دراساتدراسة في هندسة الاحتلال الإيراني وفاعلية المستوطنين بالأحواز

دراسة في هندسة الاحتلال الإيراني وفاعلية المستوطنين بالأحواز

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة

 

على غير طبيعة الاحتلال في المجتمع القديم، ما قبل الحداثة، الذي كان يعني فيه مفهوم الاحتلال الانتصار عسكريا على جماعة، أو منطقة، والاكتفاء منها بإعلان الخضوع وجباية الضرائب، تغلَّف هذا المفهوم في العصر الحديث بتمظهرات معقدة، وأضمر أكثر مما أسفر؛ فتغيرت أدواته، وشروط استمراره، وتعمَّقت الزامات إمضائه، حتى صار الاحتلال عملية تامة تشمل جميع مناحي الحياة محتلا (اسم فاعل) ومحتلا (اسم مفعول). ولذلك فضَّل بعض الباحثين اطلاق مفهوم الاستعمار على الاحتلال لشموليَّته، وفضَّل آخرون منهم استخدام الاحتلال الاستعماري لتغطية أكبر قدر من تركاته، والإشارة إلى أكبر مساحة يسري فيها. 

وفي المجتمع الأحوازي الذي يُمْضي قرنه الأول تحت الاحتلال الإيراني التبست هذه الظاهرة والتوى هذا المفهوم حتى استوجب تتبُع وجوهه وتأثيراته الاستمداد من مفاهيم جديدة تتيحها العلوم المختلفة، ويفرض استكناه الفاعلين عليه البحث والغور في منعرجات المجتمع التاريخية والمعيشة يوميا: لقد قُدِّر للشعب الأحوازي أنْ لا يكون الاحتلال المفروض عليه صنيعة جيوش وكتائب محارِبة جهارا، بل عملية مضمرة تقوم بها حشود مدنية تبدو سلمية في ظاهرها، هي وفود المستوطنين ذوي التأثير الأشدِّ فتكا والأدوم مكوثا في استمرار الاحتلال وامضاء الاستعمار ضد الشعب العرب الأحوازي. 

ومن أجل ذلك بالتحديد لا تتوجه المسؤلية الكبرى في استمرار الإحتلال الفارسي للجيش الإيراني وجنده وعدته، وحدهم، بل إلى تلك الجموع الغفيرة المتوافدة على الأحواز في كل ربوعها ومدنها، وما حرصت على تنفيذه، بوعي منها أو من دون وعي، في سبيل إدامة الحالة المتقومة بالعبد العربي والسيد الفارسي. ولا تُسْقِطُ بأي حال من الأحوال حالة الوعي أو اللاوعي المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن هؤلاء الذين حرصوا على ديمومة الاحتلال وقوموه وغذوه.

وهذه دراسة تلفت الأنظار إلى المستوطنين وعملية زحفهم التاريخية لإحتلال الأحواز، وفاعليتهم الآكدة في استمرار تسيّدهم على الوطن الأحوازي السليب والشعب الأحوازي المستعبد. 

الهندسة المجتمعية

عرض الفيلسوف الألماني كارل بوبر مفهوم الهندسة المجتمعية بوصفه آلية التغيير التدريجية المتوخية إيصال المجتمع إلى الغايات المرجوة عبر التدرج في سلالم الأهداف حتى وصول الغاية، بدلا عن التغييرات الفجائية الثورية. وبموجب هذا المفهوم فإنَّ التطور المرجو والتقدم الأمثل للمجتمع هو ذلك المتأتي عبر التركيز على إدارة التغييرات، بدء من أصغر وجوهها وختاما بأعلى درجاتها؛ ولا يحدد هذا المفهوم منسوب التغيير وسرعة امضائه فقط، بل يشخص بوضوح القائمين عليه، والفئات التي تجري الخطط المسلفة عليها من أجل إخراجها في غالب ما، يُتصور أنَّه الغالب المطلوب والهيئة المرضيَّة. 

وإذا كان صاحب أطروحة المجتمع المفتوح مهجوسا بالدفاع عن المجتمع الرأس مالي الليبرالي ونظام حكمه الديمقراطي، فإنَّه أغفل تماما القائمين على الهندسة الاجتماعية وانشطار المجتمع حال تنفيذها إلى فئتين: فئة تجري عليها الهندسة، وفئة تقوم عليها الهندسة؛ ليكون المجتمع هكذا مفتوحا أمام تراتبية تنتهي بتحول الهندسة إلى نوع من آليات الإخضاع والاستعباد: وهذا تماما ما يحصل في المجتمعات المصابة بالاحتلال والاستعمار، وعلى رأسها المجتمع العربي الأحوازي(1). 

