مقالاتالأحواز وتغيير النظام في إيران

الأحواز وتغيير النظام في إيران

بقلم منصور شايع، ناشط سياسي أحوازي

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة

تجربة الشعب العربي الأحوازي مع الدولة الفارسية، بمختلف أنظمتها السياسية الحاكمة، كانت وما زالت مريرةً جدًا بكل المعايير. فمنذ الاحتلال العسكري للأحواز، مارس رضا خان البهلوي أبشع الجرائم بحق الأحوازيين، من تنكيل وقتل وتهجير قسري للأحوازيين سيرًا على الأقدام حتى العاصمة طهران، مسافةً تُقدَّر بأكثر من ألف كيلومتر، فمات أكثرهم في الطريق، ناهيك عن السياسات الاستيطانية. وسار ابنه، محمد رضا بهلوي، على النهج الإجرامي نفسه بحق الأحوازيين، وأصبح التنكيل والقتل أكثر منهجية، لا سيما بعد تأسيس جهاز السافاك (الاستخبارات)، الذي كان من أكثر الأجهزة فتكًا وإجرامًا بحق الأحوازيين. كما عمل النظام الملكي على عزل الأحواز وشعبها عن محيطها العربي وعن العالم بأسره، حتى يتسنى له، بكل أريحية، تنفيذ سياساته العنصرية، وتغيير الثقافة العربية إلى الفارسية، وفرض تعليم اللغة الفارسية في المدارس الابتدائية والجامعات والدوائر، وتغيير الزي العربي وفرض الزي البهلوي. أما تجربة الأحوازيين عام 1979، فكانت المفصل الحقيقي في معرفة عنجهية الفرس تجاه الأحوازيين وحقدهم وكراهيتهم لهم؛ حيث بدأت الطغمة الحاكمة الجديدة بارتكاب مجزرة كبيرة في مدينة المحمرة، راح ضحيتها أكثر من 500 شهيد، وتبع ذلك تهجير عدد من الأحوازيين إلى العراق. ولا أريد أن أدخل كثيرًا في هذا الصدد، لأن الجميع يعرف القصة كاملة.

كان هذا السرد الموجز من تاريخ تجربة الأحوازيين مع الحكومات الفارسية المتتالية ضروريًا حتى أدخل في صلب الموضوع الذي يتساءل عنه كثير من الأحوازيين: لماذا بعض الأحوازيين متحمسين جدًا بإسقاط النظام الحالي في طهران، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يكونوا أكثر حماساً إلى إسقاط النظام من بعض الفرس أنفسهم؟ بل إن معظم الفرس، وحتى المعارضة، مترددون في إسقاط النظام خوفًا من تفكك الدولة الإيرانية. نعم، عانى الأحوازيون كثيرًا من هذا النظام الإرهابي، ومورست بحقهم أبشع الجرائم على المستويات السياسية والثقافية والإنسانية والاقتصادية. وهذا مؤكد، والجميع يريد التخلص من هذه العصابة الحاكمة في طهران، لكن السؤال الحقيقي الذي يجب علينا أن نجيب عنه هو: هل بعد سقوط النظام تتحرر الأحواز؟ وهل بعد سقوط النظام تحصل الأحواز على الفيدرالية؟ وهل بعد سقوط النظام تحصل الأحواز على حكم ذاتي؟


الإجابة نتركها لأصحاب الشأن ولشعبنا الأحوازي، لكن دعونا نتحدث قليلًا عن عقلية الفرس بمختلف أطيافها تجاه الأحواز وشعبها، حتى نتمكن من الاقتراب من الإجابات عن الأسئلة المطروحة.

ينقسم الشعب الفارسي إلى عدة تيارات وأفكار ومجموعات فكرية وسياسية، لكنهم، على اختلاف توجهاتهم، يتفقون على نظرية واحدة تجاه العرب في الأحواز خاصة، والدول العربية وشعوبها عامة. فهم يعتقدون أن العرب أعداؤهم، والسبب الرئيسي، في نظرهم، هو أن العرب فتحوا بلاد فارس وغزو امبراطوريتهم وثقافتهم وتاريخهم وحضارتهم.


