لم ينشغل الإعلام بشيء أكثر من مآلات الحرب الأمريكية الإيرانية ونهاياتها. فمنذ الساعة الأولى من الضربات والحديث يدور عن غاية الولايات المتحدة منها: هل هي لإسقاط النظام؟ أم إضعافُه؟ هل الولايات المتحدة جادة أصلا في تسديد ضربات تودي بحياة النظام الإيراني؟ هل تستطيع إيران الصمود أمام أقوى جيش في العالم؟ وما هو موقف الدول الإقليمية من إسقاط النظام؟ وغيرها من الأسئلة التي لاقت إجابات مختلفة لا تكاد تحصى. ولذلك ليس الهدف هنا إضافة إجابة إلى تلك الإجابات، أو كتابة سيناريو يلتحق بباقي السيناريوهات؛ بل الهدف هو ضبطُ التصورات على ثلاث مستويات:
- المستوى الدولي الذي يتناول غاية الولايات المتحدة من هذه الحرب؟
- المستوى الداخلي ويبحث في تفاعل النظام والمجتمع الإيرانيين مع التحولات الجارية؟
- المستوى الإقليمي ويسئل عن الموقف الإقليمي؟ وهو موقف لا يحظى بأهمية توازي أهمية المستويين الأولين.
المخيال الاجتماعي: ملاحظة منهجية
ليس هاجس التنبؤ بالمستقبل حكرا على العرَّافات والمنجمين؛ بل شغل ملوكا وعظماء على مرَّ التاريخ؛ حتى استقرَّ الحال، في القرن التاسع عشر، بميلاد الباراديغم الإمبريقي التجريبي. ووَفْق الرؤية الأمبريقية، كما هو معروف، تحكم الحياة الإنسانية الاجتماعية قوانين تضارع القوانين الطبيعية، ويكفي معرفة هذه القوانين، التي يُطلق عليها اسم الـ علم، لمعرفة المستقبل، مستقبل الدول والأنظمة والمجتمعات.
فعلى سبيل المثال يقول العالم السياسي سموعيل هانتينغتون: إذا ما نفَّذت الدول تنمية غير متوازنة، واكتفت بالنمو الاقتصادي ولم تساوقه بنمو سياسي تشتعل حينها الثورات وتقوم الانتفاضات ضد الأنظمة هذه. ولكن ماذا يمكن القول، بكل بساطة، إذا أُحصيت عشرات الحالات التي لم تتواكب التنميةُ الاقتصادية مع التنميةَ السياسية، ولم يؤدِّ ذلك لا إلى ثورات ولا انتفاضات؟! هنا بالتحديد تطغى الإجابة المتكررة والمزمنة التي تقول بأن الحياة البشرية والمجتمعية عصية على التنبؤ مهما تطورت العلوم الإنسانية والاجتماعية ومهما نظرَّ علماء وفلاسفة كبار في القوانين البشرية.
ومن أجل ذلك تبدو جميع السيناريوهات حول مستقبل هذه الحرب، أو محاولة تعديد التصورات التي قد تنتهي بها، مجرد حدوس عالِمة، لا ترتقي إلى مستوى القانون الحتمي. وهذا بالتحديد هو ما يسميه العلامة كورنليوس كاستورياديس المخيال المجتمعي، أي تلك الأفكار النسقية التي تلتئم من أجل قراءة الواقع، قراءة عالِمة، بالتوسل إلى المخيال الذي يتمتع به البشر بوصفه كائنا عاقلا.
وبأخذ هذا التحذير المنهجي الخطير بعين الاعتبار، يمكن التعامل مع التصورات التالية لنهاية هذه الحرب، في مستوياتها الثلاث المشار إليها:
-
المستوى الدولي
وغاية الولايات المتحدة من شنِّ هذه الحرب. وذلك أن تحديد القصد الأمريكي هو الكفيل بتبديد الغموض الذي يكتنفها بشكل متزايد. ولا تَعْدُو الغايةُ تصوُّرَيْن: إما إسقاط النظام أو إضعافه.