فقد جرت الهندسة المجتمعية في الأحواز، بعد الاحتلال مباشرة، في مجرى غير مجرى الحروب والمصادمات العسكرية المباشرة (لظروف تاريخية ليس المقال هنا مقام شرحها) بل سرى على شكل صراع مجتمعي بحت، في مجتمع مزيج مصطنع، هو مجتمع الاحتلال والاختلاط، بين الشعب الفارسي صاحب الدولة المحتلة الوافد المستوطن، والشعب العربي صاحب الأرض الذي عانى الاحتلال. فظهر لأول مرة في التاريخ الأحوازي مجتمعا منقسما على نفسه: ليس من حيث انقسام الهوية القومية وما يتبعها من تنافر في اللغة والتاريخ والثقافة والعادات والتقاليد والرؤية الكونية للوجود، بل انشطار ظهر على شكل فئة عليا وفئة دنيا، أو بلغة معتادة انقسام مشتق عن علاقة السيد والعبد. ونظرا لـالمجاورة اليومية في هذا المجتمع بين السيد والعبد، بين المُهَندِس صاحب الخطة التنفيذية والفاعلية، والمهَنْدَس موضوع القولبة وإعادة التشكيل، خُيَّل أنَّه مجتمع طبيعي، كأنَّه كان على شاكلته مذ وُجد؛ وليس صنيعة احتلال ولا حصيلة هندسة إحلالية أرادت مسخ الشعب العربي الأحوازي وقتل عروبته. 

كيف تم ذلك؟ وكيف نفذَّ الاحتلال الإيراني الهندسة المجتمعية على الشعب الأحوازي عبر المستوطنين الفرس والوفود المحتشدة من اللر والدسبولية والشيشترية؟ ذلك هو موضوع الدراسة والتتبع هنا تاريخيا منذ أولى لحظاته. 

كعب الأرخبيل( نقطة الضعف): نمط الانتاج الزراعي الأحوازي

ما إنْ تمكَّن الاحتلال الإيراني من الإطاحة بالحكم العربي، حتى عمد إلى الهندسة المجتمعية التي أطلق عليها عملية صناعة الأمة (ملت سازي) وما تقومت به هذه العملية من بَعْث وفود الفرس المجاورة من أجل صهر العرب في بوتقة هذه العملية. فقد كان الحاكم الإيراني مقتنعا تماما بتوصيات المفكرين القوميين الإيرانيين القاضية بأنَّ السبيل الوحيد لإمضاء عملية صناعة الأمة الإيرانية الفارسية، هو جعل الشعب الأحوازي متفرسا ينطق الفارسية، وذلك عبر التغلب الديموغرافي وإرسال حشود تفوق عدد الشعب الأحوازي لمسخ لغته وهويته العربيَّة. فهذه التوصيات لم تكن مضمرة خجولة، بل كانت مبثوثة في كل صحائف الكتب الفارسية وعند روائد القومية الإيرانية، بدء من نجم الملك وصولا إلى أحمد كسروي وسعيد نفيسي الذي كان مصاحبا للملك الإيراني رضا خان البهلوي مؤسس الدولة الإيرانية شبه الحديثة. 

ولكن بدء هذه العمليَّة استوجب تمهيدا كان بمثابة الشرط الضروري للمضي فيها، تمثل في ضرب نمط الانتاج الزراعي الأحوازي، بوصفه عصب الحياة واستقلاليَّة الذات العربيَّة في تلك الفترة التاريخيَّة؛ نظرا لاكتفاء المجموعات الأحوازيَّة في أرضها عن كل حاجة ضرورية لحياتها، وتمسكها بالحيز الذي تقيم عليه وتكتسب قوتها منه، وهو الأرض الزراعية التي كانت تعد حماها؛ ولأنَّ الأرض الزراعية وكل ما يتصل بها من إنتاج زراعي كان المصدر الوحيد للدخل، وبه تتقوم الحياة.

