لا تتوقف أزمة إيران عند طبيعة النظام الحاكم في طهران، ولا يمكن اختزال مستقبل البلاد في رحيل نظام الجمهورية الإسلامية (الثيوفارسي)، الذي يستحضر في خطابه الأوهام والأحقاد الطائفية التاريخية، أو وصول التيار البهلوي القديم الجديد إلى الحكم، الذي يستند بدوره إلى الأوهام والأحقاد القومية التاريخية. فكلا المشروعين، على اختلاف منطلقاتهما الطائفية والقومية، يحمل في خطابه ما يجعل تداعياته تتجاوز جغرافيا إيران السياسية إلى الإقليم برمته.
فثمة قضية أعمق تتصل بتاريخ الدولة الفارسية المركزية، ولا سيما منذ تأسيس الدولة البهلوية عام 1925، وعلاقتها بالشعوب غير الفارسية، وفي مقدمتها العرب الأحوازيون والأتراك الأذربيجانيون والكورد والبلوش وغيرهم، فضلاً عن احتكار السلطة والثروة والقرار السياسي. وهي قضايا ستظل قائمة بصرف النظر عن هوية النظام المقبل، ما لم تعالج جذورها السياسية والقومية والاقتصادية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم النقاش بشأن مستقبل إيران ليس فقط من سيحكم بعد النظام الحالي، بل كيف ستحكم البلاد، وعلى أي أسس دستورية وقومية وجغرافية واقتصادية ستبنى الدولة الجديدة؟
فإيران ليست مجتمعاً متجانساً قومياً أو لغوياً أو جغرافياً، بل تضم شعوباً متعددة، من بينها العرب الأحوازيون والأتراك والكورد والبلوش والتركمان واللور والفرس وغيرهم، ولكل منها هويتها الثقافية واللغوية وتاريخها وامتدادها الجغرافي، فضلاً عن مطالب سياسية واقتصادية تتراوح بين الاعتراف بالحقوق القومية والإدارة الذاتية والفدرالية، وصولاً إلى حق تقرير المصير والاستقلال الكامل عن الدولة الفارسية.
وهذا التباين في المطالب يعكس اختلاف التجارب التاريخية والمواقف السياسية لهذه الشعوب وقواها، ولا يمكن اختزاله في مشروع واحد تفرضه السلطة المركزية أو تتبناه المعارضة نيابة عنها. ومن هنا، فإن أي تصور لمستقبل إيران يتجاهل هذه الحقائق سيواجه الإشكاليات نفسها التي رافقت الدولة المركزية طوال العقود الماضية.
المشكلة أقدم من النظام الحالي
ترتبط إحدى الإشكاليات التاريخية في إيران ببناء دولة مركزية سعت، خصوصاً منذ عهد رضا بهلوي (الدولة البهلوية الأولى)، إلى فرض نموذج قومي ولغوي موحد، وجعل الفارسية لغة الدولة والتعليم والإدارة، على حساب اللغات والهويات الأخرى.
ولم يؤد سقوط النظام البهلوي عام 1979 إلى معالجة هذه القضية. فقد واصل النظام الإيراني الحالي تبني بنية مركزية صارمة، وتوظيف المؤسسات الأمنية والعسكرية والدينية في التعامل مع المطالب القومية المشروعة، ولا سيما في كردستان والأحواز وبلوشستان.
وعلى الرغم من اختلاف المرجعيتين الأيديولوجيتين للنظامين البهلوي الفارسي والثيوفارسي، فإن استمرار مركزية السلطة والقرار يكشف أن المشكلة لا تنحصر في هوية الحاكم، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة التي فرضتها الدولة على الشعوب غير الفارسية. فالتغيير السياسي الذي شهدته البلاد عام 1979 لم يؤسس لعلاقة جديدة تقوم على الاعتراف المتكافئ بالحقوق القومية والسياسية.
ومن هنا، فإن الانتقال من حكم رجال الدين إلى نظام آخر لا يضمن بحد ذاته نهاية التهميش أو الاستبداد، إذا احتفظ النظام الجديد بالفلسفة المركزية نفسها، وبالآليات التي تحتكر القرار السياسي والثروات في العاصمة.
بل إن إعادة إنتاج المركزية تحت شعارات قومية جديدة قد تفتح الباب أمام صراعات لا تقل خطورة عن الأزمات القائمة، وقد تتجاوز تداعياتها جغرافيا إيران السياسية، لتطال أمن دول الخليج العربي واستقرار المنطقة، بما تحمله من انعكاسات محتملة على مسارات التنمية والتحول الاقتصادي.
الأحواز والثروة.. غياب العدالة الاقتصادية
تمثل الأحواز نموذجاً بارزاً للتناقض بين وفرة الثروة الطبيعية ومستويات التنمية. فالإقليم يزخر بالموارد النفطية والغازية والمائية والأراضي الزراعية، فضلاً عن الثروات المعدنية، لكنه يواجه مشكلات بيئية واقتصادية واجتماعية متراكمة.
