مقالاتمناقشات في المنظومة السلوكية لموالي النظام الإيراني في الأحواز 

مناقشات في المنظومة السلوكية لموالي النظام الإيراني في الأحواز 

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة 

تقف وراء الدوافع الباعثة على موالاة النظام من قبل شرائح عربية أحوازيَّة عوامل مختلفة، هي محل مناقشة، لا تفي بها توصيفات قيميَّة نظير «العميل» أو «المستعجم» أو المصاب باغتراب حتى. معاينة أثرات هذه الدوافع المعقدة على سلوك الشخص قنطرة لاستكناه ضوابط في السلوك، ومؤثرات في السيكولوجيا، وظروف مجتمعية يمكن وصفها بنية متكاملة. 

وتتشكل هذه البنية من أربعة محددات تضبط الأفعال المنبثقة عنها، هي محدد الولاء الديني، ومضاعفات الخروج من العالم القديم إلى العالم الجديد والمغاير، وخشية انعدام البديل، والمصلحة. محددات تحاول الدراسة هذه شرحها على قدر المقام.   

الولاء الديني

يعدُّ العامل الديني من أهمِّ المحددات التي حثَّت شرائح كبيرة من الأحوازيين على موالاة النظام. وقد تلاقى المحدد الديني مع انصهار العرب الأحوازيين في التشيَّع الصفوي الفارسي؛ وغلَّفت القشور المذهبيَّة الغايات الإيرانية من المذهب، مشترك الأحوازيين والفرس، وجعلتهما يشتركان في الرؤية الكونيَّة، كأنهما نسيج متمذهب واحد، ليفقد هؤلاء الموالين مُكْنةَ المَيْزِ بين التشيُّع الصفوي، الإيراني المبدأ والمنتهي، والتشيُّع العربي في نسخته الأحوازيَّة والعراقيَّة على وجه الخصوص. 

هذا أول البواعث على ذلك الولاء المفضي إلى انصهار الهوية العربية الأحوازيَّة في البوتقة الفارسية، وأكثرها تأثيرا على الإطلاق، لأنه يتراءى في عيون الموالين على شكل فريضة دينية، والتزام مذهبي يؤدي فيه المكلَّف ما وجب عليه من أوامر ونواه إلهية. (وقد تمثَّل ذلك بالنسبة لكثير من الموالين، من حشو العرب، في أن يصطفوا ضد بني عروبتهم في الحرب العربية العراقية الإيرانية). 

ليست القومية والعروبة ولا الثقافة الواحدة ولا المصلحة المشتركة مسبار الانتماء هنا، بل هي التمثل لأوامر المذهب، المتجلي في رجالاته وفقهائه وفق المنظومة الشيعية، لتتقلص مساحة الانتماء القومي لصالح الانتماء الملِّي، وتتسع الهوة بين القومية والزاماتها والدين وأوامره، وتبيت الموالاة مخصصة لهذا دون ذاك. ولا تعدَّ الجغرافيا والأوطان، هي الأخرى، عائقا أمام تجاوز هذا الولاء الأوطان والديار، وهو لذلك ولاء مخيَّل يعوم في فضاء روحي دون الانضباط بالمكاني. ومن هنا لا زمانيته لأنَّه يسري في حالة دورانيَّة تصل الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل الموعود، محتوم الوقوع، وليس المستقبل المناط بالفعل البشري الممكن.  

وفي هذا الولاء يتمظهر الواقع بشكل ساحة لولبية يتلاقى فيها الماضي والحاضر والمستقبل، ما يمكن فيه بسهولة، في عيون الموالين ووعيهم، أن يظهر خميني إلى جانب الحسين وثورته، وأن يتصل الصراع بين الولايات المتحدة بصراع علي ومعاوية، في صراع أبدي بين الحق والباطل. ومن هنا فإنَّ هذا الولاء لا يعد ولاء واعيا أصلا، بمعنى الولاء الموضوع أمام المسائلة والاختيار، بل هو ولاء يتجاوز الوعي به إلى الإيمان به، والثبات عليه، وتقييم النفس بمدى الالتزام به. ومثل هذا الولاء، الملِّي الإيماني، يشبه قتل الذات وفاعليتها، لأنَّه يقلب معادلة الولاء رأسا: فهو لا يسير من الفرد الذي سيختار الولاء وينتقي من يتولى، بل هو من يختار الفرد وعليه أن يقيم نفسه وذاته بمدى التزامه به علَّه خرج عن جادة الحق وركن للظالمين.