- إذا ما كان غاية الولايات إسقاط النظام فسبيلها إليه غير تقليدي، كما يبدو، كُلْفته أقلَّ من الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق. فمن خلال هذه الطريقة تتجنب الولايات المتحدة الخسائر البشرية والمادية الهائلة لخوض حرب تقليدية، وتكتفي في مقابل ذلك باتباع سلوك ملتويٍّ وفعّال بالآن ذاته. وقد بدأ يتضح هذا السلوك عبر مسارات مختلفة:
ألف) منها مسار الضرب والهدنة الذي يظهر من تتبع أمد الحرب، وعمله كنموذج سلوكي يتحكم في قرارات الإدارة الأمريكية: فما إنْ تشتدُّ الضربات على إيران، وتأخذ هي بإغلاق المضيق والتشويش على دول المنطقة، حتى تتراجع الغارات الأمريكية، وتُفرض الهدنة. ثم يتم خرق الهدنة، فتشتدُّ الضربات؛ ولمَّا تأخذ إيران بإغلاق المضيق وشن هجمات على الجيران، تمرر بعدها هدنة أخرى. إنَّ رَصْدَ هذا السلوك وتفسيره على أنه نموذج سلوكي في هذه الحرب مبرر وموضوعي.
ب) أما مسار مساعدة المعارضة لخلق بديل النظام فهو أوضح المسارات دلالة على غاية الولايات المتحدة من الحرب؛ وهو ما لم يتحقق حتى الآن. فإذا ما قررت الولايات المتحدة فعلا إسقاط النظام، فسوف تسارع إلى توحيد المعارضة، ومدَّها بقيادة موحدة، وتسليحِها. وعلى الرغم من الحديث الجاري حول تسليح الأكراد واستعدادهم للتحرك غربا، لم يتجاوز التعامل مع المعارضة حدود هذه التسريبات، ولم تحظَّ المعارضة الداخلية والخارجية بإرشادات تمنحها دورا بديلا للنظام القائم. ورغم ذلك يظل التعامل مع المعارضة، السياسية والمسلحة معا، علامة فارقة ومؤشرا ذا دلالة على اتجاه الحرب وتحديد غايته.
ج) إلى جانب ذلك يمكن تصور إسقاط النظام عبر تطبيق مثال الدولة الفاشلة وتغذية العوامل المفضية لإحكام النموذج السوري. خاصة أن التعدد القومي في إيران، والاختلافات الطائفية، والنزاعات الإيديولوجية، قائمة. كل تلك التشققات تجعل إيران أرضا خِصْبَة قابلة للتحول إلى كرة لهب في غضون أشهر. وضمن هذا التصور، الذي يشبه الحرب الأهلية السورية، ستنشغل إيران الدولة والمجتمع بصراعاتها الداخلية، بعد احتدام حرب أهلية فيها، ستفضي ذاتيا إلى انهيارها دون تدخل مباشر، ما عدى التدخل من أجل تذكية العوامل المشددة للصراع.
د) إلى جانب كل تلك التصورات هناك تصور يوم القيامة وهو من اختصاص إسرائيل؛ إذ يمكن القول بأن دخول إسرائيل على خط التعامل مع نظام الحكم في إيران، سيعني لا محالة العبث ببنية الدولة والقضاء على كل آثارها. لذلك يمثل دخول الكيان في حسابات السيناريوهات الممكنة لإسقاط الحكم نقطة اللاعودة، وهو مؤشر على أن اطلاق يد إسرائيل سيؤدي إلى تلاشي الدولة الإيرانية: أولا على المستوى الجغرافي ومنح الشعوب غير الفارسية استقلالها أو سيطرتها على أراضيها التاريخية، مما يعني تفكيك الجغرافيا الإيرانية، وثانيا على المستوى المأسسي الذي سيتجسد في تدمير مؤسسات الجيش والبنى التحتية والمرافق العامة للقضاء على أية قوة يمكن أن تساعد إيران في الرد على الكيان، أو إمكانية تعافي الدولة في الأمد المنظور.
2.ولكن إذا ما كانت غاية هذه الحرب هي تحويل إيران من دولة معادية إلى دولة حليفة، مما يعني ذلك بالضرورة إضعافها وإدخالها في العباءة الأمريكية، فإن تلك الغاية ستمر من مسارات مختلفة:
ألف) أبرزها السيناريو الفنزيولي وأسهلها كما يبدو لغاية الآن. فقد نجحت الإدارة الأمريكية في العثور على نخب من داخل النظام الإيراني مستعدة للتعامل، استعدادها لاقصاء باقي التيارات والقيادات المعارضة من داخل الطبقة الحاكمة. ويمثل هذا التيار رئيس البرلمان الإيراني، محمد قاليباف، الذي أخذ يخوض، شيئا فشيئا، صراعا ضد الأصوات المناهضة للاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويعد هذا السيناريو هو الأقل ثمنا للولايات المتحدة، ولإيران نفسها، لأنه عبارة عن إزاحة وجوه من الحكم، وإحلال أخرى، مع الحفاظ على بنية الدولة والنظام. كما يمكن أن تعمد الولايات المتحدة، بعد تمكنها من هذا السيناريو، على مساعدة النخبة البديلة، وتحسين ظروف النظام. كما يمكن لأوروبا أن تساعد في إقامة نظام جديد يتعامل معها، وتدعمه في تحسين الأوضاع.
