مقالات   اتفاقيات الدفاع لا تردع طهران، الحل في جغرافيتها

   اتفاقيات الدفاع لا تردع طهران، الحل في جغرافيتها

محمّد حطّاب،كاتب وباحث أحوازي في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

تنشأ التحالفات بين الدول بناءً على ضرورات أمنية، تفرضها تهديدات وتحديات مشتركة، أو عدو معين، يناصب المتحالفين الكراهية والخصومة. ويستهدف الحلفاء في اجتماعهم على كلمة واحدة، الوصول إلى مستوى من الردع والضغط على الخصم المشترك بحيث يدفع الأخير كلفة باهظة ، إن فكر في بدء العدوان والاعتداء على أحدهم. كل هذا حتى الآن مفهوم وعقلاني، لكنّ ما حدث في اتفاقية التعاون المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا لا يتسق مع هذا المفهوم، وهذا ما يجعله عرضة للمساءلة وحتى التقويم السلبي. إذ سارعت وزارة الخارجية التركية بعد يوم واحد فقط من توقيع اتفاقية الدفاع المشترك، إلى إعلان أن الاتفاق لا يستهدف طهران وبالمثل تحدثت باكستان عن الاتفاق بأنه لا يستهدف دولة بعينها، وهي كانت بمنزلة رسائل طمأنة واضحة إلى إيران. وهنا يتبادر السؤال إلى الأذهان، ما جدوى اتفاقية الدفاع المشترك ، والسعودية يتهددها الخطر الإيراني؟! 

إيران، ليست تهديداً استراتيجياً لتركيا وباكستان

لا تمثل طهران تهديداً استراتيجياً أو وجودياً  لأنقرة وإسلام آباد، مثلما هو الحال بالنسبة لرياض، بل هناك تقاطع للمصالح في ملفات عدة في علاقة طهران الثنائية سواء مع أنقرة أو إسلام آباد. يتفق الجانبان الإيراني والباكستاني في ملف الأفغاني، حيث يرى الطرفان في حكومة طالبان، تهديداً لهما، وفي القضية البلوشية تتشارك الدولتان المخاوف نفسها، وهناك تعاون استخباري وأمني بين الدولتين في هذا الصدد. بالإضافة إلى ذلك أن سياسات باكستان الخارجية قائمة على النهج البراغماتي، فلو رجعنا إلى ماض قريب، نجد أن إسلام آباد وفرت قطع غيار للمقاتلات الإيرانية-أمريكية الصنع-  مثل  إف 4 فانتوم و إف 14 توم كات، في الثمانينات من القرن المنصرم، حينما كانت طهران تخوض حرباً مع بغداد المدعومة آنذاك من جميع الخلجيين. 

 يؤمن الباكستانيون إيماناً مطلقاً بأن جارتهما الهند، هي مصدر التهديد الرئيس والخطر الوجودي لهم، وبذلك يمكن القول إن باكستان لا ترى في إيران أي تهديد لها، وحتى لو حدثت بعض التناقضات في المواقف إزاء بعض الملفات الإقليمية، لكنها ستبقى محصورة في حيزها من دون أن تسبب في اضطراب أو توتر للعلاقات بين الدولتين. فقد سبق أن الدولتين تبادلاتا القصف الصاروخي والهجمات بالمسيرات في إقليم بلوشستان على جانبيه الباكستاني والإيراني، وانتهى التوتر بينهما خلال أيام معدودة، وطوت الدولتان هذه الصفحة من دون العودة إليه.

وأما تركيا مع أن مصلحتها تتعارض مع إيران في ملفات عدة ، مثل سوريا وأذربيجان وربما حتى في العراق، إلا أن هناك تقاطعاً في المصالح إلى حد التوافق في الرؤى في ملفات إقليمية أخرى مثل القضية الكوردية ، ودعم حركة حماس. ولا مبالغة إن قلنا، إن تركيا كانت أكبر المستفيدين من العقوبات الأممية والأمريكية على إيران، حيث تحولت بنوكها وأسواقها محل جذب أموال واستثمارات طائلة من الإيرانيين بهدف الالتفاف على العقوبات، بالإضافة إلى العلاقات التجارية والتاريخية بين البلدين التي يتجاوز عمرها قرابة ستة قرون على أقل تقدير. 

ترى تركيا في القضية الكوردية التهديد الرئيس والخطر الدائم، لأمنها القومي، وهي في توافق تام وكامل مع إيران في هذا الملف، وقد اتخذت الدولتان موقفاً متسقاً إزاء الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان العراق في عام 2017، إذ سارعت الدولتان إلى إعلان إدانتهما لهذه الخطوة ومعارضتهما لها، وقد قاما بمناورات عسكرية مشتركة مع الدولة العراقية على حدود الإقليم. وعلى الصعيد ذاته حينما تسربت معلومات عن وجود مخطط لتسليح المعارضة الكوردية في أثناء الحرب الإيرانية-الأمريكية الأخيرة، سارعت تركيا فوراً بإعلان معارضتها الشديدة لهذه الخطوة، وإعلان تضامنها مع طهران التي وصفتها بالصديقة والشقيقة. ثمة تهديد آخر، تؤمن تركيا بأنه يهدد أمنها القومي ، وهو صراعها مع جارتها اليونان على قبرص، إذن التهديد الإستراتيجي لأمن تركيا يتمثل بدرجة أساسية في ملفي القضية الكوردية والصراع مع اليونان.