أولًا: الأنظمة الحاكمة في إيران ترفض رفضًا قاطعًا الجلوس مع الأحوازيين والتفاوض معهم والاستماع إلى مطالبهم، بل العكس تمامًا؛ فقد تعاملت مع القوى الأحوازية، منذ بداية الاحتلال إلى يومنا هذا، بالسلاح والقتل والتنكيل. والأمثلة كثيرة على ذلك، وقد بدأ تعاملهم مع ثورة الغلمان الذين رفضوا الاحتلال واعترضوا على أسر الشيخ خزعل، فقتلوهم بعد المقاومة البطولية. تأسست في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أحزاب أحوازية طالبت بإنهاء الاحتلال والمعاناة، ومنها حزب السعادة الذي تزعمه الشهيد حداد، واللجنة القومية العليا لجبهة تحرير عربستان بقيادة الشهداء محيي الدين آل ناصر، و دهراب شميل، وعيسى المذخور. ولم يُسمع لمطالبهم، ولم يتفاوض معهم النظام إطلاقًا، بل اعتقلهم وأُعدموا رميًا بالرصاص.

عام 1979، عندما انتصرت الثورة في إيران، استبشر الأحوازيون بالحكم الجديد، وظنوا أن مطالبهم سوف تُسمع و تجد آذانًا صاغية، وشكّلوا وفدًا وذهب إلى قم وطهران للقاء القادة الجدد وعرض قائمة من فتات مطالب شعبنا الكبيرة، لكن حتى هذه المطالب الخجولة لم تجد ترحيبًا، وتم طرد الوفد، فعادوا خائبين. وقبل أن يصلوا إلى الأحواز، ارتكبت القوة البحرية الفارسية مجزرة الأربعاء الأسود.


في ثمانينيات القرن الماضي، قام هاشمي رفسنجاني، أحد أبرز رموز النظام الجديد، بإهانة الشعب العربي الأحوازي، وقال جملته الشهيرة بأن الأحوازيين غجر ورُحَّل (كواولة)، مما أغضب الأحوازيين، واشتعلت المدن الأحوازية غضبًا. لم يحترموا وجودنا، ولا مطالبنا، ولا هواجسنا، ولا ثقافتنا، ولا لغتنا، ولا هويتنا. أما الملكيون الفرس، وعلى رأسهم نجل محمد رضا بهلوي، فلا يعترفون أصلًا بوجود شعب عربي في الأحواز، ولا يتطرقون إليها بتاتًا، ودائمًا ما نشاهد في خطاباته ذكر الأكراد والاذريين واللور وغيرهم، لكنه لا يذكر الأحوازيين أبدًا، ناهيك عن أن يعترف بهم أو يجلس معهم. أما الجمهوريون الفرس، فلا يعتقدون على الإطلاق أن للأحوازيين الحق في تقرير المصير، ولا حتى في الفيدرالية، ولا يعترفون بذلك اعترافًا صادقًا وصريحًا. وفي بعض الأحيان يدعون أفرادًا من الأحوازيين فقط لكسب الأصوات والحصول على دعم الأحوازيين إلى جانبهم أمام الدول التي لها مصلحة في إسقاط النظام والمجيء بهم إلى سدة الحكم. أما الإسلاميون، الذين يحكمون الآن، فتجربتهم في عهد خاتمي، وما أدراك ما أيام خاتمي اللعينة، استمرت أكثر من عشر سنوات، ومورست خلالها بحق الأحوازيين مشاريع استعمارية و مجازر وإعدامات، حتى خاب ظن أكثر المتفائلين بتلك التجربة السوداء، وقُضي على خيرة شبابنا؛ فمنهم من رُفع على مشانق الموت، ومنهم من أُسر، ومنهم من هاجر. أما ما يُسمّى بالمثقفين الفرس، فعقليتهم المسمومة تجاه كل عربي واضحة وضوح الشمس، من شعراء يشتمون العرب ليل نهار على منابر النظام أو منابر الفرس في المهجر، وينعتون العرب بأقذر الكلمات، ويصفونهم بالحفاة والعراة الذين لا يملكون ثقافة ولا عقلًا. أما الكُتّاب الفرس العنصريون، فحدّث ولا حرج، وعلى رأسهم شاعرهم العنصري فردوسي، الذي شتم العرب في كتابه «الشاهنامة»، ولا يزال أبناء فردوسي يتفاخرون به اليوم.

