أهم مصادر قوة الحركات الاجتماعية، فهي تمنحها الشرعية، وتعزز قدرتها على الضغط والتعبئة، وتزيد من تماسكها الداخلي وحضورها العام؛ وقد استطاع ذلك الحراك أن يوظف هذا الدعم الشعبي بفاعلية خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخه.
خامسا: التمتع بالمرونة والقدرة على قراءة اللحظة السياسية
لم يعتمد الحراك الوطني الأحوازي عقيب سقوط نظام الشاه على حجم التأييد الشعبي أو قدرته التنظيمية فحسب، بل أظهر أيضا قدرا ملحوظا من المرونة السياسية في التعامل مع التحولات المتسارعة التي أعقبت سقوط نظام الشاه. فقد أدركت قياداته أن المشهد الإيراني كان ما يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، الأمر الذي استدعى خطابا سياسيا قادرا على التكيف مع الظروف المتغيرة، دون التفريط بالأهداف الوطنية العليا. ويكشف استقراء أحداث تلك المرحلة أن الحراك امتلك قدرة واضحة على قراءة سيولة المشهد السياسي في الأسابيع التي أعقبت الثورة. فقد تعامل مع تلك المرحلة بوصفها فرصة تفاوضية أكثر منها لحظة مواجهة حاسمة، وهو ما انعكس في خطاب سياسي جمع بين المطالب الحقوقية والطموح الوطني، مع تجنب تبني خطاب تصادمي قد يدفع السلطة المركزية إلى رد فعل مبكر وحاد.
ولم تقتصر آثار هذه المرونة على تحقيق بعض المكاسب السياسية والثقافية، بل أسهمت أيضا في الحفاظ عليها، ولو لفترة محدودة، وسط أجواء ثورية كانت الثورة بقيادة خميني تتمتع فيها بتأثير واسع على قطاعات كبيرة من الإيرانيين، بل وحتى من الأحوازيين، فضلا عن امتداد ذلك التأثير إلى أجزاء من الوطن العربي و العالم الإسلامي. وكمثال على ما كان يتمتع به التيار الوطني من مرونة سياسية يمكن الاستشهاد بمذكرات المناضل الأحوازي فؤاد سلسبيل الذي يتحدث فيها عن كيفية قبول أعضاء المنظمة السياسية بمفردة “خوزستان” في عنوانهم الرئيس، وذلك بدل عربستان أو الأحواز، علما أن تسمية “خوزستان” هي تسمية فارسية جاءت بعد احتلال الأحواز والإطاحة بالحكم العربي فيها على يد رضا خان، وهي كانت ولا تزال مرفوضة عند التيار القومي بأكمله. يقول فؤاد سلسبيل: “في تلك الفترة لم يكن بالإمكان أن نطلق صفة الأحوازي على الشعب بدلا من “الخوزستاني” وذلك لسطوة الظروف علينا، وأيضا من أجل عدم إعطاء أي حجة بيد السلطة الإيرانية لضرب المشروع العربي الأحوازي الذي كنا نريد الحفاظ عليه بأي شكل من الأشكال و..”، فاستقر الرأي على اعتماد اسم “المنظمة السياسية للشعب العربي الخوزستاني”، رغم ما كانت تثيره تسمية “خوزستان” من حساسية لدى أبناء التيار الوطني(8).
ولم يقتصر ذلك على مسألة التسمية، بل ظهر أيضا في استعداد قيادات الحراك لقبول رأي الأغلبية، والاعتراف بميزان القوى القائم، وتكييف مواقفها بما يخدم المصلحة الوطنية. وتُعد هذه القدرة على التكيف مع الواقع، دون التخلي عن الأهداف الأساسية من أبرز مظاهر النضج السياسي. ومن تلك المواقف ما يذكره جابر أحمد: “وبما أن الشعب الأحوازي قد أجمع آنذاك على إيجاد حل عادل لقضيته في إطار إيران عبر منح إقليم الأحواز حكما ذاتيا، فقد وجدت الجبهة الشعبية نفسها بين خيارين، إما أن تنصاع لإرادة الشعب عبر حل نفسها والإنخراط في العملية السياسية، أو تبقى على شعاراتها القديمة والتي لم تنسجم مع المرحلة الجديدة(9).” ويضيف جابر أحمد: “وفي ظل منعطف سياسي خطير للغاية، جرى اجتماع لبعض قيادات الجبهة وتقرر حلّ الجبهة وتبني خيار الشعب، وتمّ باقتراح مني الاتفاق على تأسيس لجنة أطلق عليها اللجنة التحضيرية لمؤتمر الشعب العربي“(10).