ب) لكن غاية إضعاف النظام يمكن لها أن تتأتى أيضا عبر الضغط الاقتصادي الذي بلغ الذِرْوة بعد فرض حصار على تصدير النفط الإيراني، وعدم الإفراج عن أموالها المجمدة. وقد مسكت الإدارة الأمريكية نظام الجمهورية الإسلامية من الخاصرة الرخوة باتباع هذا المسار؛ خاصة في أوضاع اشتدَّ فيها الفقر، وانخفضت المقدرة الشرائية، وازدادت أعداد التضخم، وتهاوت قيمة العملة الداخلية.
ج) ولتحقيق غايتها في إضعاف النظام أضافت الولايات المتحدة إلى نموذج الضربات والهدنة والضغط الاقتصادي، فرض حالة اللاسلم واللاحرب، وهي حرب نفسية أشدُّ ضراوة. وذلك أن الحياة اليومية تكاد تتوقف جراء انتظار مآل الحرب، سواء على مستوى النشاط الاقتصادي شبه المشلول، بعد توقفت الأسواق عن النشاط، ولا سيما أسواق العقارات والسيارات والخدمات المرتبطة بالحياة اليومية؛ أو من خلال تعليق الدراسة في الجامعات والمدارس خشية الحرب؛ أو عبر هجرة العقول تخلصا من رتابة الحياة في حالة اللا سلم والحرب وانعدام الأمل في المستقبل. وكل تلك هي الممهدات اللازمة لاندلاع احتجاجات داخلية شاملة، ستكون هي القاصمة بالنسبة لنظام محاط بأزمات متلاحمة (كما سيأتي بيانه لاحقا).
-
المستوى الداخلي
ويشير إلى ما يشهده المجتمع الإيراني في هذه المرحلة. وهي مرحلة سمتها الرئيسة الأزمات المتلاحمة والمتزامنة، واشتداد الحياة بكامل أبعادها. ولذلك خرجت أصوات تؤمن بنظرية المؤامرة تتحدث عن انقاذ هذه الحرب لنظام الحكم في إيران، من الانهيار الذاتي؛ لانَّ ترك نظام الحكم لحاله يواجه أزماته كان كفيلا بتلاشيه. ومن أبرز تصورات مآل الحرب بالنظر للداخل الإيراني هي:
- انهيار النظام داخليا وتآكله ذاتيا جراء أزماته المتداخلة: وهي أزمات تتمثل في اقتصاد ريعي منهار، تهاوت عملته الداخلية، وازداد عدد التضخم؛ وعجز في موازنة الدولة؛ وتهالك البنى النفطية المصدر الرئيس لعوائد الدولة؛ وتهالك النظام البنكي وفساده، إلخ. كما يعاني المجتمع من قضايا المرأة وحقوقها العلمانية غير التقليدية، وشقاق بين الأجيال على مستوى القيم والعادات والمثل العليا، وأكثرية علمانية لا تريد حكما دينيا. أما سياسيا فقد انقلبت النخبة الحاكمة ضد بعضها، وخلقت أزمة المشاركة السياسية، إضافة إلى انشطار الحكم بين حكم ذي مصدر ديني (مؤسسة المرشد) وحكم ذي مصدر دنيائي (تمثله رئاسة الجمهورية والبرلمان) ما خلق أزمة تشريعية تتراوح بين القانون الوضعي والقانون الألوهي السماوي؛ ونظام بيرواغراطي مشلول منشطر بين أجهزة الحكم المنتمية لمؤسسة المرشد وأجهزة الحكم التابعة لرئاسة الجمهورية. وتظهر الأزمة الثقافية والقومية في وجود أكثرية فارسية حاكمة، في مقابل شعوب غير فارسية، عربية وكوردية وبلوشية وتركية وتركمانية، لا يحق لها حتى الدراسة باللغة الأم، ناهيك عن حقوقها القومية والثقافية والدينية إلخ. وليس آخرها أزمة بيئية تتمثل في شح المياه، وتلوث الهواء، وهبوط سطح الأرض نتيجة الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية.