والآن نكرر السؤال مرة أخرى: إذا سقط النظام، فهل تتحرر الأحواز؟

لنتابع الآن قليلًا حتى نقترب من الإجابة عن مدى قدرة الأحوازيين في الداخل والمهجر.

لا يبدو في الأفق أن للأحوازيين قوة عسكرية على الأرض تستطيع أن تؤثر في التوازنات والصراع الدائر في المنطقة بشكل عام، وفي الداخل الإيراني بشكل خاص، وأن تتحالف مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، مثلما حدث في سوريا. وأبرز مثال على ذلك تحالف قوات قسد الكردية مع الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر/تشرين الأول 2015، حيث بدأ الدعم الأمريكي بتقديم دعم عسكري ولوجستي مباشر لها، وتحول هذا التحالف إلى شراكة أساسية في سوريا خلال الثورة، وبالتالي سيطرت قوات قسد على النسبة الأكبر من حقول النفط والغاز، وحققت منها عائدات مالية ضخمة. طبعًا، المقارنة بعيدة جدًا بين قسد والأحواز وبين الأحوازيين، لأن الشعب العربي الأحوازي أصحاب أرض، وبلدهم محتل من قبل الفرس. وبعد انتصار الثورة في سوريا، حصلت قوات قسد على مكاسب، منها الدراسة باللغة الكردية، وأصبح مظلوم عبدي مستشارًا للرئيس السوري أحمد الشرع، إضافة إلى مكاسب أخرى. أما الأحوازيون في المهجر، ينحصر عملهم في إيصال صوت شعبهم إلى العالم، والتواصل مع الشعوب والدول المؤثرة، والعمل الإنساني من خلال بعض مجالس حقوق الإنسان التي تعمل، مشكورةً، على تسليط الضوء على الانتهاكات التي تقوم بها العصابة الحاكمة في طهران ضد الأحوازيين العُزّل.

كما يحاول بعض الأحوازيين بناء تحالفات مع أطراف عربية وغير عربية، عسى ولعلّ أن تتعاطف هذه الأطراف مع القضية الأحوازية، ولكن، للأسف، لم تُسفر هذه العلاقات والارتباطات عن نتيجة مثمرة وفاعلة، ولا ترتقي إلى حد كبير من الدعم الحقيقي، وتكتفي فقط بالتعاطف الخجول. ونحن نعرف أن الدول التي لها مصالح في الخليج العربي والشرق الأوسط، وتريد أن يبقى كل شيء تحت سيطرتها، لا بد أن تتحالف مع جهات مؤثرة ولها ثقل وقوة على الأرض، كما أشرت أعلاه إلى نموذج قسد. لكن لا توجد هذه القوة داخل الأحواز، وهذا يؤسفنا جدًا، ونحن بحاجة إليها بشكل ضروري.نعيد ونكرر السؤال: لماذا الأحوازيون متحمسون كثيرًا لسقوط النظام؟

إذا لم تكن لدينا قوة على الأرض نستطيع أن نفرض إرادتنا ومطالبنا من خلالها على العدو أولًا، وعلى الدول الكبرى وأصحاب المصالح الاقتصادية والسياسية ثانيًا، فكيف لنا أن نسعى إلى سقوط النظام، وليس لدينا رؤية وخطة شاملة، حتى لا نفوّت الفرصة على شعبنا، مثلما فوّتناها عام 1979، وأضفنا خمسين عامًا أخرى إلى سنوات الاحتلال؟ نحن الآن تجاوزنا المئة عام، ولم نحصل على مكاسب وانتصارات. أما القول بأن لدينا شعبًا قهّارًا، فنعم، لدينا شعب واعٍ، ويريد التخلص من الاحتلال، لكن يجب أن نُقِرّ بأن الشعب الأعزل لا يمكنه أن يغيّر موازين القوى، ولا ينبغي أن نضحك على بعضنا وعلى شعبنا. 

