نشر منتدى الشرق الأوسط، وهو مركز بحثي أمريكي، تحليلاً مطولاً بقلم الباحث والخبير البارز في فضّ النزاعات والتحّولات السياسية، سيث كابلان، يقدم فيه الكاتب رؤيته لتفكيك بنية النظام الإيراني مستعرضاً عدداً من الإجراءات التي يجب أن تحدث؛ كي تُفكك بنية النظام ويسقط في نهاية الأمر. ومن بين الإجراءات التي أوصى بها، إقامة مناطق محمية في أطراف جغرافيا إيران محدداً أجزاءً من إقليمي بلوشستان وكوردستان كإجراء أولي لهذا المشروع. وقد جاءت هذه الرؤية في المبحث الخامس من التحليل، المعنونة بــــــ ” إقامة جيوب معارضة محمية ” .
وذكر كابلان في تحليله ” غير أن الجيوب المحصورة في مناطق الأقليات وحدها من غير المرجح أن تحقق الشرعية الوطنية اللازمة للانتقال السياسي، وقد تعزز روايات النظام عن النزعة الانفصالية. ولذلك ينبغي أن يكون الغرض منها أن تشكّل الأساس لحركة وطنية أوسع توسّع نفوذها السياسي تدريجياً نحو القلب الإيراني ذي الأغلبية الفارسية.”
وأنهى المبحث بالفقرة الآتية :
” والجيوب المحمية ذات قيمة فقط بقدر ما تقوّي معارضة وطنية موحدة قادرة على حفظ القيادة، وتنسيق العمل السياسي، والبرهنة على أن حكومة بديلة ذات مصداقية مستعدة لحكم إيران مستقرة وموحدة الأراضي.”
لست هنا في معرض الرد على ما جاء في تحليل كابلان، بل لأوضح وجهة نظر ثلة من أبناء الشعوب غير الفارسية وخاصّة الأحوازيين منهم، عن مستقبل جغرافيا إيران .
الدولة الإيرانية الحديثة صناعة غربية
مرت الجغرافيا الإيرانية في القرنين الأخيرين بتغييرات عدة، بدءاً بانفصال أجزاء منها مثل المناطق الواقعة حالياً غربي أفغانستان أو مناطق أخرى في القوقاز، مروراً بالسيادة الاسمية على أقاليم الأحواز، وبلوشستان، وكوردستان، وآذربيجان في العهد القاجاري، وصولاً إلى العهد البهلوي حين احتلت إيران تلك الأقاليم بالقوة، وضمتها إلى جغرافية إيران وفرضت سلطتها القهرية عليها. ولعب العامل الخارجي -بريطانيا وروسيا آنذاك – دوراً محورياً سواء في انفصال بعض الأجزاء أم في احتلال وضم أجزاء أخرى.
إن بناء الدولة الإيرانية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى لم يحدث لولا الدعم العسكري والمالي والسياسي الذي قدمته بريطانيا حينذاك. وتلتها الولايات المتحدة التي أسهمت في بناء إيران الحديثة إسهاماً كبيراً بدءاً بإصلاح نظامها المالي والضريبي في أواخر العهد القاجاري وبداية الحكم البهلوي، عبر إيفاد خبراء في الاقتصاد والإدارة مثل مورغان شوستر وآرتور ميلسبو. وبلغ هذا الدعم ذروته بعد الحرب العالمية الثانية، حينما أسهمت الولايات المتحدة في تأسيس وبناء وتطوير الأنظمة الإدارية، والبنية التحتية، والقطاعات العسكرية، والأمنية، والاستخبارية، والزراعة، والطاقة، والتعليم، والصحة علي نحو واسع ومؤثر، محولةً إيران إلى حليف استراتيجي للولايات المتحدة بل شرطياً تابعاً لها في منطقة الخليج العربي.
تفكيك إيران يضمن الاستقرار في الشرق الأوسط
أياً كانت الأسباب التي جعلت الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، يسهمان في إنشاء ودعم وتطوير الكيان الإيراني بعد الحرب العالمية الأولى، فإنها لم تعد مسوغة في الوقت الحالي، بل ينبغي أن يحدث نقيضها. إذ لم تعد أمريكا بحاجة لدولة الحائط أو الصد من أجل كبح جماح روسيا ومنعها من التوغل في مياه الخليج العربي، فروسيا أصبحت دولة منهكة، غارقة في مستنقع أوكرانيا، ولم تستطع حتى الآن حسم الصراع هناك بعد مرور أربع سنوات.
وإذا كان الهدف من بقاء إيران كياناً موحداً وقوياً ، لغرض التصدي للمد القومي العربي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وأن يكون صديقاً لدولة إسرائيل الفتية آنذاك والمحاطة بالدول العربية المعادية لها، فإن تهديد المد القومي العربي قد انتهى عملياً منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأما الصراع العربي-الإسرائيلي فقد انحسر، بعد اعتراف دول عربية مهمة بإسرائيل وبناء علاقات رسمية معها، بالإضافة إلى دول أخرى تتفاوض مع إسرائيل لبناء علاقات رسمية ضمن شروط معينة. بل على العكس أن إيران صارت هي من تمثل التهديد الأكبر والأخطر لأمن واستقرار إسرائيل، إن كان فعلاً هدف أمريكا الأساسي هو ضمان أمن إسرائيل وحمايتها.
إلا أنه يُلاحظ ثمة رغبة كبيرة لدى صانع القرار الأمريكي والمؤسسات البحثية، والإعلامية بأن التغيير المطلوب في إيران، يُفضل أن ينحصر في خيارين، وهما إجبار النظام على تغيير سلوكه أو إسقاطه في أقصى الحالات. ومرد هذا التوجه –باعتقادي- يعود إلى الإرث التاريخي لأمريكا في إيران، حيث أسهمت في تحديث وتطوير الكيان الإيراني لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية. وتحولت العلاقة بين الدولتين إلى مايشبه علاقة الأم مع طفلها بالتبني، إذ إن علاقتها العاطفية والنفسية به لا تأذن لها بالتخلي عنه والإضرار به وإن كان عاقاً وسيئاً.
وأما الحديث عن تخوف من خطر انتشار الفوضى في المنطقة في حال تفكيك إيران ، وبروز أزمة كارثية تهدد تدفق النفط وسلاسل التوريد ، وحدوث أزمة لاجئين وهجرة قد تهدد الدول الأوروبية، ليست واقعية إن اقتنع صانع القرار في البيت الأبيض بأن تفكيك إيران يخدم مصالح أمريكا الاستراتيجية. والدليل على ذلك عدم اكتراث أمريكا لهذه المخاطر المزعومة في حالتي العراق وليبيا، حينما تدخلت بدعم حلف النيتو وأسقطت الأنظمة في هاتين الدولتين. حتى أنها لم تكن تملك بدائل حقيقية –معارضة-لاستلام السلطة في البلدين، بل أكثر من ذلك عمدت إلى تفكيك بنية الدولة في الحالة العراقية مع علمها المسبق بأن ذلك سيدخل البلد في فوضى عارمة. إذن تفكيك الكيان الإيراني ليس جريمة إذا أخذنا بعين الاعتبار طموحات الشعوب التواقة إلى الحرية والاستقلال في هذه الجغرافيا.
السيناريو اليوغسلافي أو البنمي، كلاهما يلائمان الحالة الإيرانية
بما أن الحديث في هذا المقال عن التدخل الأمريكي وضرورة وضع خيار تفكيك إيران ضمن السيناريوهات المطروحة للتعامل مع الأزمة الإيرانية، لابد من الإشارة إلى تجارب سابقة نجحت الولايات المتحدة في تفكيك بعض الدول، والإسهام في إنشاء أنظمة حليفة لها في الدول التي ولدت من رحم هذه التدخلات.
إذ في الحالة اليوغسلافية هناك تشابه كبير بينها وبين إيران، حيث شعوب وأعراق متنوعة ولغات وثقافات وأديان ومذاهب مختلفة، كل هذه التناقضات والتباينات تسببت في تفكك يوغسلافيا إلى دول عدة حينما واجهت اختباراً صعباً تمثل في الحرب الأهلية، قاد إلى تدخل الولايات المتحدة بالتعاون مع حلف النيتو. مع وجود التشابه الكبير بين يوغسلافيا وإيران، بيد أن ثمة تحد لا يمكن غض الطرف عنه، يتمثل في تحفظ باكستان وتركيا الحلفتين لواشنطن على أي تغيير قد يطرأ على جغرافيا إقليمي بلوشستان وكوردستان في إيران. وقد أشرت في مقال سابق إلى أن تركيا تجد في القضية الكوردية التهديد الرئيس والخطر الدائم، لأمنها القومي، وهي على تطابق تام مع إيران في هذا الملف. وعلى الصعيد نفسه تخوض باكستان معركة ضارية ومستمرة منذ عقود ضد التنظيمات البلوشية التي تطالب باستقلال إقليم بلوشستان الواقع جنوب غربي باكستان. إلا أن الولايات المتحدة قادرة على طمأنة الحليفتين لها بأن هذه التغييرات لن تؤثر على أوضاع القوميتين البلوشية والكوردية في هذين البلدين، مثلما استطاعت أمريكا فعل ذلك في ملف الأكراد في العراق وسوريا. وأكثر من ذلك تستطيع واشنطن ، إشراك أنقرة وإسلام آباد في عمليات تطوير وبناء هذين الإقليمين-كوردستان وبلوشستان- وأن يكون لهما حضوراً سياسياً أو اقتصادياً من شأنه أن ينهي مخاوف البلدين من مخاطر ما بعد تحول الإقليمين إلى دولتين حديثتين.