لقد تميزَّ سهل الأحواز منذ أقدم العصور بوفرة المياه وخصوبة الأرض، حيث تحوطه، في جميع حواضره وربوعه، الأنهر العديدة الممتدة على طوله وعرضه، وجعلت كل ذراع من هذه الأرض خِصْبَة صالحة للزراعة في الفصول الأربعة. ومن أجل ذلك كان نمط الإنتاج الزراعي أكثر من كونه مصدرا لتأمين الرزق، بل كان نمط حياة تام طبع بطابعه الحياة العامة وعادات الناس وطرق بيانها وأنماط رؤيتها. لقد اصطبعت سميا الحياة الأحوازية بنمط الإنتاج الزراعي على طول عصورها، مما جعل زعزعته إرباك كل ما ابتني على هذا الأساس القويم الضارب في القدم، وطريقة العيش التي لا تزاحمها طرائق أخرى. 

وهنا بالتحديد أقبلت الدولة الفارسية الإيرانية على ضرب الشعب العربي الأحوازي من أجل اقتلاعه عن كل ثوابته، (ضربه) في أرضه التي يحيى منها وبها، فصادرت بفائق القوة التي لديها أفضل الأراضي الزراعية بالقوة، وأسندتها إلى صناعتها الناشئة، وجعلت الصناعة الفارسية ذريعة إلى المصادرات؛ فسَلْب الأرض لم يكن نابعا عن حاجة الدولة الإيرانية المحتلة للأراضي الزراعية أو للزراعة، بحد ذاتها، بل كان علما منها بمكانة الزراعة والأرض في المجتمع، ومكانة النمط الإنتاجي هذا تاريخيا: فزراعة مثل قصب السكر التي صادرت سلطات الاحتلال آلاف الهكتارات من الأراضي من أجلها، على سبيل المثال، لم تكن توائم الطقس الأحوازي ولا تتناسب مع التربة أصلا؛ فضلا عن أن الدولة لم تكن بحاجة إلى مثل هذه الصناعة؛ كما أنَّ الاطلاع على تكاليفها يشير بلا التباس إلى أنَّها صناعة خاسرة ومضرة بنسبة مئة بالمئة وكلَّفت ميزانيات كانت كفيلة بتدشين صناعات مربحة بنسب كبيرة؛ إلى جانب أنَّها صناعة تقتل التربة إلى غير رجعة وتتسبب في ملوحة الأرض حتى تحولها إلى أرض قاحلة مغفرة لا تصلح للزراعة، ومن ثم تحويلها من مصدر الرزق والحياة إلى صحاري تطاير منها الكثبان. وبمصادرة الأراضي الزراعية من قبل دولة الاحتلال، ثم إسنادها إلى المستوطنين والصناعات الإيرانية، فقدت الجماعات الأحوازية مقوم حياتها الرئيس: من حيث الاقتصاد وتأمين الحياة اليومية وضرورتها، من جهة، ومن حيث ما تمخض عن نمط الإنتاج هذا من عادات وتقاليد وتمظهرات هووية وبيانية ووجوديه من جهة أخرى. فكانت أولى نتائج شح الأرض هي المصادمة على الأرض والصراع من أجل البقاء: وهي أكثر النتائج الخطيرة التي تفضح كيفية سريان الهندسة المجتمعية الإيرانية (كما سيتم الإشارة إلى ذلك في الفقرة التالية). 

وقد تزامن سلب الأرض من العرب منحها للمستوطنين، تارة بشكل مباشر وتارة غير مباشر: فبالمنح المباشر خصصت الأراضي الزراعية لمستوطنين تملكوا آلاف الهكتارات من الأراضي، في الأحواز العاصمة وعبادان ورامز والمحمرة ونحوها من الحواضر العربية، وبات رجلا واحدا مستوطنا، يفوق الإقطاعي الأوروبي مِلْكا، حتى أصبحت هذه الأراضي أحياء برمتها، واستحوذ مستوطن واحد على أحياء عديدة، وهم معروفون في كل مكان؛ وقد أحاطت دولة الاحتلال هؤلاء الإقطاعيين المستوطنين بطوق أمني حجبت عنهم الأحوازيين واحتمالية تصديهم لهم؛ أما المنح غير المباشر فكان عبر إيجاد صناعات نظير قصب السكر والآبار النفطية على الأراضي الأحوازية التي صودرت، ثم توظيف وفود المستوطنين عليها وتوفير جميع أسباب الرخاء والحياة الرقيدة، المحفزة على استقدام مزيد منهم من المناطق المجاورة، بالوقت الذي فرضت منعا باتا أي توظيف أو منح أي مجال للحياة الجديدة لهؤلاء المزارعين الأحوازيين الذين صودرت أراضيهم توا.

لم تكن إصابة نمط الإنتاج الزراعي في الأحواز، ومصادرة الأراضي الزراعية وقتلها، مجرد طمع من مستوطنين إقطاعيين، أو نهم من الدولة للصناعة وبناء الزراعة الحديثة، كلا إنها كانت بكل توكيد ضرب البنية المجتمعية التي كان مقومها وأساسها نمط الإنتاج هذا، وما اتصل به وتعاطى معه من ثقافة ورؤى كونية.  

إصابة الذات: من ذات عمرانية إلى ذات ممسوخة

وبعد أنْ كانت الأرض وفيرة في سهل الأحواز، كما قيل، حيث كانت الناس تزرع أنَّى تشاء وأينما تحل، وفي ظل وفرة المياه التي جعلت المحاصيل كثيرة والناس في رخاء نسبي من حيث الوفرة (وليس من حيث عدالة التوزيع والمساواة) تحوَّلت الأرض إلى سلعة نادرة، تتنافس المجموعات الأحوازيَّة عليها وصارت خيرا شحيحا: وهنا بالتحديد نشب الصراع بين الأحوازيين، أفرادا ومجموعات عشائرية، فيما بينها، وصارت النزاعات من أجل الأرض بطولات يناط بها استمرار الحياة: لقد ظهر هنا، بشكل غير مريب، أنَّ هذه الصراعات على الأرض وعلى مصدر الرزق الوحيد الذي أخذ يشح بعد وفرته صراعات طبيعية؛ والتبس على الناس أنَّ هذه الصراعات العنيفة هي من صنع الطبيعة وحدها لأنَّها لم تَجُد بالخيرات، وتُنوسي تماما أنَّ الأرض هذه كانت قبل وقت قصير متاحة أين ما حل الفرد زرعها وقوَّمَ حياتها بها. هذه هي وظيفة الهندسة المجتمعية، حيث أبعدت النظر من أساس المشكلة ورأس الأمر إلى الغشور التي زيفت الحقيقة وحجبتها عن أنظارهم(2). 

ثمَّ تزامن إخراج الأحوازيين من نمط إنتاجهم التاريخي القائم على الزراعة، مع ظهور نمط انتاج هجين من شذرات الإنتاج الرأس مالي، ورسوبات الإنتاج القديم. ومع ذلك التزامن أُقصي الشعب الأحوازي، بكل فئاته، من طرفي الاقتصاد الهجين هذا: فهو لم يعد قادرا على الاستمرار في الزراعة وقد صادرت دولة الاحتلال أرضه والمياه اللازمة للري، بعد بناء السدود، من جهة، ونبذته الدولة بمستوطنيها عن الدخول في الاقتصاد شبه الرأس مالي في الأسواق والنظام البيروقراطي، فلم يجد نفسه إلا عائما يطفو بين هذا وبين ذاك من جهة أخرى. فكانت ضربة مزدوجة المفعول شلت الاتجاه الأحوازي في اختيار البديل من نمط العيش، حيث أعدمت عنه إمكانية الرجوع إلى معهود الإنتاج، من جهة، وأبعدت عنه إمكانية اختيار البديل أو السعي في خلقه من جهة أخرى.   

وهنا بالتحديد لم يجد الأحوازي مندوحة غير العودة إلى المألوف إلى النمط الانتاجي الذي عهده منذ أقدم العصور، فتحولت هكذا الأرض الوفيرة إلى سلعة نادرة، وتحول الطريق إليها إلى صراع ونزاع: فتنازع الشعب بكل فئاته ضد بعضه من أجل الأرض؛ منازعة خطرها يظهر في أنها لم تكن تتجاوز نطاق الأنا الجماعية الأحوازية، حيث ظلت تدور في الحيز الأحوازي ضد بني عروبته وبني قومه، لأنَّه خبر بحدوس في حياته اليومية عجزه عن الصراع مع الفارسي المستوطن الذي سلب الأرض واستعبدها لفائق القوة بينهما، ولوقوف دولة الاحتلال مع المستوطن ضد أي استهداف عربي محتمل. 