غير أن القضية الأحوازية لا تقتصر على مسألة التنمية الاقتصادية وحدها، بل ترتبط أيضاً بتاريخ سياسي وقومي يعود إلى أبريل (نيسان) 1925، حين احتلت القوات التابعة لرضا بهلوي إقليم الأحواز، وأخضعته لسلطة الدولة الفارسية، وما أعقب ذلك من تراجع مكانة اللغة العربية والهوية القومية في المؤسسات الرسمية، وتحولات طالت الإدارة المحلية والموارد الطبيعية، فضلاً عن عمليات التغيير الديموغرافي الواسعة التي شهدها الإقليم.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر القضية الأحوازية على الاعتراف بالحقوق السياسية واللغة والهوية العربية، بل تمتد إلى المشاركة في إدارة الموارد وتوزيع عائداتها وحماية البيئة وضمان فرص التنمية والعمل للسكان العرب. كما تتصل بمسألة أوسع تتعلق بحق العرب الأحوازيين في تحديد طبيعة علاقتهم السياسية والدستورية بالدولة المركزية.
وتبرز إشكاليات مشابهة، وإن بأشكال متفاوتة، في المناطق الكوردية والبلوشية والتركية وغيرها، حيث تتداخل المطالب القومية والسياسية مع القضايا الأمنية والتنموية والبنية التحتية وتوزيع الموارد والصلاحيات.
ومن ثم، فإن أي مشروع جاد لإعادة صياغة مستقبل إيران لا يمكنه الفصل بين ضمان الحقوق السياسية والقومية وتحقيق العدالة الاقتصادية. فالاعتراف بالهوية القومية، ما لم يقترن بصلاحيات سياسية واقتصادية فعلية، سيظل اعترافاً شكلياً لا يعالج جذور التهميش ولا يفضي إلى معالجة الاختلالات البنيوية المتراكمة.
من المركزية إلى الفدرالية القومية والجغرافية والاقتصادية
في ظل تصاعد النقاشات بين القوى السياسية الممثلة للشعوب في إيران بشأن مستقبل البلاد، عادت الفدرالية إلى الواجهة بوصفها أحد الخيارات الدستورية المطروحة لمعالجة الاختلالات البنيوية في العلاقة بين السلطة المركزية والأقاليم، شريطة أن تستند إلى توافق سياسي واسع وضمانات دستورية متبادلة.
ويمكن مناقشة نموذج يجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد القومي، الذي يعترف بالهويات واللغات والحقوق الثقافية والسياسية. والبعد الجغرافي، الذي يحدد الأقاليم وصلاحياتها وفق معايير تراعي الواقع السكاني والتاريخي والإداري. والبعد الاقتصادي، الذي ينظم إدارة الموارد الطبيعية وتوزيع العائدات والإنفاق العام بصورة عادلة وشفافة.
وفي هذا التصور، لا تكون الفدرالية مجرد نقل لبعض الصلاحيات الإدارية من طهران إلى المحافظات، بل إعادة تنظيم للعلاقة الدستورية بين السلطة الاتحادية والأقاليم، بحيث تمتلك المجتمعات المحلية مؤسسات منتخبة وصلاحيات واضحة في التعليم والثقافة والتنمية والإدارة والموارد، مع وجود مؤسسات اتحادية مسؤولة عن القضايا المشتركة.
غير أن طرح الفدرالية لا يلغي وجود مطالب قومية أخرى تتجاوز الحكم الذاتي، وتصل إلى حق تقرير المصير والاستقلال. فهذه الخيارات تعكس رؤى سياسية متباينة لدى القوى الممثلة للشعوب غير الفارسية في إيران، ولا يصح التعامل معها باعتبارها مطالب متطابقة، أو قابلة للاختزال في صيغة دستورية واحدة.
كما أن الفدرالية لا تعني تلقائياً حل جميع النزاعات، في ظل وجود مناطق مختلطة قومياً ولغوياً، وتداخلات سكانية وتاريخية طبيعية على امتداد الحدود الإدارية القائمة بين الأقاليم، وتفاوت في الموارد الاقتصادية، كما هو الحال بين أذربيجان وكردستان، وبين الأحواز ولرستان، على سبيل المثال لا الحصر.
ولذلك، ينبغي أن يستند أي تقسيم اتحادي، بالنسبة إلى الشعوب والأقاليم التي تختار الفدرالية، إلى التفاوض والتوافق والتمثيل المتكافئ، مع ضمان حقوق جميع المكونات السكانية داخل كل إقليم، بعيداً عن فرض حدود جديدة بإرادة أحادية. كما تبرز الحاجة إلى آليات دستورية وقضائية مستقلة لتسوية النزاعات المتعلقة بالحدود والموارد والصلاحيات، حتى لا تتحول الفدرالية إلى مصدر جديد للصراع.
المعارضة الفارسية ومشكلة إعادة إنتاج الدولة المركزية
لا يمكن تقييم مشاريع المعارضة الفارسية على أساس معارضتها للنظام الحالي وحده. فالمعيار الأهم هو موقفها من توزيع السلطة والاعتراف بالتنوع القومي والحقوق اللغوية والثقافية وإدارة الثروات، وحق الشعوب في تقرير مستقبلها السياسي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة فيما يتعلق بالتيار البهلوي القديم الجديد، الذي يستحضر إرث الدولة البهلوية ويطرح نفسه بديلاً للنظام الحالي. فالسؤال الجوهري لا يتعلق بموقفه من حكم رجال الدين فحسب، بل بموقفه من النموذج المركزي الذي تأسس في عهد رضا بهلوي، ومن المطالب القومية التي نشأت في مواجهة سياسات تلك الدولة.
فإذا كان التغيير المقترح يعني العودة إلى مركزية قومية فارسية، ولو تحت شعارات الدولة الحديثة والوحدة الوطنية، فإن الخلاف مع النظام الحالي سيبقى خلافاً على هوية السلطة ومرجعيتها، لا على طبيعة علاقتها بالشعوب غير الفارسية.
فالمشكلة لا تكمن في مجرد استبدال النخبة الحاكمة، بل في احتمال إعادة إنتاج بنية سياسية تكرس هيمنة المركز على القرار السياسي والاقتصادي، وتبقي الشعوب غير الفارسية خاضعة لسلطته، بصرف النظر عن الشعارات التي يرفعها النظام المقبل.
تغيير النظام أم تغيير بنية الدولة؟
إن مستقبل إيران لا يتوقف على سقوط النظام الحالي وحده، بل على معالجة القضايا القومية والسياسية التي ظلت لعقود خاضعة للمقاربة الأمنية، وفي مقدمتها حقوق الشعوب غير الفارسية، وتوزيع السلطة والثروة، والاعتراف بالتعدد القومي واللغوي. فلا يكفي أن يعلن أي نظام مقبل التزامه بالديمقراطية والمساواة أمام القانون، ما لم يترجم ذلك إلى ضمانات دستورية وسياسية تعترف بحقوق هذه الشعوب وإرادتها في تقرير مستقبلها.
وتمثل الفدرالية القومية والجغرافية والاقتصادية أحد الخيارات الممكنة لإعادة تنظيم الدولة، لكنها لا تلغي المطالب الأخرى، وفي مقدمتها حق تقرير المصير والاستقلال، ولا يمكن فرضها بوصفها تسوية نهائية على جميع الشعوب غير الفارسية.
ولا تنفصل نتائج هذه التحولات عن أمن المنطقة، ولا سيما دول الخليج العربي، إذ إن إعادة إنتاج النزاعات القومية تحت سلطة مركزية جديدة قد تجعل تغيير النظام مجرد انتقال للأزمة من مرحلة سياسية إلى أخرى، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية.
فالمعضلة ليست في هوية من يحكم طهران، بل في استمرار احتكارها السلطة والثروة والقرار السياسي، وفرض إرادتها على الشعوب غير الفارسية. ومن هنا، فإن سقوط النظام الإيراني، مهما كانت الظروف التي تقود إليه، لن يكون بالضرورة نهاية الهيمنة القومية، ما لم يمتد التغيير إلى بنية الدولة نفسها، ويؤسس لعلاقة جديدة تقوم على الحقوق القومية والإرادة الحرة للشعوب، لا على إعادة إنتاج المركزية بوجوه وشعارات مختلفة.
غير أن الوصول إلى هذه المرحلة لا يبدو ممكناً عبر “التغيير” أو “الإصلاح الهيكلي” السلمي؛ إذ إن الثقافة الشوفينية الراسخة لدى القومية المهيمنة، وطبيعة التيار السياسي المتغذى على عقود من الاستبداد والمركزية، يجعلانهما غير قادرين على قبول الشراكة المتساوية أو التنازل عن الهيمنة. ومن هنا، فإن الحل لا يكمن في “تغيير” النظام أو بنية الدولة، بل في “تبديلها” بالكامل عبر تحطيم هيكلية هذه الدولة المركزية من جذورها – على غرار النموذج العراقي – والبناء من الصفر؛ إذ إن تفكيك المؤسسات المركزية القائمة وإزالتها هو السبيل الوحيد لخلق واقع سياسي جديد ينهي عقدة الهيمنة ويضمن إرادة الشعوب دون مواربة.
جمال عبيدي @jamalnaeem