ويبقى التساؤل مستمرًا حتى تتحقق الإرادة والعمل الحقيقي.على الأحوازيين النبلاء وأصحاب الغيرة والضمير الحي أن يفكروا مليًا، وأن يراجعوا افكارهم وحساباتهم قبل فوات الأوان؛ لأن الفرصة سانحة، والعالم يبحث عن حلفاء أقوياء. أما إذا لزم الأمر، وإذا لم تكن لدينا آليات نستطيع من خلالها التأثير وأخذ حقوقنا، فلا نعوّل على الفرس وأطيافهم حتى يتعاطفوا مع ما نطمح إليه، ولو كان ذلك في حدود الحكم الذاتي؛ لأنهم عنصريون، ولا يمكن أن يتنازلوا عن الأحواز وثرواتها الهائلة. ولا يمكن أن نكون ساذجين إلى أبعد الحدود، حتى نظن أن الفرس يفكرون بنا و بحقوقنا ولو بمقدار ذرة. إما أن نكون جادين في تحقيق أهدافنا، ولا نسمح لأحد بأن يقف في وجه تطلعاتنا، وإما ألّا نكون متحمسين لإسقاط النظام لمجرد إسقاطه.

ويجب علينا أن نعي أمرًا خطيرًا آخر، وهو أن الدول الكبرى وأصحاب المصالح في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ينظرون إلى المنطقة من منظور مختلف تمامًا عن منظورنا، فهذه الدول تسعى قبل كل شيء إلى تحقيق الاستقرار، والحفاظ على حلفاء استراتيجيين، وضمان استمرار تدفق الطاقة من دون تهديد، فضلًا عن الحد من أي موجات هجرة جماعية جديدة قد تشكل ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا على الدول الأوروبية.

ولعل تجربة الربيع العربي ما تزال حاضرة في أذهان صانعي القرار في أوروبا والولايات المتحدة؛ فقد أدت الاضطرابات التي شهدتها المنطقة آنذاك إلى موجات هجرة كبيرة، وجعلت عددًا من الدول الأوروبية يواجه تحديات حقيقية في التعامل مع أعداد المهاجرين واللاجئين، وما رافق ذلك من تداعيات سياسية واجتماعية وأمنية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن استبعاد أن تفضّل بعض القوى الدولية، في حال حدوث تغيير في إيران، سيناريو انتقال منظم للسلطة بدلًا من انهيار شامل للدولة ودخولها في حالة من الفوضى أو الحرب الأهلية. وقد يكون الهدف في هذه الحالة الوصول إلى نظام سياسي جديد أكثر توافقًا مع مصالحها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مؤسسات الدولة ومنع انهيارها، وضمان استمرار تدفق الطاقة وحماية المصالح الإقليمية والدولية و سرعان ما تعترف بالنظام الجديد الدول العربية والإسلامية والدول الكبرى، لأن الكل يريد الاستقرار والأمان في المنطقة، بعد ذلك تصبح مشكلتنا أصعب وأصعب .

أيها العقلاء علينا أن نراقب كيف تضعف الدولة الفارسية رويدًا رويدًا، وأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: لا ينبغي أن نتمنى سقوط النظام الحالي بسرعة؛ بل يجب أن يبقى متعنتا” اكثر فأكثر حتى تكثر اعداءه وتتفق القوى الاقليمية والعالمية على انهاء وجود للدولة الفارسية وتفكك إيران وتغيير خارطة الشرق الأوسط و حينها سوف نحصل على حقوقنا كشعب وربما أصحاب وطن! 

 

 بقلم منصور شايع، ناشط سياسي أحوازي

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here