فن وثقافةسهام سجيرات .. لوحةٌ عن الأحواز طال رسمها ثلاثون عاما 

سهام سجيرات .. لوحةٌ عن الأحواز طال رسمها ثلاثون عاما 

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

يود الناس أن تنعكس صورهم  في مرآة الآخرين، وأن يكونوا مدار الحديث وموضوع الكتابة، وعليه يبجلون من يأتي بهم إلى بؤرة الضوء، ويعشقون من يجعلهم قصة كتاباته وأبطال رواياته. وهذا الحال أشد وأفدح عند أولئك المهمشين قسرا، والمسكوت عنهم زمنا طويلا. وهذا ما تفعله للأحوازيين سهام سجيرات؛ وهي كاتبة ورسامة أحوازية تكتب منذ ثلاثة عقود عن الأحواز وترسم لوحات فنية تُحاكي لأهل الفن ملامح الأحواز وأهلها.

قبل شهر (4 يونيو 2026) وفي صالة “ريم” للفنون الجميلة في الأحواز، أقيم حفل توقيع مجموعة قصصية  لسهام سجيرات. واختارت له سجيرات عنوان “دوباره مرز” (مرة أخرى الحدود). والكتاب يضم سبع قصص قصيرة تدور أحداثها في الأحواز وحول الأحوازيين. قوبل حفل التوقيع بإقبال هواة الفن ومحبي الكتاب والكتابة في الأحواز. عَزفُ فرقة موسيقية شبابية على العود والسنتور، وكلمة لسهام سجيرات، وتوقيعات تذكارية للحاضرين، ومن ثم ابتياع الكتب، كانت فقرات لحفل جميل سوف يبقى عالقا في الذاكرة.

ولدت سهام سجيرات عام 1972م في مدينة الأحواز، وبدأت نشاطها الفني منذ عام 1991م، أخذت شهادة البكالوريوس في فرع الرسم من جامعة الزهراء في طهران، وبعد ذلك نالت الماجستير من جامعة شاهد؛ وهي من الجامعات المرموقة في طهران. دخلت سلك التربية والتعليم تدرس فنون الرسم والتصوير، واستمرت في تعلیم الفن في مدارس الأحواز زهاء ثلاثين عاما حتى تقاعدت من مهنتها قبل عام.

 ولسجیرات فضل الريادة  في أدب الطفل الأحوازي، وذلك بنشرها كتاب “هيلة يا رُمانة” وهو كتاب مصور، فيه أهازيج وترانيم من تراث الأحواز، الكتاب تم نشره عام 2000م. وهو مزين بألوان زاهية ورسوم تحاكي مضمون كل فقرة، وكلها بريشة سهام سجيرات ومن إبداعها. تعاقبت بعد هذا الكتاب أعمال الأطفال في الأحواز، وسار على خطى سجيرات فنانون وفنانات تحدوا عقبات، أبرزها غياب الدعم وفقدان شبكات توزيع الكتب الأحوازية.

لم تنقطع سهام سجيرات من الأحواز وقضاياها طيلة السنين التي تلت إصدار كتابها الأول، فكلما جدّ جديد وطرأت معضلة كان لها ظهور، وموقف تبديه أحيانا عبر كتاباتها وأحيانا عن طريق لوحاتها الفنية، وأحيانا أخرى  بصرخة شجاعة في وجه التعتيم المفروض على الأحوازيين. ففي محنة الفيضانات تستغيث فنانتنا لطلب المساعدات؛ وتشدّ على يد المسعفين، وتأتي انتفاضة العطش فتقف إلى جانب المزارعين وأصحاب الغنم والبقار والجاموس، وتعصف الرمال بين الحين والآخر بمدن الأحواز فإذا بها تشير في العلن إلى مسببي الجفاف وسُرّاق مياه الأحواز، ويحترق الشاب الأحوازي -أحمد بالدي– بنار ظلم البلدية والممارسة العنصرية؛ فإذا بها تشارك أسرته الوجع.

وأما في عالم القصص، ولمخاطبة الآخر غير العربي (الفارسي)، أو لخوف في نفسها من ضياع ما هو شفهي وغير موثق، أصدرت سهام سجيرات في عام 2017 ، أول مجموعة قصصية لها تحت عنوان “سايه ها” (الظلال) وفيها عشر قصص قصار تدور أحداثها في الأحواز، وكل أبطالها من أهل هذه البيئة. وبحسب ما قالته سهام سجيرات حوّل أحد طلابها إحدى قصص هذا الكتاب إلى فيلم قصير موفق، حيث استطاع أن ينال جوائز من مهرجانات عالمية. وللأسف لم تُسمّ سجيرات اسم الفيلم ولا المخرج.

وأما الكتاب الثالث لسجيرات، فعنوانه ملامح التراب (نقش خاك)، وهو كتاب قل نظيره في المكتبة الأحوازية، إذ تتناول فيه سجيرات بحثًا في النقوش الزخرفية لدى الشعب العربي الأحوازي. يوثق الكتاب صورا من رسوم الوشم على أيدي وأرجل النساء العربيات، وكذلك النقوش على الأواني والسجاجيد والكوفيات، وما يرمز إليه كل نقش من تلك النقوش. وكذا تذكر سجيرات في كتابها الصناعات اليدوية للأحوازيين؛ وتعود بها إلى التاريخ القديم وتصل ببعضها إلى عهد العيلاميين والسومريين. الكتاب محاولة جادة لحماية هذا الجانب من تراث الأحوازيين عبر التوثيق. ومن يقرأ الكتاب يرى جهدا ميدانيا كبيرا بذلته سهام سجيرات للملمة أجزاء فن يقف على عتبات الضياع.

وأما جديد إصدارات سهام سجيرات فهو كتاب نُسج من خيوط كالموت، والحرب، والحب، والبعد، والانتظار، وكلها حبالٌ لوّنت بصبغة أحوازية؛ منها كانت مرئية وأخرى غير مرئية، وبتداخلها حاكت سبع قصص فيها من قوس قزح الأحواز ألوان كثيرة. فتأخذ قارئها إلى عالم الأحواز، حيث يرى تفاصيل حياة هؤلاء الناس عن كثب، فيقرأ تفاصيل التفاصيل في كثير من الجوانب. وأما جلد الكتاب فهو الآخر من صنع سهام سجيرات، وهو عبارة عن لوحة فنية توجز للقارئ فحوى مجمل قصص الكتاب ببراعة فنية. مرّ الكتاب من أجل التحرير والتدقيق اللغوي بالأستاذ الدكتور حسين عباسي، فخرجت إلى النور نسخة مصقولة منه.

وبين كل ما لديها من مواهب وعطاء تميزت سجيرات بشعورها بالمسؤولية، وهو كان كالإكسير الذي حوّلها إلى إحدى أبرز الناشطات الأحوازيات في مجالات الثقافة والفن والهوية العربية الأحوازية. تشعر سجيرات بالمسؤولية فتسعى أن لا تهمل أي جانب تستطيع أن تسدي خدمة فيه، فعلاقاتها متسعة وتشمل قائمة طويلة من هواة الفن والأدب في الأحواز وخارجها، وسعيها لتطوير ذاتها عبر السنين ملحوظ في ما تنتجه من أعمال ثقافية، وفي ذات الوقت ورشاتها التعليمية للشباب والفتيات تكاد لا تنقطع، تتذوق الشعر الشعبي فتقرؤه وتنشر مقاطع منه لمخاطبة جمهورها العربي في الأحواز وخارجها. وبكل هذا تسعى سجيرات منذ ثلاثين عاما إلى رسم لوحة عطاءاتها الفنية والأدبية. 

وبين الممكن وانتظار الظرف المثالي اختارت سهام سجيرات أن تعمل ضمن ما هو متاح، فتركت طابور الواقفين خلف الأبواب المغلقة بحثا عن أبواب الأمل التي لا تغلق. فريشة الرسم والقلم والأوراق كانت أدواتها في مواجهة التهميش والنسيان، وبينما استسلم كثيرون للإحباط، واصلت هي إنتاجها الثقافي والفني عاما بعد عام، حتى أصبحت تجربتها شاهدا على أن الإنجاز لا يقاس بحجم الإمكانات، بل بقدرة صاحبه على تحويل القليل إلى أثر باق.

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

      

 

  

 

    

      

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here