2.التحول من ولاية الفقية إلى نظام ميليتاري: وهو تصور ممكن جدا، خاصة في ظل نزوع الحرس الثوري نحو الهيمنة على الحكم، والدعوة إلى تنقية السلطة السياسية والمجتمعية من العناصر المتواطئة مع الغرب، غير المنتمية للتطلعات الثورية على حد وصف الخطاب المتشدد في بنية الدولة الإيرانية. وبناء على هذا التصور يجنح الحرس الثوري نحو حكم أكثر نقاوة، وأكثر تشددا والتزاما بقراءته من المذهب الشيعي. وذلك عبر استقطاب رجال الدين والمراجع الموالين للحرس، من جهة، وإقصاء القوى التي باتت تسمى براغماتية من جهة أخرى. وهكذا يتم اختيار ولي فقيه موال للحرس، أو موافق لرؤيته السياسية، ويكون استمراره في الولاية منوطا بمدى منحه غطاء شرعيا لسياسات الحرس. إلى جانب ذلك يتم حكر رئاسة الجمهورية والبرلمان بين جنرالات الحرس، وبث عناصره في جهاز الدولة البيروغراطي، والإمساك بمفاصل الحكم من أدنى القاعدة إلى أعلاها. وأكبر من يحاول تنفيذ هذا السيناريو هو قائد الحرس الراهن الجنرال أحمد وحيدي.
3.جمهورية إسلامية دون ولاية الفقيه: أو حصرها بفترة زمنية كما هو شأن منصب رئيس الجمهورية. ويتطلب ذلك تعديل سلوك النظام وإزاحة التيار المتشدد من الحكم، إضافة إلى تعديل دستوري. ويناصر هذا التوجه عدد غير قليل من رجال الدين والمراجع، على رأسهم المرجع الديني محمد جواد بروجردي. إلى جانب ذلك تدعم الحوزة العلمية في النجف العدول عن ولاية الفقيه، الأمر الذين تعمم على حوزة قم، مما أفرز تيارا من الأصوات المعارضة لنظرية ولاية الفقيه، على رأسها طلاب المرجع الديني آية الله خراساني، وآية الله صانعي، وآية الله بروجردي.
4.الاحتجاجات الاقتصادية العامة: وإذا ما كانت التصورات السابقة تتناول الحكم وتحولاته، فإن هذا التصور، والذي سيله، ينظر لحال المجتمع والشعوب. تعاني أكثرية المجتمع في إيران من التردي الاقتصادي، والفقر المستشري، وبلوغ خط الفقر نسبة تفوق خمسين في المئة من إجمالي السكان. ويبدو أن هذا السيناريو محتمل جدا أكثر من غيره، نظرا لكثرة الاحتجاجات في العقد الأخير، من جهة، وطول أمد الحرب من جهة أخرى ما فاقم الوضع الاقتصادي، وأوقع عامة الناس بأزمات معيشية وصحية خانقة.
5. انتفاضة الشعوب غير الفارسية: وهو أنموذج متكرر في التاريخ الإيراني المعاصر، إذ كلما اضطرب الحكم المركزي، وضعفت قوة الدولة الإيرانية، سارعت الشعوب غير الفارسية إلى الانتفاضة والمطالبة بحقوقها القومية، بين المطالبين بالحقوق ضمن الدولة الإيرانية، وبين المناديين إلى الانفصال الكلي. وقد أخذ هذا السيناريو يكسب احتماليته القوية بعد حديث حول الأكراد وإمكانية تدخلهم عسكريا من أجل تحييد مناطق بعينها، أو احتلال طهران بمساعدتهم. ويكفي أن يتحرك الشعب الكردي من أجل حقوقه حتى يتعمم التحرك القومي هذا إلى باقي الشعوب غير الفارسية، وتعم الانتفاضات والمطالبات من المناطق الكردية إلى إقليم الأحواز وإلى بلوچستان، وعلى رقعة جغرافية تعادل 800 ألف كيلومتر مربع.