وأما السيناريو البنمي بما أنه حدث نتيجة رغبة الولايات المتحدة بتأمين سيطرتها الكاملة على بناء وتشغيل قناة بنما الاستراتيجية في اوائل القرن المنصرم، وذلك بعد أن رفضت كولومبيا الشروط الأمريكية الخاصة بالمشروع، يمكن تطبيقه على الحالة الإيرانية وفي إقليم الأحواز تحديداً، حيث يحوي الإقليم ثالث أكبر احتياطي نفط وثاني أكبر احتياطي غاز مسال في العالم. علاوة على ذلك تطلّ الأحواز على الساحل الشمالي للخليج العربي حتى مضيق هرمز ، ما يعني أن السيطرة على الأحواز والاعتراف باستقلالها، يعزز النفوذ الأمريكي في الخليج العربي، هذا الممر المائي الاستراتيجي، ويؤمن إمدادات الطاقة في المنطقة إلى الأبد. وما يميز الحالة الأحوازية أن دول المطلّة على الخليج العربي بما فيها العراق ، لن تعترض على استقلال الأحواز، بل ترى فيه سداً منيعاً أمام أي تحدي إيراني في المستقبل.
إيران ما بعد النظام الحالي.. هل يكفي سقوط السلطة لإنهاء الهيمنة الفارسية؟
الشعوب لن تكون كبش فداء لطموحات الأقلية الفارسية
على مدار عشرة عقود –منذ تأسيس إيران الحديثة-قاست الشعوب شتى صنوف العذابات، والاضطهاد، والحرمان، والتهميش، والتمييز العرقي والمذهبي واللغوي، من الأنظمة الإيرانية المتعاقبة. والمثير في الأمر أن حتى الحركات والأحزاب الفارسية المعارضة للسلطة تمارس النهج ذاته في قضايا الشعوب، ما يفسر وجود أفكار نمطية مسبقة حيال هذا الأمر بين الأقلية الفارسية بأطيافها وطبقاتها المختلفة. ولذا يمكن الجزم بأن الثقة بين الشعوب والأقلية الفارسية معدومة، حينما يتعلق الأمر بالتحول السياسي في السلطة ومستقبل الحكم. وما يعزز هذه النظرة الشعارات والبرامج السياسية التي تطرحها المعارضة الإيرانية بتياراتها المختلفة ولا سيما التيار الملكي، إذ ليس هناك أي حديث عن التعددية وبناء نظام ديمقراطي يحترم إرادة الشعوب في تقرير مصيرها أو إقامة نظام فدرالي لامركزي، يقدم صلاحيات واسعة للأقاليم .
جل حديث المعارضة يتركز على إعادة المجد الفارسي الغابر وإحياء تراثه المحمل بالدماء وقهر الشعوب، لذلك لم تعد الشعوب مستعدة إلى تقديم تضحيات جسيمة، وتحمل كلفة باهظة، تنتهي باستيلاء الأقلية الفارسية مرة أخرى على سدة الحكم والاستيلاء على مقدرات الشعوب من أجل رفاهية المركز –الفارسي-و أن يكون الحرمان، والتهميش، والاضطهاد من نصيبها.
الخاتمة
إن اقتنع صانع القرار الأمريكي بإمكانية تفكيك إيران، فلن تكون هذه ظاهرة مستحدثة على الصعيد الدولي في تاريخنا المعاصر، بل ثمة حالات كثيرة مماثلة حدثت في معظم أنحاء العالم، ونشأت دول كثيرة بعد تفكك دول كبيرة. وإذا استبعدنا النظرية القائلة بإن حالة عدم الاستقرار والفوضى في منطقة الشرق الأوسط تخدم أحياناً مصالح أمريكا الاقتصادية على اعتبار أن الشركات المصعنة للسلاح والطاقة قد تجني أرباحاً طائلة في هذا الإطار. بيد أن المكاسب الاستراتيجية والأرباح المالية ستكون مضاعفة في حال قادت أمريكا عملية إرساء الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ، حيث ستكون فيه دول المنطقة حليفة لها وتبني شراكات اقتصادية وثيقة معها.
إن إنصاف الشعوب في جغرافية إيران سيسهم كثيراً في إرساء الاستقرار في المنطقة، ويطوي صفحات مملوءة بالقهر والحرمان والاضطهاد، ويخطو نحو مستقبل مزدهر وواعد، مما يحقق الأمن والسلم الدوليين.
محمّد حطّاب، كاتب وباحث أحوازي في معهد الحوار للابحاث والدراسات