وهكذا ظهرت لا شعوريا آلية انتكاص الذات المهزومة: وهي آلية سارية المفعول، توجه سلوكيات الفرد الأحوازي، إذ جعلته باسلا في الصراع الذاتي بينه وبين أخيه والعربي في المجتمع العربي، وخوارا عند منازلة الفارسي المستوطن نتيجة فائق القوة بين وبينه المستوطن المسنود بدولة الاحتلال وكل عديدها وعتادها. إنَّ الذات التي تنهزم دوما أمام عدوها، لفارغ ميزان القوى المهول، تنتكص على نفسها وتروح تفرغ غضبها على ذاتها، لأنَّها عاجزة عن توجيه الغضب على المسبب الرئيس. وهذا بالتحديد هو ما يسمى العنف الأفقي الذي يفيد بضرب الضحية بالضحية، ونسيان المسبب الجالب لكل هذه المناسبات وشبكة العلاقات المجتمعية. وقد اغتذى العنف الأفقي بالذات المقهورة سيكولوجيا، التي لا تستطيع أن تفرغ غضبها على المسبب الرئيس، فلما تسنى له إفراغ الغضب اشتط به، وجعلته غضبا منفلتا عن أي عقل: وهو غضب لم يُسمح له إلا بالظهور بين العربي في صراعه مع عربي آخر؛ إنَّه الغضب الموجه(3). 

وفي طرفي الاقتصاد الهجين كان المستوطن الفاعل الرئيس في اقصاء العربي الأحوازي: فهو باستحواذه على النظام البيروقراطي والسوق والمهن والتجارة والصناعة، وهي أمارات الاقتصاد الرأس مالي، مانَعَ بقوة التعرف على نمط الإنتاج هذا؛ كما أنه بسلبه الأرض ومصادرة المياه، مانَعَ مرة أخرى من عودة الأحوازي إلى نمط انتاجه القديم المعهود(4). ولكنَّ المنع من القدوم على نمط الانتاج الجديد هنا أخذ طابعا من صنع الهندسة المجتمعية، فهو لم يكن منعا باتا، وإنَّما كان منعا مهندسا: فالأحوازي قد أُدخل في الاقتصاد شبه الرأس مالي، ولكن على هامش هذا الاقتصاد فصار عاملا وفراشا وبلديا ونحو ذلك من العمالة الزهيدة، مُنِعَ تماما من الدخول إلى مفاصل الاقتصاد الجديد الذي يمكِّنه من التعرف عليه، ويساعده في الخروج من نمط الإنتاج القديم إلى نمط الإنتاج شبه الحديث. 

ولأنَّ نمط الإنتاج الزراعي كان أكثر من مجرد مجموعة فعاليات تضمن تأمين الاحتياجات اليومية، وتعدى إلى أنْ يكون نمط حياة وتعبيرا عن فهم ذاتي للكون، كما قيل، فإنَّ استهداف الأرض ومَنْ عليها مِنْ قبل دولة الاحتلال الفارسية وجموع المستوطنين الذين استولوا عليها اكتسب بعدين: بعد مادي تجلى في الإخراج من الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج شبه الحديث، وبعد معنوي تجلى في خسف الذات الأحوازية وإضفاء طابع عليها وانساب خلق لها لم تكن من صنعها ولا اشتقاقا عن أسلوب حياتها. 

على هذا الأساس أخذ المستوطنون يصورون الذات الأحوازية باحتقار وازدراء، والإكثار من تعريفها بالعجز عن فهم الحياة الجديدة، وأنها ذات مزارعة فقيرة تنتمي إلى العالم القديم. وقد اغتذت هذه الصورة بهذه الصراعات المندلعة على الأرض، يقتل الأخ فيها أخيه من أجل أرض لا تساوي ماديا مبلغ مركبة يمتلكها المستوطن. وهكذا تعمم عنف الصراع على الأرض إلى وصم الذات الأحوازية من قبل المستوطنين بالخشونة والبداوة؛ وبات منع الدخول إلى الاقتصاد الجديد ليس عملية تحرص عليها الدولة عبر المستوطنين، بل قصورا ذاتيا في الأحوازيين تجعلهم لا يفقهون الزامات الحياة الجديدة. وهكذا انعكست الصورة المتصلة بالواقع من علاقة سيد وعبد، ومن علاقة محتل مستوطن ومحتل عربي أحوازي، إلى علاقات بين أحوازيين تخلفوا عن الزامات العصر الحديث نتيجة العطب الذاتي في ثقافتهم وعاداتهم وطرق حياتهم.    

ثم إلى جانب كل ذلك غذَّت جموع المستوطنين وهي في موقف القوة والممسكة بأدوات بسط الأمن والمحاكم والسلطة القضائية دورة العنف الأفقي هذا، وحرصت على استمراره، ووقفت موقف الحياد السلبي منه، ذلك النوع من الحياد المهندس الذي وإنْ لم يتحمل المسؤلية القانونية المباشرة في العنف، ولكنَّه يتحمل المسؤلية الأخلاقية في ذلك، والذي يفضي إلى تعزيز دورة العنف، وعدم معالجتها بصورة تمنع تكرارها ودورتها. وذلك لأنَّ أي تخفيف من وطأة دورة العنف، ستعيد المجتمع الأحوازي إلى نصاب حركته الطبيعية، وستجعله إذا انتهى من العنف الأفقي المستمر ينافس المستوطنين على مصادر الرزق والاقتصاد الجديد، نظرا لأنَّ المستوطنين رغم وفدوهم الجرار ظلوا أقلية في أرض الأحواز تفوقهم أعداد أصحاب الأرض العرب بشكل ساحق؛ وهذا يعني أنَّ أي وقوف للعنف، أو سماح لدخول الشعب الأحوازي إلى مفاصل الدولة والاقتصاد شبه الرأس مالي يعد تهديدا مباشرا لتربع المستوطنين على خيرات الأحواز وثرواتها. هذه هي الصورة الحقيقة من الحياة في الأحواز التي خبرها المستوطن، بوعي منه أو من دون وعي، فجعلت المعادلة تظهر له على الشكل التالي: أي منفعة للأحوازي، العربي بالضرورة، خسارة للمستوطن، وأي انتفاض له، انتكاصة للوافد اللري.  

الجماعات البدائية المتوحشة

وما كان للذات العربيَّة الأحوازيَّة أنْ تصاب بالعلة، لو لا سريان هذا التصويب من قبل المستوطنين بوفودهم الجرارة، ولو لا عيشهم في ثنايا الحياة اليومية، حيث يلتقي الأحوازي في مدنه وأحيائه المستوطنين يوميا، ويجدهم بصورة هي أفضل منه ظاهريا: فالمستوطن مكين اقتصاديا، يتحصل على وظيفة قارة، لديه مركبة يقودها إلى العمل ويصطحب أسرته عبرها، وهو يسكن في أحياء ثمينة البيوت وذات رخاء، وهو ذو شهادة جامعية، ومدني الأسلوب لا يتصارع ويعارك ويفض اختلافاته بالطرق القانونية إلخ. وهي كلها صور المدنية، والحياة الحديثة التي طغت على ظاهر المستوطن، وقلَّت في تمظهرات حياة العربي الأحوازي. 

ولذلك فإذا ما قال هذا المستوطن الودع شيئا فهو لن يقوله اعتباطا، بل عن علم وحياد موضوعي: ولذلك فهو عند تقييمه للمجتمع العربي الأحوازي منصف ينطلق من منطلقات حديثة وموضوعية: وهو يرصد الصراع العربي اليومي، وفقر المجتمع العربي، واتساخ الأحياء العربية في المدن الأحوازية الخالية من المستوطنين، وانعدام الأمن فيها إلخ. لذلك صدق المستوطن هذا عند ما قيم الشعب الأحوازي بأنه مجموعة عشائرية تعيش حياة بدائية قوامها الصراع والعنف. 

فهنا التقييم هذا، بناء على الهندسة المجتمعية، لا يصدر علانية ولا يصرح في وسائل الإعلام، كلا بل هو يسري سريانا خفيا، ويظهر في الحياة اليومية، ويحقن بشكل خفي: فالمستوطن لا يقول للأحوازي العربي القريب منه أنك أدنى مني مدنية وثقافة وأصالة وجمالا، كلا بل هو يقول ذلك كله بتجنبه اليومي وفي الحياة المعيشة في السوق والدوائر والمحال الرياضية وغيرها، عن معاشرة العرب، والتخوف منهم. فبهذا الأسلوب يتم بث الدونية في العربي الأحوازي، حيث ما كان المستوطن قادرا أن يتجنب العربي الأحوازي، لو لم توفر له دولة الاحتلال كل ما يجعله في غنى عن معاشرة العرب، وتجعله يتحين الفرص للابتعاد عنهم. وهنا يدرك العربي بعمق هذا التجنب من المستوطنين له، يدرك بقوة تجنب الفارسي الشاب أو الشابه الثرية، صاحبة الشهادة، والبيت الواسع، والعلاقات الكثيرة مع أصحاب المناصب الحكومية إلخ من العربي الفقير في بيت صغير لا يمتكله وفي حي يفتقد الخدمات الأساسية المدنية، وصاحب الأب الفراش أو العاطل عن العمل: إنها علاقة غير ندية بين من يملك كل سبل الحياة، ومن يفتقد إليها كلها. 

إنها علاقة ذات وقع مدو، وهي بسريانه الخفي، ضمن الهندسة المجتمعية، تنفد إلى مسامات الوعي العربي الأحوازي، وتنال من ملكوت ذاته وثقته بنفسه. وفي ظل سريان هذه العلاقة يتموضع العربي الأحوازي موضع المنفعل المنهزم، فيرتد على ذاته، مقبحا إياها، وواضعا مكانتها دون مكانة الفارسي المستوطن المتربع على خيرات الأرض وثرواتها؛ غافلا عن السبب الرئيس الذي بنى كل هذه المنظومة من العلاقات في المجتمع الأحوازي. هذه الصورة الدونية عند العرب تسببت بشكل تلقائي، لا شعوري، بأنْ يساوق العربي الذي يريد أن يعيش الحياة المدنية ذاتها التي يعيشها المستوطن، وبين نكرانه لعربيته أو اخفائها(5). 

وتكمن خطورة هذه الصورة التي هندسها المستوطن على ربوع الوطن الأحوازي في أنها لا تتم عبر الدولة، ولا عبر الإعلام، ولا بالعنف، بل هي أدهى من ذلك وأعقد بكثير: إنها صورة يبثها ويوطدها المستوطن عن الأحوازي العربي عبر تصرفاته اليومية اليسيرة التي قد تظهر في بادئ الرأي أنها ليست ذات شأن: من اختيار ملبوس، وانتقاء عطور، وتخطيط منازل، ونبرة حديث بصوت منخفض، والتعامل مع الزوج والأبناء، والابتعاد عن العنف، كلها على الضد مما في العربي الأحوازي ذاته. فهنا كل تلك التصرفات اليومية هي فارسية الطابع، ولأنَّها تصدر عن المستوطن الذي يعيش حياة، بكل المعايير، أفضل من حياة العربي الشقي، صارت هذه التصرفات لا على أنها ثقافة الفرس التي تختلف عن ثقافة العرب، بل على أنها ثقافة الأفضل ذاتيا؛ وأي خروج لحياة أفضل من حياة الشقاء العربية الأحوازية، وهي تجتر تبعات الاحتلال وتأثيراته، يستوجب تقليد الفارسي المستوطن هذا، في الهندام وفي البيت وفي التصرف وفي اختيار القيم وفي كل مظاهر الحياة اليومية والجماعية.  والطريق من هنا: من أفضلية المستوطن وكل صور حياته عن الأحوازي وكل سلوكياته العربية، إلى ازدراء هذا وتبجيل ذاك طريق معبد: وهو ما حصل عبر التفريس بكل ما تحمله ظاهرة التفريس ومفهوم التفريس من أبعاد شاملة في الحياة. وهي القاصمة للهوية العربية الأحوازية. فهنا نجح الفارسي من تنصيب نفسه ونمط حياته كأسلوب الحياة الأمثل، والمثل الأعلى، وأنَّ هذا المثل هو ما يجب أن يسلكه كل من يريد القدوم إلى الحياة المدنية. 

ولذلك صار خروج الأحوازي من نمط الحياة القديم، سواء القائم على الانتاج الزراعي أو الثقافة التقليدية العشائرية القبلية، إلى نمط الحياة الجديد، غير منوط بما ستجلبه تحولات المجتمع العربي الأحوازي، بل هو صورة موجودة وماثلة، هي صورة الفارسي المدني الذي سبق الأحوازي العربي بالقدوم إلى الحياة الحديثة. وهذا هو غاية الهندسة ومبتغاها ومنتهاها: تحول الفارسي المستوطن من عدو احتل الأرض وسلب خيراتها، وتسبب بكل شقاء المواطن العربي الأحوازي، إلى مثل أعلى يحتذى به في كل محاولة أحوازية تريد أن تواكب الحياة الجديدة، وتشق طريقها في العالم الحديث.