الاتفاقية لا تلجم الخطر الإيراني 

أشار الكاتب السعودي عبدالعزيز الخميس في مقال له في الموقع الإلكتروني لقناة الحرة، إلى ملاحظة مهمة، وهي أن الخليجيين دأبوا على إضافة ملحق عاطفي في علاقاتهم التجارية، لا توقع عليه الدول، وفي نهاية الأمر هي غير ملزمة به. هذا الأمر يضعنا أمام واقع وحقائق واضحة أن جل ما يجنى من هكذا اتفاقيات، هو البعد العاطفي والنفسي، وإلا كيف نفسر استهداف الحوثي، بعد يوم من توقيع الاتفاقية، شركة آرامكو في جازان بالصواريخ والمسيرات، في ظل صمت مطبق من إسلام آباد وأنقرة. 

لا تحقق الاتفاقية أي ردع، ما دامت لا تحدد طهران ووكلائها خطراً، وستبقى السعودية وحدها من يتحمل كلفة الردع. تحدثت تقارير وتحليلات عن أن اتفاقية الدفاع المشترك، لا تعني بالضرورة المشاركة العسكرية المباشرة، بل ربما تشمل الدعم اللوجستي –السلاح والذخائر-وتعاون الاستخباري. بيد أن لو نظرنا إلى هذه المعلومات، سنجد أن السعودية ليست بحاجة إلى هذا النوع الدعم، فهي تملك منظومات دفاعية، وهجومية، إنذار مبكر متقدمة، تضاهي ما لدى باكستان وتركيا إن لم نقل أفضل منهما، بالإضافة إلى علاقاتها الوطيدة مع الولايات المتحدة، المبنية على الشراكة الاستراتيجية،  توفر لها الحصول على المعلومات الاستخباراتية بما يشمل الإنذار المبكر ورصد التهديدات القادمة من إيران ووكلائها في العراق واليمن، و الدعم اللوجستي المطلوب. إذن نحن أمام علاقة واتفاقية يتجلى فيها البعد النفسي والعاطفي أكثر من البعد الردعي. 

نقل الصراع إلى جغرافية إيران

قال ذات مرة قائد فيلق قدس، الجنرال قاسم سليماني في تجمع لقادة الحرس الثوري، إن إيران فرضت طوقاً من المجموعات المسلحة -التي وصفها بمحور المقاومة – على اعدائها، وهي بذلك قد أنشأت سداً منيعاً يمثل جبهة ردع متقدمة، تحول دون وصول أي اعتداء على جغرافية إيران. فإذا عراب المليشيات الموالية لإيران، يقول هذا الكلام مع أن العلاقة بين إيران ووكلائها، هي علاقة عقائدية وعضوية، ليست مصلحية، فلما لا تحذو دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية هذا الحذو، وتتصدى لتهديدات خصمها في عقر داره؟!

الأمر ليس يسيراً نعم، لكنّ السعودية قد خاضت هذا التحدي، عقب البدء في عملية عاصفة الحزم ودخول إيران المباشر في تسليح ودعم جماعة الحوثي عسكرياً واستخبارياً واقتصادياً، حينها السعودية وعلى لسان ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان في لقاء صحافي، هدد بأن السعودية تستطيع نقل المعركة إلى شوارع طهران، إن اقتضى الأمر. سخرت بعض المنصات والوسائط الإعلامية الإيرانية أو العربية الموالية لها من هذا التهديد، إلا الوقائع لاحقاً أثبتت أن السعودية اتخذت فعلاً خطوات جرئية في هذا المضمار.     

“تفعيل جبهة الشعوب في الأحواز، وبلوشستان، وكوردستان، يعد خياراً استراتيجياً لإعادة توازن الردع مع طهران”

إذ سخّرت صحفها وقنواتها المرئية الرسمية والمحسوبة عليها، لصالح قضايا الشعوب المحتلة من إيران، ولا سيما القضية الأحوازية، بالإضافة إلى تمكين بعض الحركات السياسية لهذه الشعوب مالياً ودعمها إعلامياً. ونحن هنا نتحدث عن حقائق واضحة وثابتة ومكشوفة، ولا نعلم بما حدث حينذاك خلف الأبواب المغلقة وما قدمته السعودية لهذه الحركات من دعم مختلف.

لم يكن الدعم السعودي للشعوب يضاهي ما تقدمه طهران لوكلائها بطبيعة الحال، إلا أنه مثّل خطوة جريئة تستحق الإشارة إليها خاصة وإن إيران كانت في ذروة جبروتها وغطرستها آنذاك. إلا أن السعودية لم تستمر في خوض هذا الغمار طويلاً، ولأسباب شتى، قررت خفض التصعيد مع إيران.

 أما الآن فإيران منهكة، وفي عز ضعفها وانكسارها، ومع ذلك تصعد من هجماتها على السعودية، وتشن عدواناً سافراً وصريحاً على أمنها وسيادتها، فما جدوى إبرام اتفاقيات دفاع مشترك غير مؤثرة على الصراع مع طهران ووكلائها.

تفعيل جبهة الشعوب في الأحواز، وبلوشستان، وكوردستان، يعد خياراً استراتيجياً لإعادة توازن الردع مع طهران، ويجب ألا يُحصر الدعم في جانبه المالي والإعلامي فقط، بل بتمكين حركات ومنظمات الممثلة لهذه الشعوب بأنواع الدعم المطلوب. ويكون هذا الدعم مستمراً ودائماً ولا يتأثر بأي اتفاق مع طهران مستقبلاً، فقد أثبتت إيران بأنها لن تألو جهداً في زعزعة استقرار أمن المملكة ودول الخليجية الأخرى كل ما سنحت لها الفرصة، حتى وإن وقعت معها اتفاقيات خفض التصعيد أو عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

 

محمّد حطّاب، كاتب وباحث أحوازي في معهد الحوار للابحاث والدراسات

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here