إنَّ الأحوازيين الذين يوالون النظام من هذا الدافع الديني هم أشدَّ الناس إيمانا به، والتزاما بكل ما يؤتيه، وأكثر وفاء له من الفرس أصحاب النظام ودولة الاحتلال أنفسهم. ليس لأنَّ العربي بطبيعته متديَّنا عايش الدين من أقدم العصور، وهذا قول فيه نظر، بل لأنَّ الانتماءات المتاحة والمعروضة مجتمعيا، في المجتمع الأحوازي، لا تملك من القوة والتأثير والوضوح ما يملكه الولاء الديني ذاته. فلا الانتماء للوطن العربي، ولا الانتماء للقبيلة، ولا الانتماء للطبقة، كلها هي في قوة يمكن ذكرها إلى جانب الولاء الديني. 

ومن نكران الذات والذوبان في الولاء طريق معبد إلى نكران الأمة العربية والانتماء القومي. ولذلك لا تسعف رؤية العربي الأحوازي الموالي للنظام الإيراني المحتل في أن يعي غير نظام يدعي أنَّه يمثل الدين، ويحافظ على قراءة أحق منه. ويذوي الانتماء القومي أمام سطوة هذه الرؤية ويتلاشى، ويتعزز بدل ذلك الولاء للنظام، لأنَّه تجسيد الدين. وطغيان هذا الولاء يُعجز الموالي من أن يميز بين النظام والمذهب الشيعي ذاته، ما يجعل التمثيل حصري، بناء على آلية الانتماء، للنظام دون غيره من الأنظمة الشيعية الممكنة. وذلك لأنَّ آلية الولاء تتضايق تدريجيا وتنحسر، وتصبح الدلالة على الولاء معدودة في جملة أمور واضحة غير منداحة. فهكذا ينحسر الولاء للدين، ثم للمعصوم، ثم للولي الفقيه، ثم للنظام الذي يرأسه، حتى يتحول الموالي إلى ما تحول إليه اليوم من نصير النظام وعبدا من عُبْدانه.  

  جحود العالم القديم ومعانقة العالم البديل

ينحدر معظم الموالين للنظام الإيراني من عرب الأحواز من الطبقات الفقيرة أو الوسيطة الدنيا، حديثي العهد بالمدنيَّة والمدينة. ونظرا لعدم تجاوز المدنيَّة الأحوازيَّة الحديثة خمسة عقود (يزيد أو ينقص قليلا) فإنَّ ذلك يعني أنَّ السواد العامة من الموالين هم من الفئات القروية الفقيرة أو محدودة الدخل. 

لقد ترك هؤلاء الموالون حيَّهم وعشيرتهم، وأقبلوا على المدينة، ليجدوا أنفسهم أمام عالم مختلف عن العالم الذي عهدوه في «السلف»، وعلاقات اجتماعية لا تشبه عالمهم المألوف من ترابط ودعم وسيطرة الروح الجماعيَّة والأنا العامَّة؛ بل شهدوا على طغيان الفرديَّة، وامتلاء الذات بتوحدها، بالوقت الذي لاحظوا فيه إمكانية متاحة للتقدم في الفردانيَّة عن طريق العمل والمال والعلم إلخ. هذا كله بدى في وعي القروي مرورا من عالم قديم إلى عالم جديد: إلى عالم الفرديَّة، وإتاحة إمكانيَّة التغيير، وعالم الاستناد على الذات وحدها، وعالم التساهل القيمي والأخلاقي غير المعهود في عالم القرية عالم التصلب والالتزام. 

