وما هي إلا ساعات قليلة بعد ذياع نبأ الرحيل، في يوم الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، حتى امتلأت الشوارع المحيطة بمحل مجلس عزاء الشيخ ناصر الحنظل بآلاف المعزين، وجاءت القبائل من شتى مدن الأحواز وقراها بـ «العراضة»، وهي طقس شعبي تتقدم فیه الشيوخ والأعلامُ وفودَ العشائر العربية، وهي تهتف بعبارات مفادها المواساة أو الحسرة على الفقيد أو ذكر حميد خصاله. نبأ وفاة الشيخ ناصر الحنظل، ومجلس عزائه الذي ضاقت به الشوارع المحيطة، وكثرة المعزين وتنوع شرائحهم الاجتماعية وتوجهاتهم السياسية، معًا غزت منصات التواصل الاجتماعي، فأخذ الحدث جانبًا كبيرًا من نشاط الأحوازيين في الفضاء الافتراضي، وصار الشيخ ناصر الحنظل الخبر الطاغي في الأحواز. فما السر في ذلك؟ ومن هو الشيخ ناصر الحنظل؟
ناصر الحنظل؛ المناضل والسیاسی
قبل 46 عامًا، التحق ناصر الحنظل بالجبهة العربية لتحرير الأحواز، وبحسب البيان الذي أصدرته الجبهة في نعيه، كان ذلك في عام 1978م، وبعد عامين، انتقل ناصر إلى العراق، حيث واصل نشاطه في صفوف الاحوازيين، ولم يعد إلى الأحواز إلا عام 2003م، عقب احتلال العراق. وخلال سنوات إقامته في العراق كان الشيخ ناصر حاضرًا في نشاط الأحوازيين ونضالهم، وبلى في ذلك بلاء حسنًا، وعلى إثره رأت القيادة في العراق آنذاك أنه حقيق بمكافأة تمثلت في نوط شجاعة مُنح إياه على يد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وفي أثناء وجوده في العراق انضم الشيخ ناصر إلى حزب البعث الاشتراكي، وتدرج في نشاطه حتى أصبح عضوًا في مجلس قيادة تنظيم الحزب في قطر الأحواز، وفق البيان الذي نشره الحزب في 24 سبتمبر/أيلول 2026، ناعيًا رحيله، وأضاف البيان أن الشيخ ناصر، بعد عودته إلى الأحواز، بقي عضوا فاعلًا في التنظيم، واستمر في نشاطه سرًا حتى وفاته.
ناصر الحنظل؛ شيخ العشيرة
عاد ناصر الحنظل إلى الأحواز عام 2003، وتبوأ موقع شيخ عشيرة «آلبوغربة»، إحدى عشائر قبيلة عبادة، وكان على رأسها شيخًا متحدثًا لبقًا، ورجلاً للمعضلات، وحَكَمًا موثوقًا به، ومشهودًا له بالعدالة بين العشائر العربية، ولعل الحضور العشائري الكبير في تشييعه كان شاهدًا على مكانته في هذا الوسط. ولم تجعل العودة من العراق من الشيخ ناصر رجلًا مهزومًا، ولا شيخ قبيلة متملقًا للسلطة، ولا ساعيًا إلى نفوذ سياسي أو إداري على حساب مجتمعه، بل نأى بنفسه وبحكمة عن مسار صار فيه عدد غير قليل من شيوخ العشائر في الأحواز، حيث لم يُعرف له تقديم أي موقف تأييد أو مجاراة للسلطة، لا في خطاب ولا في صورة ولا في نص. ومن الأحواز إلى العراق، ثم من العراق إلى الأحواز، تغيرت محطات حياة الشيخ مرارًا طوال حياته، فعاد العسكري شيخًا يرأس عشيرته، وجاءت الكوفية بدل القبعة النظامية، وتغيرت الهيئة وحتى المسار، وبقيت البغية نفس البغية.
بوصلة في الأحواز
تشييع الشاعر الوطني ستار أبو سرور، ورائد شعر الأبوذية ملا فاضل السكراني، والشاعر الوطني الشاب حسن الحيدري، والشيخ مولا الشميل، إلى جانب بعض رؤوس العشائر العربية، كلها نماذج على مراسم تشييع جماهيرية شهدتها الأحواز خلال السنين الأخيرة، فما الذي يميز هؤلاء حتى حظوا في وداعهم الأخير بتكريم شعبي كبير؟ واللافت أن أغلب هؤلاء لم يكونوا من أصحاب السلطة السياسية والنفوذ، ولا من أصحاب الثروات الطائلة، ومن بينهم شباب لم يعمروا سوى عقدين أو ثلاثة، لكنهم كانوا أكبر من عيون الغربال، فاستعصوا على السقوط، ولذلك برزوا، والتقطتهم عيون الشعب. وفي غياب جوائز التكريم، وانغلاق القاعات في مراكز المدن في وجه الأحوازيين، تأجلت مراسم تكريم هؤلاء إلى ساعات التشييع، فكان المكان شوارع الأحواز وساحاتها، وعدد الحضور يقدر بالآلاف.