الختام

إنَّها معضلة أخلاقية فعلا: فلا يمكن بأي معيار من المعايير النظر إلى الجاني بأنه مقوم الحياة، ومن له الحق في أن يحكم على طرائق الوجود والسلوك، ومن يُتخذ معيارا في الصواب والخطأ: إنَّها صور من أعتى صور انقلاب الحقيقة واستلاب الذات. فقد تنوسي تماما تاريخ قدوم المستوطن عبر دولة الإحتلال الإيرانية، وبدايته بسلب الأراضي الزراعية وتجفيف مصدر الرزق الأحوازي، وما جلب ذلك من إرباك الحياة المتقومة بالاقتصاد الزراعي رأسا على عقب. وكذلك أهمل ممانعة هذا المستوطن، كرة أخرى، الأحوازي من أن يستبدل بالنمط القديم من الإنتاج نمط إنتاج شبه حديث، عبر الخيرات الريعية من نفط وغاز ونظام بيروقراطي؛ وبدلا عن ذلك تم الاندراج في الهندسة المجتمعية الإستيطانية، وفُهم الواقع على أنه حق المستوطن الطبيعي بأن يتربع على كل تلك الخيرات، وأهل الأرض العرب في خصاصة وتعاركات عشائرية وقبلية. 

تلك الصراعات الأفقية التي حرص المستوطن بدهاء خبيث على تكرارها واستمرار دورتها، عبر الحياد السلبي، إذ لم يمانع المستوطن المدعي العموم والقاضي من تغذية أسباب الصراع، وهي أسباب معيشية في الأعم الأغلب، بل أخذ يمنح صورة عن الأحوازي العربي تلازم بين هذا الصراع وفطرته، أن الذات الأحوازية مجبولة على العنف لا يمكن تقويمها، وتناسى الظروف التاريخية التي تسببت بدورة العنف الأفقي هذا. 

وما كانت للصورة السلبية المحتقرة للأحوازي العربي أن تتمكن من نفوس المستوطنين والعرب أهل الأرض معا، لو عيش المستوطن هذا مع الأحوازي كل يوم، وهو يحقن فيه هذه الدونية، عبر مخالفته لكل تمظهرات الفرد الأحوازي والجماعة الأحوازية، بدء من اختيار الملبوس والأكل والعطور حتى، ومرورا برفض الشكل وخطوط الوجه وسمرة البشرة، وانتهاء بالعادات العربية ولغتهم وثقافتهم. إنها الهندسة التي تسري من تحت، ويحرص على امضائها مجتمع استيطاني بعينه وبكل جموعه، وما يتوفر عليه من دعم تام من دولة الاحتلال يقف موقف السند من بعيد لا يتدخل مباشرة.  فهل يمكن بعد كل ذلك الحديث عن مجتمع تعددي أحوازي نكون فيه نحن العرب، ضحايا الأمس واليوم، مع المستوطنين اللر والدسبالة والشوشتيريين مجتمعا سويا يتقوم على أساس المساواة والذات التاريخية السوية؟ هل يمكن أن نسقط بضربة واحدة هكذا المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمستوطنين وتسببهم بقرن من الشقاء والتعاسة والفقر والقتل الذي جربه الشعب الأحوازي، ونتج عن هندسة مجتمعية استيطانية؟ هندسة الاستعباد وقتل الذات الأحوازية.     

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

  

الهوامش والمصادر: 

  1. راجع في ذلك: كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، ترجمة السيد نفادي، دار التنوير؛ وعقم المذهب التاريخي، ترجمة عبد الحميد صبرة، دار المعارف. هذا ويلتفت القارئ النبيه إلى أن الإشارة إلى مفهوم الهندسة المجتمعية وكارل بوبر، في الحالة الخاطفة هذه، ليست سوى محاولة لجعل النص مستندا إلى مرجعية فكرية، ولو من بعيد، ومتوخيا التطرق المؤصَّل.
  2. . أصدر معهد الحوار دراسة عللت انعدام الراديكالية في مطالبات الشعب الأحوازي بالفقر المتجذر في المجتمع. وهذا لا يعد نقيضا لما ذُكر أعلاه، نظرا للتباين بين الرخاء من حيث الوفرة التي تجود بها الأرض، والفقر من حيث انعدام العدالة في التوزيع واستحواذ الفئات العليا في المجتمع الأحوازي، نظير الشيوخ، على خيرات الأرض ومعظم المحاصيل، الرابط: https://tinyurl.com/48kx3a8d
  3. أشكال الاستيطان في الأحواز وأدواته، الرابط:  https://tinyurl.com/ye266vaa
  4. الإرث الاستعماري الفارسي: دراسة نقدية للسياسات الإيرانية وتأثيراتها على الأحواز، الرابط: https://tinyurl.com/3ubb9dfd
  5. جغرافيا التمايز وتمدين الازدراء: نقد المدينة في إيران الحديثة، الرابط: https://tinyurl.com/5amk64kp

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here