-
المستوى الإقليمي
ويسئل عن الموقف الإقليمي وتحديدا عن موقف الدول الخليجية بالدرجة الأولى، وتركيا وباكستان من الحرب القائمة، بوصفهما الدول المعنية أكثر. ونظرا لموضع الدول الإقليمية من النظام الدولي فإن مواقفها لا تحتل سوى أهمية فرعية، خاصة وأنها لم تستشر بالحرب التي أقامتها الولايات المتحدة ودعمتها إسرائيل. هذا و تختلف الدول الخليجية، بوصفها أكبر الدول المعنية بهذه الحرب، اختلافا بينا، على الرغم من تعرضها كلها إلى هجمات إيرانية منذ الساعة الأولى من الحرب. فالدول الخليجية كانت توافق على الإطاحة بالنظام لو أتى بالضربة القاضية دون اجترار التبعات الناتجة عن استمرار أمد الحرب ورفع تكلفتها. ولطالما تضررت هذه الدول من سياسات إيران الإقليمية، واعتبرتها تهديدا لأمنها القومي.
- ولكن بعد خروج الحرب عن إمكان الضربة الخاطفة، فضلت الدول الخليجية بقاء إيران ضعيفة هشة على انهيارها. وذلك لعدة اعتبارات: الخشية من أزمة لاجئين؛ وتهديد الأمن عبر عناصر الحرس الثوري النائمة في الخليج؛ وفرار رؤس الأموال وتضررها بانعدام الإقليم؛ وقرب المسافة والتهديد الأمني من الحرس والميليشيات العراقية للملاحة. وإذا ما تشددت الإمارات، في البداية، في التصدي لإيران فإنها سرعان ما أرسلت رسائل للتهدئة، محاولة لمنع توسع الضربات ونجحت بذلك نسبيا. هذا إلى جانب المساعي العمانية الحثيثة في الوساطة ونزع فتيل الحرب.
2.أما المملكة العربية السعودية فقد وجدت نفسها جرا هذه الحرب أمام العودة إلى معضلة التعامل مع جماعة أنصار الله الحوثية، وهي تشكل خطرا استراتيجيا بعيد الأمد على الأمن القومي السعودي، سواء على صعيد الخطر الذي تشكله للملاحة في البحر الأحمر أو على الساحل الشرقي السعودي برمته المحاذي لليمن. ولذلك قد يحث ذلك السعودية لاتخاذ سياسية صارمة أكثر تجاه نظام الجمهورية الإسلامية، وأن تستعد لمواجهتها وتقبل تبعات ذلك، محاولة للتعامل الجذري مع التهديد المقبل من اليمن.
3. أما مصر فتفردت بحساباتها القومية وكونها من دول الطوق تؤيد بقاء النظام الإيراني ضمن التوازن الإقليمي لردع إسرائيل. وذلك موقف مبدئي تتخذه مصر وهي تصنف إسرائيل العدو الأول لأمنها القومي، ولسلامة أراضيها وسيادة الدولة. وإذا كانت الدول الخليجية وتركيا على استعداد لتغيير حساباتها تجاه بقاء النظام أو اسقاطه نتيجة للظروف، فإن الموقف الذي يبدو ثابتا لمصر، والموافق أكثر لرؤيتها لأمنها القومي، هو وجود نظام إيراني معاد لإسرائيل، يشغلها عن تركيزها على مصر، يمنع تفردها بها.
4. وأما تركيا فهي تجد نفسها أما خطرين مقبلين من أية تحولات في إيران: وجود عشر مليون كوردي في إيران وحدود بين البلدين تقارب خمسمئة كيلومتر، وهي الحدود ذاتها التي تتشابك عندها مناطق وجود الأكراد في إيران وتركيا مع مناطق وجود الأذربايجانيين الأتراك في إيران وتركيا. ومع ذلك يبدو أن تركيا مستعدة لدعم اسقاط النظام إذا ما مُنحت ضمانات حول هاتين القضيتين. وليس يبعد عن حسابات الأتراك تفضيل نظام معاد لإسرائيل يحكم في إيران كما هو الشأن بالنسبة لمصر.
الخلاصة
وكل تلك التصورات ومستوياتها الثلاثة تشير إلى أن هذه الحرب مفتوحة على احتمالات لا حصر لها، ويمكن للصدف أن تذهب بقرارات الساسة إلى ما فوق التصور أو ما دونه. ومع ذلك تبقى الخيارات القابلة للتنبؤ هي الأقل تكلفة على إيران والولايات المتحدة والمنطقة.
رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات
