مقالاتبين الاحتلال والاستعمار: آليات استدامة السيطرة الإيرانية على الأحواز

بين الاحتلال والاستعمار: آليات استدامة السيطرة الإيرانية على الأحواز

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

المقدمة 

ماذا يعني الاحتلال وكيف يمكن له ممارسة الاستعمار ؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يؤطر هذه الدراسة حيث تحاول الإجابة عنه. وعندَّ تناول مفهوم الاحتلال قانونيا وسياسيا، يتبيَّن أنَّ الأحواز أرض محتلة؛ وذلك حكم تسعفه ملابسات تاريخية وثقافية واجتماعية. إنَّ أدنى نظرة تستقرئ التطور التاريخي للوطن تصادق على أنَّ الكيفية التي سيطر فيها الفرس على الأحواز لا يمكن وصفها إلا بأنها حالةُ احتلال. إلى جانب ذلك يثبت تتبع الاحتلال الفارسي الإيراني للأحواز أنَّه لم يكتفِ بالسيطرة فقط، بل أخذ يدعي أنها أرضه، وبات يعبث فيها وَفق مصالحه، الأمر الذي برَّر القول بممارسة الاحتلال سياسات استعمارية، تماما كما حصل للجزائر إبانَّ الاحتلال الفرنسي ثم ممارستها الاستعمار ضدا عليها.   

في معنى الاحتلال

المادة 42 من لوائح محكمة لاهاي الدولية لعام 1907 تقول: «يُعدُّ الإقليم محتلا عند ما يوضع بالفعل تحت سلطة الجيش المعادي. ولا يمتد الاحتلال إلا إلى الإقليم الذي تكون فيه تلك السلطة قد أنشئت ويكون في مقدورها ممارسة سلطتها فيه». أمَّا اللجنة الدولية للصليب الأحمر في صفحتها المخصصة للاحتلال فتقول: «يوجد احتلال عند ما تُمَارس دولة سيطرة فعلية غير قائمة على الرضا على إقليم لا تملك عليه سندا من السِّيادة».

وبناء على المادتين القانونيتين تثبت مصاديق تاريخية كثيرة ودامغة، أنَّ الكيفية التي هيمن فيها الفرس على الأحواز هي احتلال. فكما معروف لدى الشعب الأحوازي لمْ يكن اجتياح رضا خان بهلوي لأرض الوطن مجرَّدَ قضاء عسكري على حكم شبه مستقل، وضمِّ أراض إلى دولته الحديثة، بل كان إحلالَ حكم أجنبي محلَّ حكم عربي. وإثر ذلك ثار الشعب ضد الحكم الأجنبي الجديد والغريب، واندلعت ثورة الغلمان، أولى الثورات، مناهضة له وإعلانا لرفض السلطة الفارسية وبداية مرحلة من المقاومة والتصدي استمرَّت منذ تلك الثورة إلى اليوم. ويمكن عقد مقارنة بين احتلال الشمال الإيراني من قبل الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، وبين احتلال الإيرانيون هؤلاء للأحواز، حيث على خلاف الفرس الذين لم يحركوا ساكنا لمناهضة المحتل الروسي، ظلَّ الشعب الأحوازي يقاوم منذ أول ليل مظلم للاحتلال رفضا وإباء عن قبول هيمنته. 

وعلى الرغم من سجل تاريخي لا يكاد يُحْصى من المقاومة بشتى أشكالها، العسكرية واللغوية والثقافية والسياسية إلخ، التوت أساليب الاحتلال في الحفاظ على هيمنته وسطوته، وتمكنَّ لغاية الآن من إمضاء حكمه، الأمر الذي جعل مفهوم الاحتلال ممزوجا بممارسات متشعبة ومكنونة، يمكن رصدها ضمن مفهوم عام هو الاستعمار ليكشف زواياها المبطنة. 

معنى الاستعمار وأنواعه

لم يكتفِّ منظِّرو الاستعمار (نظير ألبير ميمي وإدوارد سعيد وفرانتس فانون) بوضع تعريف واحد لمفهوم الاستعمار وبيان ظواهره، بل كادوا يجمعون على أنه بنية متكاملة من الرؤية الكونية، تجعل المستعمر كائنا يختلف كليَّا. ومن أجل ذلك بالتحديد فإنَّ أيَّ تعريف لهذه الظاهرة تقزيم لها، وأيَّ تتبع لمختلف وجوهها فَضْحٌ لخفاياها. إنَّ الاستعمار هو آليَّة في المعرفة، ومنظومة من السلوك، وعادات ثقافية واجتماعية، وسيكولوجيا لا شعورية، استمرارها يُنزلها محل الجبلَّة والفطرة. ولذلك تتحول بعد استمرارها إلى حالة تضم المستعمِر والمستعمَر معا، حتى تجعل طرفاها يتصرفان وفق ما تفرضه. 

وهذا الأمر يستوجب تتبع آلية الاستعمار الفارسي ومظاهره، لبيان أثره على الشعب الأحوازي العربي بعد قرن من الاحتلال. ولكن قبل ذلك يتم تحديد نوعين من الاستعمار كما شهده التاريخ طلبا للإيضاح والتسهيل. 

  • الاستعمار غیر المباشر: وهو استعمار انقضى أمده، شهدته مصر والهند، حيث أبرز صفاته عدم تواجد الشعب المستعمِر، وممارسة السلطة عبر جنود المحتل، والنخب المحلية الممتثلة للحكم الأجنبي. 
  • الاستعمار الاستيطاني الكولونيالي: الذي يعدُّ أخبث، شهدته أيرلندا، والجزائر وتشهدة الأحواز؛ ليست غايته استمرار الهيمنة فحسب، بل صهر المستعمَر المحتل تماما، وإعدامه من الوجود. هذا النوع من الاستعمار هو المراد عند إيضاح الحالة الأحوازية. لذلك تعدُّ الأحواز المثال الأبرز لممارسة الاستعمار الاستيطاني. إنَّ أساليب هذا النوع من الاستعمار إلى جانب التوائها فهي في تحديث مستمر، لها من الدينامية الذاتية التي تجعلها كل يوم في شأن، تتكيف مع الظروف وتختار الذي يناسبها؛ لأنَّها ليست مجرد سياسة، كما جاء سابقا، بل هي بنية متكاملة معرفيا وثقافيا وسيكولوجيا إلخ. وهذا بالتحديد يستوجب تتبع الآليات المعرفية والثقافية والسيكولوجية، بل والقيمية التي يفرضها المستعمر الكولونيالي على المحتل المستعمَر.

غير أنَّ هذه الآليات لا تضمن حياتها، ولا تتمِّم جوهرها، إلا إذا كان من ينهض بها على أرض الواقع، وينفِّذها عن كثب، ويراقب سلامة سيرها من قرب. وكلُّ ذلك يقوم به المستوطن. فجميع آليَّات الاستعمار الكلونيالي ما كانت لتكونَّ، ولما تسنَّى لها الترجمة على أرض الواقع، ولامتنعت عن الوجود، لو لم تُسبق بوجود مستوطنين، ولو لا وجود هجرة جماهيرية من المحتلين الفرس، خلقت أرضية ومجتمعا وحشودا أضحت قوام تلك الآليات، والضامن لعملها، والمحقق لفاعليَّتها.   

 المفهوم الشامل للنموذج الأحوازي: الاستعمار الهجين

أن الحالة الأحوازية لا تندرج ضمن النماذج أحادية البُعد للاحتلال العسكري التقليدي، بل تتبدى بوصفها “بنية استعمارية هجينة” (Hybrid Colonial Structure)؛ تداخلت فيها على مدار قرن كامل تكتيكات الاستعمار الاستيطاني القائمة على الإحلال والتغيير الديمغرافي، مع ممارسات الاستعمار الاستغلالي المنصّبة على تجريد الأرض من ثرواتها. وتتكامل هذه البنية عبر منظومة أمنية ضابطة، واستعمار معرفي وهوياتي يستهدف اللغة والذاكرة والبنية النفسية للإنسان العربي، لضمان ديمومة الانقياد وتفكيك أدوات المقاومة.

فإذا كان الاحتلال في أصله القانوني ينحصر في السيطرة العسكرية المؤقتة على أرض معينة لأسباب أمنية أو حربية—كما تجسد في لحظة الاجتياح عام 1925—فإن تحوّله إلى مشروع استعماري دائم هو الذي أفرز هذه الآليات المتشعبة. وبذلك، فإن تفكيك هذه البنية لا تحقق إلا بكسر هيمنتها المعرفية والثقافية، واستعادة الفاعلية الذاتية للخطاب والمقاومة الأحوازية

آليات الاستعمار الكولونيالي الهجين في الأحواز

لا تكمن الخطورة في وقوع الاحتلال عسكريا، وفرْضِ السيطرة بالقوة، لأنَّ ذلك سيظلُّ محصورا في القهر المادي، يستمر باستمرار أدوات الحرب؛ بل الخطورة تتفاقم عندَّ عدول المحتل من الهيمنة العسكرية نحو الهيمنة الاستعمارية، تلك الهيمنة التي لا تظهر على شكل الغلبة والقسر بل تجري مجرى طبيعيا وتسري بشكل يميل إلى الأمور الاعتيادية اليومية. لمَ لا وقِوامُ هذه السياسة مستوطنون يجاورون العرب، يسكنون في أحيائهم ويعملون معهم (يديرون ويأمرون ويقودون) ويعلِّمونهم في المدارس، ويحددون المتاح والممنوع إلخ.  

إنَّ التاريخ الأحوازي هو تاريخ صراع ممتدٍّ ضدَّ المستوطن بالدرجة الأولى لا يكاد ينقضي: هو تاريخ متقطع غير متصل إذا نُظر له من خلال الثورات المتقطعة التي أشعلها ضدَّ الدولة وأجهزة الحكم الفارسية، لكنَّه تاريخ ممتد متصل إذا رُصد من خلال الآليات المستمرة التي لا تكاد تتوقف من الاستعمار ينفِّذها المستوطن نيابة عن الحكم الفارسي القائم الذي هو حكمه: بدء من محاولات التفريس، مرورا بفرض إبستيمولوجيا فارسية الأغراض، وتتويجا بمصادرة الوجود العربي لحساب الوجود الفارسي المستعمر الكولونيالي.

ومن أجل ذلك يعيش المجتمع في دورة مفرغة من الهيمنة والمقاومة ضديدها؛ كلَّما أراد المحتل الكولونيالي المستوطن بأساليبه الملتوية المدعومة بدولته، القضاء على سمة من سمات الهوية الأحوازية، العربية بالضرورة، انتفض ضده رافضا ذلك، بشكل حدوسي تارة، وبشكل واع وعيا ذاتيا تارة أخرى. 

لَمْ يكن هذا التاريخ الممتد من الصراع والمقاومة واعيَّا في جميع صحائفة، بل فيه ما صدر صدور الحدوس والعفوية؛ لأنَّ الاستعمار مهما غَلَّفَ سياساته ستظل منافية للحياة العربية مناقضة لها؛ ولأنَّ الأحوازي ظلَّ بوعي منه أو من دون وعي يشعر بفرق بينه وبين الفارسي لا يكفي انتماءهما للدولة الإيرانية لخلق واحد مشترك منهما. 

هذا ويمكن تحديد أهمَّ آليات الاحتلال الفارسي في ممارسته الاستعمارية ضد الشعب في الآليات التالية:    

  • الصاق أسماء قيمة

أثبت التاريخ الأحوازي أنَّ المقاومة والهيمنة متلازمتان تلازم صورة الشيء لمادته. فما إنْ بدء الاحتلال يفرض سيطرته حتى انتفضت شرائح واسعة ضديده. ولكنَّ ذلك الالتواء في الاحتلال ظهر مباشرة بعد إيفاد مئات الآلاف من المستوطنين الفرس المجاورين، من اللر والبختياريين والدسبالة والشوشتريين (تعلو أصوات نشاز تعدهم من الأحوازيين، وتدعو للتحالف معهم، متناسية تاريخا طويلا من إجرامهم ضد الشعب الأحوازي) ليأخذوا على عاتقهم تنفيذ السياسات الاستعمارية بأنفسهم.

 فعل المقاومة يسمى عند بعض الدول التي تحتل شعوبا أخرى بـ«الإرهاب»، وفي أيرلندا «الإجرام»، وفي الهند قديماً «قطاع الطرق»، حتى اكتسب في الأحواز اسما جديدا هو «تجزيه طلب». ويكفي أن يوصم الأحوازي بهذا الملصق حتى يفقد عمله في الدوائر الحكوميَّة، وينفصل عن الجامعة، ويذهب في غياهب السجن.. إلخ، إذا علمت الاستخبارات بذلك. ومن هنا تصنيف المقاومة الأحوازية والمقاوميين الأحوازيين على أنهم انفصاليون و«تجزيه طلب» يعدَّ جوازا قيميا للقضاء عليهم قضاء مبرما، لأنهم كافرون بقدسية إيران. هذه القدسية التي بثتها الدولة عبر المستوطنين. كل مقاومة تجعل رد فعل المستعمر قيميا، سعيا منه لضربها في نبلها وسموِّها، ومنعا قيميا لإقبال الناس عليها.   

وقد توخَّى هذا التصنيف التمكُّنَ من نفوس شرائح واسعة، وأخذت تَنْظر فئات كثيرة إلى النضال بوصفه «تجزيه طلبي»، لا بوصفه كسرا للقيود ورفضا للعبودية وإقبالا على الحرية. هذه الأحكام القيمية ما كانت للتتوطد في النفوس لو لا أنْ أردفها الاحتلال الكلونيالي بتبعات اجتماعية، ساوَقَ فيها بين الإقبال على النضال، «تجزيه طلبي»، وعقوبات أقلّها المطاردة والسجن والفقر والتهميش؛ هذا إنْ نجا المناضل من الإعدام والسجن المؤبد. ولذلك ظهر المناضل كأنه شخص منتزع القيم لأنه سلك النضال رغم علمه بتبعاته، كأنه «أودى بنفسه إلى التهلكة» وهي جملة مقيتة لطالما سمعها المناضل الأحوازي من أهله وذوي قراباته.    

  • التماهي مع قيم المستعمر

 ومن هنا بالتحديد ينبع ذلك التماهي المشهود مع قيم المستعمر، ليس من حيث تقبيح النضال فقط، كما تمت الإشارة أعلاه، بل إنَّ القيَمَ لا تُعدُّ قيما إلا بعد مصادقَةِ المحتلِّ عليها. ولأنَّ المستعمر المستوطن اللري (الدسبولي والشوشتري والبختياري معا) الذي تسيَّد على الأحوازيين أصبح هو مانح القيم، فلا غرابة في أنْ يتحول الإجرام القيمي الممارس ضد العرب في موطنهم إلى مصلحة قومية للدولة؛ ليس في نظر أصحاب الدولة المستوطنين اللر، فذلك أمر مبرر أداتيا، بل في رأي العرب الأحوازيين هؤلاء أنفسهم، ممن وضَعَتْهم دولة الاحتلال أمام هذا التماهي القيمي بوصفها مصدر القيم والحُسن والقُبح (بعبارة المعتزلة!).  

هذا المسخ القيمي الذي مَنحَ الفرس موضع المُقَيِّم عبَّد الطريق أمام كل الجرائم، وقلب الحُسْن والقُبْح رأسا. فإذا كان مَنْعُ اللغة الأم عن الأحوازيين في حقيقته جريمة وعقوبة ومسعىً شاهرا لقتل العربية، على سبيل المثال، يتحول ذلك على يد واضع القيم الفارسي إلى مصلحة عليا تمثل مصلحة الدولة.

لا يغتذي استمرار هذه القيم بالقهر المباشر أبدا، كلا، بل هي قيم تجري بخفاء عند ما يتحول السلوك وفق محذورتها ومباحاتها إلى فرصة للصعود في الهرم الاجتماعي، أو الوظيفي، بعيدا عن الاستحقاق أو الجدارة الفردية. فكلَّما أظهر الأحوازي المستعَمر مقدرة على التخلي عن مظاهره الثقافية ولغته الأم العربية، وتوغَّلَ في اتقان الأدوار المتماهية مع سياسات المستوطنين الكلونياليين، مُنح رخاء نسبيا في الحياة، وتخففت وطأة الضغط عليه من العين المراقبة: عين المستوطنين أدوات الاحتلال الكلونيالي وسدنته

  • بث سيكولوجيا الإنسان المقهور الانهزامي

 هكذا تنهزم النفسية العربية الأحوازية بمجرد نزوعها نحو تقليد المهيمن، وتتهندس الهيمنة النفسية. يقول فرانتس فانون إنَّ الهيمنة النفسية لا تعتمد فقط على أدوات القمع الصلبة، كالجيش والأمن والأجهزة الشرطية، بل تعوِّل على إعادة هيكلة البنية النفسية، واقناعها بدونية ذاتها، وعجزها عن إدارة شؤونها أو إنتاج المعرفة، وذلك أنَّه لو كان الأحوازي الذي تمارس السيطرة عليه يثق بقوته لمَا تسنَّى للمحتل بسط هيمنته عليه.

ولا يقتصر أثر الهندسة النفسية في الإنسان المقهور، في الأحواز، على التقليل من إنسانيته مقارنة بالفارسي، بل يفرض هو والمجتمع معا رقابة ذاتية تجعل الخوف والوجل توأم كل إقدام ومُرافق كل عمل. وبناء على هذا المنطق المنهزم يبدو الخلاص ضربا من الخيال، ومجابهة المحتل مَقْبحة تودي إلى التهلكة، والتفكير برفض ممارسات المحتل تفكير في المستحيل، وخروجا عن طبيعة الحياة ورتباتها. 

لا تنحسر هذه العقلية في أكثرية الشعب ولا تشمل عوام الناس فقط، بل عمَّت المناضلين أنفسهم: تظهر أبرز تأثيراتها في تغلَّباتهم تلك بين الدعوة إلى التحرير والرضا بأنصاف الحلول من فدرالية وحكم مركزي. وذلك إنَّما ينبع من العقلية الانهزامية هذه، حيث تضغط نفسيا على المناضل حتى تجعله يسلِّم أمام المنطق القائل بأنَّ: الأحوازي لن يهزم الفرس، ولذلك فليؤخذ، والحال كذلك، أهون الشر، ولتكن الحلول المنقوصة التي لا تثير مخالفة الفرس المطلقة؛ بينما البراء من العقلية الانهزامية كان سيظهر بوضوح على شكل ثبات على حق الأحواز في التحرير، وإيمان بأن الفرس ذاهبون هم واحتلالهم إلى الزوال على يد المناضلين الأحوازيين قريبا.     

  • محو الذاكرة الجماعيَّة وأمكنة الذاكرة

وهي أعتى آليات الاحتلال، وأكثرها تأثيرا على الأمد البعيد، حيث تشبه إصابة الزهايمر، تجعل من الشعب روحا عائمة بلا جسد. فكما يقول بيير نورا للأماكن وحي، ومواضع للتذكير بالمآثر والأمجاد. لذلك عمد المستعمر المحتل، وبدعم وتقارير المستوطنين أنفسهم الذين خبروا الشعب الأحوازي وعرفوا تاريخه وأمجاده، على هدم كل ما تبق من آثار هي مواضع ذاكرة، وصادر بعضها لصالحه وفرَّسها. ثمَّ شوَّه صورة الأبطال القوميين، وعلى رأسهم الأمير خزعل، ليبث الصورة الدونية في نفوس العرب، ويحقن فيهم الاستصغار عبر ازدراء أكابرهم وصدورهم. 

لا يعني هَدْمُ أماكن الذاكرة طيَّ صحيفة الماضي فقط، بل غايةُ ذلك عزلُ العرب عن محيطهم الثقافي والتاريخي، وشطبُ العناصر العربية منه، بدء من تغيير أسماء المدن وصولا إلى تسفيه الرجالات التاريخية، ومصادرتهم لصالح الفرس، ومرورا بنكران كل ما هو عربي في أرض العروبة: الأحواز. لا يمكن تأويل الإصرار المستميت في هدم المواضع التاريخية، نظير قصر الفيلية، بأنه محاولة عمرانية من البلدية، بل هو إصرار لا بدَّ أن يوحي إلى الدوافع الثاوية خلفه، التي هي عبارة عن استهداف كل رمز عربي قد يعيد إلى الأذهان معالم العروبة، وتاريخها ومآثرها.

كما لا يمكن تبرير سياسة الهدم الممنهج للمعالم العربية في كل ربوع الوطن، بأنها منبعثة عن حقد دفين، لأنها سياسة أكثر دهاء من ذلك، وأبعد غايات: هي ضَرْبٌ في الصميم لوحي المكان، لوحي المآثر ورمزيتها، ودرءٌ لكل انبعاث للأمة من منطلق استعادة ماضيها من أطلال تاريخها التليد.     

  • اختراق المجتمع المستعمر

وهو مجتمع مباح. وقد أتقن المستوطن بل وتفنن في آلية الاختراق هذه، حتى يمكن القول إنَّ أجهزة الدولة الإيرانية المحتلة الجوهر الكلونيالية الممارسة ليست قائمة على علم ولا مضبوطة  بتقانة متقدمة، بقدر قيامها وضبطها على أساس الاختراق وتفعيل آليته: فجهاز الاستخبارات قائم على الوشاية التي تخترق النفوس الضعيفة، والسيطرة البيروغراطية فاعلة بحشود مستعدة اجتراح الكبائر لحفظ راتب بخس، والجهاز التعليمي مرتكز على قناعة العربي بعدم التعليم باللغة الأم لأنها تضر دولة المستعمِر، والاستهتار في المحاكم بحياة الشعب متمأسس على خشية العُرب من الاحتجاج القانوني السلمي وهكذا دواليك. وكلها ما كان لها أن تكون لو لا إتمام الاختراق على سوقه.    

وبعد أن ألمَّ المستعمر المحتل بالمجتمع وخبرَ شؤونه فإنه أمسك بمواضعه الرخوة، فأخذ يوظف فئات تقليدية عائدة لعصور الظلام، نظير شيوخ العشائر والسادة، ليتمم عملية اختراقه بهم. وقد نجحت هذه الخطة في تقزيم الطبقة الوسطى الناشئة في الأحواز، ومانع تحول المجتمع من مجموعات عشائرية إلى أمة أحوازية، عربية المنطلق والغاية. كما ساعدت في ذلك جملة من النخب الحديثة، سواء المصابين بحالة الاغتراب أو المصلحيين، فأخذوا يعملون على اخصاء الشعب، وإماتة روحه الثورية، عبر نكران التمييز الممنهج البنيوي، أو عبر القاء اللوم على تخلف الشعب، وعدم بلوغه، وفقدانه للنضج المؤهل للتقدم. 

بوتقات الاستعمار 

هذه الآليَّات المشار إليها أعلاه لا تعمل في فراغ لحالها، بل هيَّ تزداد تأثيرا وقوَّة عند وضعها في مظان تُزيد كفاءتها. ونظرا للحالة الأحوازية فإنَّ أخطر هذه المظان اثنان نظرا لشمولهما التنشئة الاجتماعية، وأكثر عدد من الشرائح النخبوية المنتمية للطبقة الوسطى، وهما المدارس والفئة المتعلمة. 

  • النظام التعليمي الفارسي

لا شكَّ أنَّ للنظام التعليمي شأن في بناء الأمم ورسوخ الدول، ينعكس أي خلل فيه بتبعات جسام على الأمَّة. وهذا بالتحديد هو الخلل الأكبر الذي أصيب به الشعب جراء نظام تعليمه الفارسي. فأوَّل ما يفعله هذا النظام هو التخلِّي عن اللغة الأم، ليس على مستوى نقل المواد فقط وما ينتج عن ذلك من تشوهات تربوية فنيَّة، بل على مستوى ذلك الشعور الكامن الملقى على العربي بأن لغته هذه ليست جزءا من حياته اليومية، وهي لا تسعفه في تمشية احتياجاته، وخير علامة على ذلك عدم حاجته لها في التدريس. هذه في واقع الحال دعوة لإطراح العربية، والسبب المتكرر الذي أدى بالوالديْن إلى الحديث مع أبنائهم الصغار بالفارسية، تحت مبرر أنها لغة الدراسة. وتلك معادلة خفيَّة حوَّلت اللغة الأم إلى عائق أمام حياة الطفل، تؤخره عن الالتحاق بضمان مستقبل مِهْني له. 

ومن هنا خطورة الممارسة الاستعمارية، لأنها تلتوي في ممارستها اليومية حتى تصيب هدفها. هي لا تأتي مباشرة فتحدد الهدف، بل هي تضع طرقا متشعبة وملتوية لتنال غايتها. فهنا الغاية هي إماتة العربية، وبث قناعة بين الناطقين بها تفيد بأنها لغة غير مفيدة ومعوقة، لكن دون التصريح بذلك عبر منعها بالقوة أو بالقسر، بل إمضاء نظام تعليمي حديدي لا يسمح إلا بالفارسية، مما يجعل الناطق بغير الفارسية يقتنع هو بذاته بأن إحكام لغته معوقا يقف أمام إحكام لغة التعليم التي هي لغة العلم والمستقبل. 