وثمة مقولة شائعة تقول: «أرني من تكرّم أقل لك من أنت»، ولعل قیمة العبارة لا تقف عند الفرد بل تمتد إلى المجتمعات أيضًا، فالأمم، مثل الأفراد، تکشف شيئا من قيمها من خلال الشخصيات التي ترفعها إلى مقام التبجيل. فالشخص الذي تختاره الجماعة يقول شيئا ما عن الجماعة نفسها، وما تحتفي به في شخص ما قد يكون أكثر إفصاحًا عن قيمتها مما تقول عن نفسها. ومن يمعن النظر في الشخصيات التي يكرمها الأحوازيون يجد فيهم سمتين هما الأبرز في شخصياتهم: أولهما الخدمة المجتمعية الصادقة، سواء أكانت أدبية أم سياسية أم اجتماعية أم عشائرية، وثانيتهما الوطنية. فأصحاب المواقف الوطنية يحظون بحصة واضحة في التكريم الشعبي، وفي الشاعرين الشابين ستار أبو سرور وحسن الحيدري مثال على ذلك. لا سيما إذا تذكرنا صغر سن هولاء والمواجهات الأمنية التي شهدتها مراسم تشييعهما.
وسام الشجاعة لمن؟
“وأنت أول واحد حَطّ النوط اعلى اچتافه” (وأنت أول من وضع الوسام على كتفه)، وبهذه الأهزوجة (الهوسة) صدح أوائل الواصلين من المعزين إلى باب منزل الشیخ ناصر الحنظل، وسرعان ما انتشرت في الفضاء الافتراضي، وأصبح «النوط» أحد أبرز الكلمات التي ارتبطت برحيله في ذاكرة الأحوازيين. وأما عن قصة النوط، فالشيخ ناصر وكما ورد في بيان (جبهة العربية لتحرير الأحواز) كانت له في الحرب مع إيران مواقف بطولية حاز على إثرها نوط الشجاعة من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والنوط عاد إلى الواجهة شاهدًا على بطولة الشيخ وتضحياته الوطنية. وانتقل هذا الوسام من على كتف الشيخ ناصر إلى ذاكرة الأحوازيين، وغدا وسامًا ليس لحزب دون آخر، ولا لقبيلة دون أخرى، فهو وسام المواقف النبيلة، حيث ذهب نظام البعث من حكم العراق، وتغيرت موازين القوى، ورحل الشيخ ناصر الحنظل، وبقى الوسام حديث ميادين الأهازيج، وعلى ألسنة الناس، والفضاء الافتراضي في الأحواز.
الخاتمة:
وإن كان لا يصح الاكتفاء بمؤشر واحد في تفسير الظواهر الاجتماعية، فإن مراقبة الشخصيات التي يرفعها المجتمع إلى مقام التقدير تتيح مجالًا واسعًا للتعرف إلى بعض أولوياته وقيمه، وإلى ما يراه جديرًا بالاحتفاء والتكريم. وفي الأحواز، تكتسب مثل هذه المناسبات أهمية خاصة، في ظل محدودية فضاءات التعبير العلني عن المواقف والقيم العامة. لذلك تتحول بعض المناسبات المجتمعية، ومنها مراسم التشييع التي غالبًا ما تجري بصورة عفوية، إلى مساحة يظهر فيها ما قد لا يجد طريقه إلى الظهور في غيرها. والمتابع للشأن الأحوازي يجد حضورًا واضحًا للانتماء الوطني في كثير من صور التقدير الشعبي، من دون أن يعني ذلك غياب الانتماءات الأخرى، وفي مقدمتها الانتماءات العشائرية والطائفية. لكن رحيل الشيخ ناصر الحنظل، وما رافق تشييعه من حضور واسع، يشير إلى أن المشاعر الوطنية ما زالت حاضرة في الوعي الشعبي، وأن الخطاب الوطني لا يزال يجد له صدى بين شرائح من المجتمع الأحوازي. ولعل «نوط الشجاعة» الذي حمله الشيخ ناصر على كتفه، ثم انتقل بعد رحيله إلى ذاكرة الأحوازيين، يلخص شيئًا من هذه الحكاية؛ فالأوسمة قد تُمنح للأفراد، لكن الذاكرة الجمعية لا تمنح خلودها إلا لمن ترى في مواقفه ما يستحق أن يبقى.