وتؤكد هذه الوقائع أن المرونة السياسية كانت أحد عناصر قوة هذا الحراك، إذ أسهمت في الحفاظ على توازنه خلال مرحلة شديدة التقلب، ومكّنته من التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن أهدافه الرئيسة، وهو ما تنسجم معه الأدبيات التي تعد المرونة من أهم عوامل استمرارية الحركات الاجتماعية وفاعليتها.
سادسا: تراكم الخبرة الوطنية والإرث التنظيمي
لم يظهر الحراك الوطني الأحوازي من فراغ، كما لم يكن وليد الأسابيع التي أعقبت سقوط نظام الشاه، بل جاء امتدادا، لتجارب سياسية وثقافية ونضالية تراكمت على مدى عقود. وقد أسهم هذا الإرث في إعداد كوادر تمتلك خبرة في العمل الوطني، وفي بناء شبكات من العلاقات والثقة، الأمر الذي ساعد الحراك على سرعة التنظيم، واستيعاب المتغيرات، والانتقال إلى العمل العلني في وقت قصير. ولذلك فإن سرعة تشكل الحراك لم تكن حدثا مفاجئا، بقدر ما كانت ثمرة تراكم طويل من الخبرات والعلاقات الوطنية التي أعيد تفعيلها عندما سنحت الفرصة السياسية.
ويكشف تاريخ الأحواز الحديث أن العمل الوطني استمر على الرغم من القمع وتبدل الظروف السياسية، عبر عقود متتالية، وهو ما أسهم في تكوين رصيد متراكم من الخبرات التنظيمية والسياسية، وأبقى القضية الأحوازية حاضرة في الوعي العام، كما أوجد كوادر تمتلك معرفة بآليات العمل السري والعلني، وأسهم في بناء شبكات من العلاقات والثقة بين القوميين، وهو ما انعكس بوضوح على سرعة تشكل الحراك بعد عام 1979م.
ويشير فؤاد سلسبيل في مذكراته إلى عدد من التجارب الوطنية التي سبقت عام 1979م، مثل ثورة محي الزئبق، ومعركة مشداخ، وحزب السعادة، ورابطة الشباب الجعفرية، وجبهة تحريرعربستان، وحركة الجماهير العربية، وغيرها من التنظيمات والشخصيات التي أسهمت في حفظ الخبرة الوطنية ونقلها بين الأجيال.
وبناء على ما تقدم، يمكن القول إن أثر تلك التجارب لم يقتصر على حفظ القضية الأحوازية حيّة في الوعي العام، بل امتد إلى نقل الخبرات التنظيمية والسياسية بين الأجيال، وهو ما يفسر جانبا من سرعة تشكل المؤسسات الوطنية بعد الثورة، وقدرتها على أداء أدوارها خلال فترة وجيزة. وتنسجم هذه القراءة مع ما تشير إليه أدبيات الحركات الاجتماعية من أن الحركات التي تستند إلى إرث تنظيمي وخبرة متراكمة تكون أكثر قدرة على التعبئة والاستمرار من الحركات التي تبدأ من الصفر.
الخاتمة
تظهر هذه الدراسة أن الحراك الوطني الأحوازي إبّان ثورة عام 1979م، لم يكن حالة عفوية فرضتها ظروف سقوط نظام الشاه، بل كان نتاج تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية والتنظيمية التي مكّنته، خلال فترة زمنية قصيرة، من التحول إلى أحد الفاعلين في المشهد السياسي آنذاك. فقد أسهمت وحدة القيادة، والقدرة على التنظيم، وتوحيد المطالب، وتشكيل وفد ممثل، واتساع القاعدة الشعبية، والمرونة في التعامل مع المتغيرات السياسية، فضلا عن التراكم الوطني والإرث التنظيمي، في بناء حراك امتلك قدرا معتبرا من التماسك والفاعلية، رغم ما أحاط به من تحديات داخلية وخارجية.
وتبين هذه التجربة أن قوة الحركات الوطنية لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسساتها، وتنظيم مواردها، وصياغة خطاب جامع، وإيجاد تمثيل سياسي يحظى بالقبول، فضلا عن امتلاكها المرونة الكافية للتعامل مع التحولات دون التفريط بثوابتها. ومن هذا المنظور، تمثل تجربة هذا الحراك نموذجا جديرا بالتأمل، لما تحمله من دروس في البناء والتنظيم، إلى جانب ما انتهت إليه من إخفاقات تخرج عن نطاق هذه الدراسة.
ولا تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تلك التجربة بوصفها تجربة مثالية أو خالية من مواطن الضعف، وإنما إلى إعادة التوازن في قراءتها من خلال تسليط الضوء على عناصر القوة التي لم تحظ في الغالب، بما تستحقه من اهتمام في الكتابات السابقة. ففهم مواطن القوة لا يقل أهمية عن تشخيص أسباب الإخفاق، بل إن إدراكها يمثل شرطا أساسا للإفادة من التجارب التاريخية واستثمارها في بناء رؤى وطنية أكثر نضجا وفاعلية.
وإذا كانت هذه الدراسة قد اقتصرت على مرحلة تاريخية محددة، فإنها تفتح الباب أمام دراسات أخرى تتناول مراحل مختلفة من تاريخ الحراك الوطني الأحوازي، بما يسهم في بناء قراءة تراكمية لتجربته السياسية والاجتماعية، بعيدا عن السرد التاريخي المجرد، وقريبا من التحليل العلمي الذي يربط بين الوقائع التاريخية وبنية الحركات الوطنية وآليات تطورها. ومن المؤمل أن تسهم مثل هذه الدراسات في بناء معرفة تراكمية بالتاريخ النضالي، تجمع بين الدقة التاريخية والتحليل العملي، وتوفر أساسا أمتن لفهم تجاربه واستشراف مساراته المستقبلية.
رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
المصادر والهوامش:
1: هذه الدراسة لا تسعى إلى إعادة سرد الأحداث، بل إلى تحليل البنية الفكرية والسياسية للحراك الوطني الأحوازي في لحظة تاريخية مفصلية، مع التركيز على عوامل القوة الذاتية.
2: جابر أحمد، الحصاد المُر، عمان؛ دار دجلة للنشر والتوزيع، 2019, ص 263.
3: سازمان خلق عرب خوزستان, https://www.kamakaan.com/1170
4: فؤاد سلسبيل، اجتاحني حب كارون، ص 37
5: أورد جابر أحمد في كتابه “الحصاد المُر” قائمة أعضاء الوفد الثلاثيني ، وآًضاف أمام كل اسم الشريحة التي كان ينوب عنها ذلک الشخص (ص 267). وكذلك ذكر کل القوى، والمنظمات السياسية، والثقافية التي الفاعلة آنذاك على الساحة الأحوازية؛ والتي وافقت على المذكرة وأرسلت مندوبين عنها للمساهمة في الوفد الأحوازي المنتخب (ص281).
6: اندبندنت عربية – الوفد الثلاثيني الأحوازي في طهران “مقاربة لوثيقة تاريخية”، يوسف عزيزي، الرابط: https://shorturl.at/QyyQ9
7: جابر أحمد في الصفحة 271 من كتابه “الحصاد المُر” يقدّر عدد الحاضرين بنصف مليون شخص.
8: مذكرات فؤاد سلسبيل، واجتاحني حب كارون، الحلقة 37.
9: جابر احمد، الحصاد المُر، ص 259.
10: نفس المصدر، ص 260.