ولكنَّ السماح بالتقدم وتحول الفردانيَّة إلى قيمة والتساهل الأخلاقي (الذي يعني التراخي في قيم والتقاعس عن أخلاق نظير العفة والتضحية ونحوها؛ وليس المقصود هو التسامح) وإنْ أشغَفَ القروي في بداية مدنيَّته، لكنَّه سرعان ما تحول في نفسيته إلى حنين للقديم، للعالم المألوف، ليس لأنَّه محب للقيم وكائنا متعاليا، بل لأنَّه اكتشف ضحاله إمكانيته لاستمرار الحياة وفق الشروط المدنيَّة. كيف لا وقد وجدها مدينة يهيمن فيها الفارسي على كافة مصادر الدخل والثراء، بل يسيطر على كل مصادر القيم والأخلاق، وهو المقيَّم للتمظهر الفردي الخاص والعام، حتى صفعه هذا الواقع بصدمتين: صدمة الخروج من عالمه القديم للعالم الجديد وحنينه له؛ وصدمة الهيمنة الفارسية على العالم الجديد. ولم تتمظهر الصدمة على شكل محض الانتقال هذا، بل في عجزه عن الرجوع والتقدم بالآن ذاته: فلا هو قادر على الرجوع إلى العالم القديم بعد ما عايش العالم الجديد وراق له منه ما راق، ولا هو بمكين على التقدم في العالم الجديد وقد رأى عجزه فيه عن تحقق ما يريد ورصد فيه من المعاطب الخلقية ما سلبه ثقته به.  

لم يكن بمقدور الموالي أن يرجع أدراجه إلى عالمه القديم، لأنَّه عالم لم يعد يعني له كما كان يعني (على الرغم من حنينه له، وعلى الرغم مما يبدو على ذلك من انتكاسة شخصية له) ولم يعد ذلك العالم الذي تمكن من نفسه وصنع خياله، حيث منحه طابع الكمال؛ ولا هو قادر بالآن ذاته على تقمص العالم الجديد لأنَّه ظل مبدئيا متاحا يمكن التقدم فيه، أما واقعيا خارج عن مكنته وعما بيده من إمكانيات وطاقات ونفسية. وهكذا أصبح يعيش القروي الأحوازي العربي بعد أن وجد المدينة هي فارسية المصادر والقيم والهيمنة والثراء والعادات إلخ، بيْنَ بين، لا هو قدير على  الرجوع للعالم القديم ولا العالم الجديد يحتضنه كما كان عالمه القديم يفعل ذلك. وهكذا انفصمت شخصيته وانحلت عرى أخلاقه، وفي هذه اللحظة الممضة بالذات عثر على منقذ ورمق منجيا: النظام. 

لقد كان الانتماء إلى النظام هروبا من كل ما أصيب به الأحوازي البرزخي العائم بين عالمين المنبوذ من كل منهما، والمخلص له من معاناة اللاانتماء، حيث منحه ذلك التشخص والهوية التي تؤكد ذاته، وتجعله ينظر إلى نفسه بعين الاعتداد، والذي له من الأهمية ليصبح ذا شأن في العالم الخارجي. ونظرا لتماهي الأناء والآخر في هذا الشخص الموالي، فإنَّه بعد منحه الانتماء للنظام فقد مقدرة الميز بين ذاته وبين النظام، وأخذ يساوي بين نفسه وبين وجود النظام وتمظهراته.  

ولكنَّ الخطير والمعقد بالآن ذاته، الذي يشبه الإعجاز بالوقت نفسه، هو طبيعة النظام الإسلامي القائم باسم الجمهورية الإسلامية ذاته: فهو ظهر في طبيعته مزيج من الاثنين، وتوفيق بشع المظهر من العالمين: العالم الجديد والعالم القديم معا. وهذا سر قوته وسر ضعفه. هو سر قوته لأنَّه منح الموالين له دفء القديم وأناه الجماعية والانتماء الجماعي والتضحية ومعنى الأبوية الظاهرة على شكل الفقيه الولي الأب؛ وهو مكمن ضعفه لأنَّه أعجزه عن التعامل مع الفئات المدنية الحديثة التي توطدت فيها المدنيَّة وتمثلت العالم الحديث فلم تعد بحاجة إلى أنا جماعية وأبوية وتضحية لا تنقطع. هو سر قوته وضعفه بالآن ذاته، لأنَّه وضع حدا بين الأنا والآخر، فصار يمثل هؤلاء الموالين دون غيرهم، وبات تعينا برانيا لذواتهم دون أولئك الأغيار.  

ولذلك بالتحديد تظهر معاداة النظام في عيون مواليه، معاداة عالمهم المنقذ، وسعيا إلى سلب كل ما حصَّلوه عبر هذا النظام،  فهو هم، يعيش على شكل روح مسيطر في كل واحد منهم. ولذلك ليست عبثا هي الاسماء التي أُختيرت لهم لتعزيز هويتهم الجديدة المنقذة: سواء كانت «مستضعفين» أو «بسيج» أو «حزب اللهي» إلخ؛ مسميات لحقيقة حدوسية واحدة، يشعر بها كل فرد منهم، وتملي له الفراغ القاتل الذي جعله عائما في عالمين، ويمثل كل ما لدى الواحد منهم، بل أعزَّ ما يملك. 

ليست العروبة أعز ما يملك وهي منبوذة في العالم الجديد هذا، وعاجزة عن احتضانه ومساعدته في التخلص من اللاانتماء، لأنَّ الفارسية المهيمنة على العالم الجديد عالم المدينة، المضنون به عليه، لا تعترف بالعربية بل تعاديها، مما زاد عليه مصيبة العالم الجديد واشتدَّ عليه بالنبذ، حتى حدى به إلى ترك العربية بكل الزاماتها، واعتناق الفارسية، لأنَّها عالم المدينة، ولأنَّها المخلص، ولغة الأب الولي الفقيه. وهذا ما يفسر انسيابية ترك العروبة من قبل الفئات المدنية الأحوازيَّة التي توالي النظام، دون أية معوقات. وذلك لأنَّ العروبة لم تسعفهم في التخلص من التفسخ السيكولوجي الهووي، ولأنَّها ليست ذي صلة بالعالم الخارجي وكل الفاعلية هي بحوزة الفرس وسلطانهم.     

وقد تسبب دوام موالاة بعض العرب الأحوازيين للنظام الإيراني بأن تتحول منظومتهم القيمية والمعرفية إلى شكل تتقمص فيه مدركاتهم مفاهيم النظام الإيراني وقواعده، حتى ترى الموالي ينطق بمنطوق النظام، ويصدر عن معرفة مؤدلجة تفصل بين الموالي والمعادي، يتمحور فيها العالم على هذا الأساس، وتقف فيه الأفراد والجماعات بناء على ذلك. وهذا ما حدى بأن يكون أشد المبطشين بالعرب المعارضين والمناضلين، هم بنو قومهم الموالون للنظام، وهم أكثر القوى الأمنية والفكرية تأثيرا على المناضلين لأنَّهم أعرف بمواضع القوة العربية ومظان ضعفها.   

  الخوف من انعدام البديل

تتقوم الأنظمة الاستبدادية الأبوية بالخوف، حسب فكر شارل منتسكيو، حيث يحتل الخوف مكانة رفيعة في قوام الحكم ومكانة البطريرك الولي الفقيه. ويتعدى الخوف هنا من مجرد شعور تجاه ألم مادي يصيب الجسد ليعني الخوف الوجودي الشامل على فقدان المكانة، وتماسك الروح، والتعبير عن الذات عبر الهويَّة الجماعيَّة. 

وكل ذلك يتمثل في ما يمنحه نظام الولي الفقيه لمواليه من عرب الأحواز. فلم يهب هذا النظام منزلة مجتمعيَّة وسلطة على غير الموالين وتماسكا شدَّ شخصيتهم، بل أعطاهم ما لم يملكوه، مما كان يطمحون له وما لم يكن يدور في خلدهم، حتى ظهرت حالة انهيار النظام أو شلله أو علَّته، فقدان كل ما حصلوه. إنَّ الموالي الذي جرَّب حياة الفقدان المادي والروحي معا، اندفع نحو الموالاة كموقف دفاعي بالدرجة الأولى، قبل أن يصدر في ذلك عن إيمان راسخ كما يحصل في الدافع الديني أو الإيماني، مما يقترب بالموالي إلى حياة اضطرار مستمرة على المستقبل وانعدام الأمل فيه.

يعادي الموالي الذي خبر حياة برزخية، قبل ذلك، كل ما هو مجهول، ويرفض كل شيء لا يعرف معالمه وطريقة عمله، لذلك هو في استماتة أبدية لحفظ المألوف والاستقرار في كنف المعتاد. النظام وأدواته وشبكاته وبيروقراطيته معروفة وواضحة بعيون الموالي، وأي تغيير فيها يفقده المعنى الذي ألفه، وتعوَّد عليه، مما يعمق من وجله، ويرجع به نحو اللامألوف المخيف؛ حتى إذا كان كل ذلك النظام البيروقراطي وأجهزة الحكم لا تدرُّ عليه إلا بالنزر اليسير من المصالح والمنافع.     

ولذلك يتبدل الاستعداد للذب عن النظام عند الموالين إلى التضخية بالمال والنفس في بعض الحالات، ليس من دافع إيماني بقدر ما هو بدافع الخوف من فقدان المكانة، وانعدام آفاق البديل؛ إذ يبدو سيكولوجيا طمأنة الموالي على البديل، ومنحه ضمانات تحفظ أدنى ما لديه، كفيلة بتبديد هذا الدفاع، والانتقال به من مدافع إلى محايد أو إلى مدافع لنظام بديل. وهي آلية كثيرا ما عملت بنجاح وتم تسجيلها في كثير من الأنظمة الاستبدادية (وظهرت في سوريا، على سبيل المثال، عبر مفهوم «التكويع» لوصف المنقلبين من موالين للنظام القديم إلى موالين للنظام الجديد). ليست هذه الظاهرة فسادا أخلاقيا بحدِّ ذاتها، بقدر ما هي حالة سيكولوجية تنتاب الذين والوا النظام من منطلق الحفاظ على المكانة والخوف من المجهول. فهم يعملون من دون وعي على موالاة كل جهى تمنحهم ذلك المخلص، ولا فرق فيما إذا كان هذا النظام أو ذاك.  

توأم المألوف المطلوب والمجهول المخيف يشبه هنا آليَّة للسلوك وباعثا للعمل: فالمألوف هو استمرار حياة النظام بكل ما فيه من تماسك روحي ونفع اقتصادي، والمجهول المخيف سيعني انهيار النظام المفضي إلى فقدان كل شيء. ولكن الفارغ الجوهري في عيون الموالي هو أنَّ هذا المجهول المتمثل في فقدان كل شيء ظاهر أمامه بوضوح في أولئك الذين لا يوالون النظام: وهو يرصد حياتهم وهي مليئة بالفقدان، الاقتصادي والاجتماعي على وجه الخصوص، حيث أنَّ سياسة النظام الإيراني كانت على الدوام هي منح الموالين مزايا الحكم وإشراكهم في خيراته، وحرمان غير الموالين وتفقيرهم، حتى منهم غير المعادين المحايدين، عن كل مزايا تسببها القرب من السلطة، أو الدخول في تعاملات معها. ومن أجل ذلك لا يعسر على الموالي أن يساوق بين عدم موالاة النظام أو الحياد منه، وبين خسران كل المزايا التي تحصَّل عليها، وهي مزايا طفيفة من بيت صغير ومركبة وبعض راتب، وهو يظهر كبيرا بعينه وفي رأيه.  

فهنا تسعف التجربة اليومية لموالي النظام بتنبؤ بحياة أولئك الذين لم يسلكوا طريقه: وهو يراهم يصارعون ظاهر الحياة من شظف عيش وسوء مثوبة، والكد في الحصول على مواقع في البيروقراطية تسهل بها حياتهم ويمارسون فيها اختصاصهم أو يكتسبوه عبر هذا النظام الديواني. لا يصعب على الموالي وغير الموالي الأحوازي أن يفرز بين حياة الموالي والمحايد والمناضل لأنَّ التجربة اليومية تضع له تجارب يرى فيها تمتع هذا النسبي، وتحديدا على المستوى الاقتصادي، وهو ظاهر الأمر. (أما العلو الأخلاقي للمناضل والسقوط للموالي فذلك ليس حديث الفقرة هذه).     

لا تنحسر هذه الخصاصة في بعدها المعيشي على الإطلاق، بل هي تكتسب بعدا رمزيا أيضا، وتتجلى في قضية المكانة: إذ يساوي الموالي بين ذاته وقد أكسبته موالاته للنظام مكانة (هو يظن بها أنها مكانة وكفى بذلك له باعثا للموالاة) وبين «فقدان المكانة» عند غير الموالين وقد جعلتهم في عيش ممض. ويعجز تماما عن تجاوز هذه المقارنة إلى حقيقتها، التي تشير إلى حفاظ غير الموالين على القيم المثلى، وفقدانه هو للقيم والاكتفاء بمزايا طفيفة في الحياة المعيشة. وهذا العجز الأخلاقي، إذا جاز التعبير، هو ما يعززه النظام الإيراني، ويعمل على توطيده في النفوس، لأنَّ يسهل عملية الانقياد والتحشيد له. 

أما في هذه الفترة التي يقترب منها النظام الإيراني المحتل من الانهيار، فقد كسب الموالي دافعا آخرا لحظيا للذب عن النظام الذي والاه وهو الخوف من الانتقام الشخصي، على يد أبناء الأحواز العربية، الذين يرون كل موال خائن بالوطن ومعينا للمحتل الذي نهب ثرواته وقتل أبناءهم وحارب عروبتهم. وهذا يغذي الخوف من انعدام الوجود بعد ما كان الباعث الخوف من فقدان المكانة، مما راكم عليه حالة الوجل العام الذي يمضي حياته اليومية فيه.  

المصلحة 

وتعني المصلحة هنا النفعيَّة بأضيق معانيها، وبوصفها الجنوح الغريزي للفرد نحو اجتلاب ما يلتذ منه وتجنب ما يوجعه. وهي دليله في العمل ومجسَّه في الفعل والإقدام. والمصلحة لموالي النظام لا تعني المصلحة الجماعيَّة العليا، لأنَّ النظام الإيراني المحتل، المستبد الحكم، لا يخاطب إلا جماعات محدودة بوصفها جزر متباعدة، ولا يرتضي إلا تكوين مجاميع صغيرة، تشبه شبكة تناصرية، وليس جماعات مبنيَّة على أساس عقدي مستقل عن عقيدة الحاكم. الفرق في المصلحة الجماعيَّة عن المصلحة التناصريَّة، هي اتساع الأولى لتشمل طبقات مجتمعيَّة وأحزاب وإيديولوجيات مختلفة، بينما المصلحة التناصرية لا تتسع سوى لفئة تناصرية، تجتمع على أساس مصلحتها المشتركة المفضية إلى استمرار المصلحة أو اتساعها. 

فهنا يمنح النظام موارد ماديَّة، في الأعم الأغلب، بينما الشبكة تمنح ولاء وهيمنة لحْظيَّة أو مكانيَّة على موضع يريد النظام أن يقع تحت سيطرة الموالين. وبناء على طبيعة النظام الإيراني فإنَّه أكثَرَ من هذه الشبكات التناصرية ليضبطها كلها ضمن حالة تنافسيَّة، يسهل فيها إدارة مجموعة شبكات، في سياق صراعاتها وتنافسها ومتطلباتها. أما هذه الشبكات فهي تجعل من الفرد أكثر طواعية للنظام، وأكثر انسيابية في الخصوع واتقانا للدور، حتى يصبح منح الولاء مجرد عملية تلقائية تصدر عنه، واضحة الحدود والمعالم. 

وتتجلى هذه المصلحة في النظام البيروقراطي الذي يسيطر عليه النظام الإيراني بالكامل، وجعله أحد أدواته في تركيع المجتمع، ومنتجا لتوليد الموالين، وقنطرة لفرز الموالي عن غير الموالي. ولذلك تعدُّ عملية التزكية في هذا الجهاز الذي تسمح بنخل عقائد المتعيَن الفارز بين الموالي من غير الموالي؛ حتى تحولت الملائين العاملة في هذا الجهاز البيروقراطي لدولة الاحتلال الإيرانية، قوام الحشود التي تخرج في كل مظاهرات وعند كل تجمع. ومن هنا يلقَّن الموظف والعامل بعقائد النظام، ويرى في حياته المهنية كيفية تحول الموالاة إلى عامل في الارتقاء بالسلم الوظيفي. فكلَّما زاد ولاء الفرد والجماعة، تعززت المكانة واتسع النفوذ.

وتتخذ المصلحة شكلها السافر عند ما تتعلق بالموالي الأحوازي للنظام، إذ نظرا لإبقائه على هامش النظام البيروقراطي، لعروبته، فإن المصلحة التي ينالها هي حفنة أموال وبعض نفوذ يحظى به على بني قومه العرب، ولا يتحصل على ما يتحصل عليه زميله الفارسي. يؤسر العربي الموالي أمام المصلحة، المادية في الأعم الأغلب، ويتعبدها، لأنَّ خلفياته الفقيرة الحديثة العهد بالمدينة، كما جاء سابقا، تجعله يقدس المصلحة، ولا يرى فيها مصلحة مشتركة، بل تتخذ بعدا فرديا ضيَّقا من جهة اختصاصه بها، وبعدا جماعيا منقادا من جهة حصولها عن طريق اليد المانحة، يد النظام الإيراني المحتل.   

الختام

لا يمكن الاكتفاء بالتصريح بأنَّ الشرائح العربية التي توالي النظام الإيراني هي مجرد شرائح عميلة أو مستعجمة أو مصابة بالاغتراب؛ لأنًّ تتبع البواعث التي حثَّت الموالين على منحهم الولاء لدولة الاحتلال الإيراني، والجمهورية الإسلاموية، يظهر مصادر وبواعث مختلفة: هذه البواعث التي تعمل في خلق بنيَّة متكاملة، هي عبارة عن العامل الديني المذهبي، الذي يتمثل في تشيُّع النظام الإيراني المحتل، والعرب في شمال الأحواز. وهذا العامل صنع وحدة مشتركة بينهما، ومنحهم هوية مشتركة. 

إلى جانب عامل الوقوع بين القديم والحديث، بين التقليد والتراث والتجدد، وتبعات ذلك السيكولوجيَّة والمجتمعيَّة والحضاريَّة. وينبعث الولاء لموالي النظام العرب هنا عن انفصام شخصي يتمثل في عدم الانتماء لا إلى العالم القديم ولا الحديث، فيأتي النظام ليداوي هذا الجرج العياء، ويمنح الفرد المذبذب أسباب تماسكه السلوكي والنفسي. فيتحول من مجرد نظام حكم إلى مخلص ورمز للتماسك الروحي والمادي.  

ليس هذا فحسب، بل قد يكون الدافع في موالاة النظام من قبل مواليه العرب الأحوازيين هو الخشية من انعدام البديل، والخوف من المجهول، حيث يتحول هنا الولاء إلى حالة دفاعية أمام كل مجهول والتمسك بالمألوف بوصفه عالم الطمأنينة النفسية، فرار من العالم المجهول الذي قد يعني فقدان كل شيء. 

وفي طيات كل ذلك هناك المصلحة العمياء التي تحكم سلوك بعض الأفراد، حيث تجعلهم عبيد المصلحة حيث دارت، منحوها ولائهم وكل ما يملكون بغية الاستمرار في المصلحة والتمتع بخيراتها. 

وقد تجتمع هذه الأسباب في شخص واحد، وقد تتفرق بين بعضهم الآخر، ولكن هي أسباب ستظل تمنح البواعث لموالي النظام من عرب الأحواز لمنحهم المقادة، وهي التي يمكن احتسابها في البحث في هذه الشريحة المتفسخة، التي وقفت إلى جانب المحتل ضدا على بني عروبتها بدوافع كان يمكن القضاء عليها والبراء من تأثيراتها. 

 

 

رحيم حميد، باحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here