وأكثر من ذلك هو مزج اللغة بالتنشئة الاجتماعية وَفق ما تتيحه لغة المهيمن الكولونيالي. فهنا تظهر ظاهرة التجريد الثقافي القاضية بنزع العرب عن ثقافتهم العربية، وعاداتهم الاجتماعية، وتمظهرهم الثقافي، ثم احلال البديل الفارسي لها، والتلبس بقيم هي من صنع الفارسي المستوطن. فالفارسية هنا ليست مجرد أداة تعليم، بل جواز عبور للشرعية الإنسانية والعقلانية. فكلَّما كان العربي أكثر تشبها بالقيم الفارسية، والعادات الأعجمية، والهندام الرسمي كان أقرب للقبول والشرعية وأكثر عقلانية من نظائره العرب المتحررين عن هذا التشبه بالعجم. 

لا يظهر قبول المتشبهين بالفرس في بيانات رسمية، أو مراسيم حكومية، بل ذلك القبول يثبت في الحياة اليومية، عبر سلوك المستوطنين: أدوات الممارسة الاستعمارية، في المدارس والدوائر والشوراع العامة. فإذا ما وجد المستوطن اللري عربيا لا يرتدي الزيَّ العربي، خاليا  عن اللهجة، يتصرف وفق قيمهم في التعامل إلخ، أقبل عليه وحدَّثه وبادله أطراف الحديث؛ ولكن ما إنْ يرى عربيا على غير تلك الصورة النمطية التي تشبهه، ابتعد عنه، ولم ينظر إليه وقبَّحهُ وأسقطه عن حيز الإنسانية. ومثال ذلك الذي يقرب الصورة ويكون ملموسا للمتلقي العربي: هو التذكير بطريقة تعامل الفرس مع المقبل من حي الثورة، أو الملاشية، بزيه ولهجته وعروبته الأكيدة، وتعاملهم مع العربي الساكن في كيانبارس الملتبس والمقلد للسلوك الفارسي. 

إنها بوتقة غير محسوسة قوامها المستوطنون، هؤلاء الذين تقدَّست مكانتهم إلى حد جعلت أصوات الكثير من الأحوازيين، من المناضلين أنفسهم، تدعو إلى ضمان حقوقهم في الدولة الأحوازية المستقبيلة، أو الخشية على حقوقهم عند كل تحول لصالح العرب، أهل الأرض في الأحواز! أليس مثل هذه الأصوات والدعوات رسوبات ذلك العقل الانهزامي المصاب بلوثة الممارسة الكولونيالية؟    

  • النظام البيروقراطي وسوق العمل 

بعد حقن الطفل العربي الأحوازي في النظام التعليمي، يبدأ النظام البيروقراطي وسوق العمل معا، بترجمة ما كان نظريا إلى واقع عملي. ويجب العلم بأنَّ النظام البيروقراطي هو حكرا على الفرس ليس للعرب حصة منه، لكنَّ أهميته تكمن في أنه محل رجوع العرب في الدوائر الخدمية والنظام البنكي، وغيرها، مما يجعل النظرة الدونية التي حُقنت في المدارس، تترجم عبر المستوطنين العاملين في النظام البيروقراطي هذا. 

ولقد كان النظام الديواني قبل تأسيس الدولة الإيرانية الحديثة على يد رضا خان، إحدى ركائز سيطرة الدولة القاجارية على المجتمع، وتوطَّد ذلك بعد نشؤ الدولة الإيرانية الحديثة على أنقاض الحكم العربي الأحوازي، فظلَّ النظام البيروقراطي على وظيفته قنطرة للسيطرة والهمينة. ويشمل هذا النظام ما يقارب ثلاث ملايين موظف، إذا وزِّعوا على أسر متكونة من أربعة أفراد، بلغ قوام الجمعية المتصلة مباشرة بالنظام البيروقراطي 12 مليون فرد. إلى جانب 3 ملايين موظف عسكري، بعد احتساب أفراد عوائلهم يتحصل عدد 24 مليون نسمة. وكل تلك الملائين عناصر منصهرة في بنية الحكم الاستعماري الإيراني، ومحقونة بعنصرية تجاه الأحوازيين، لا يمكن لها أن تترك مندوحة من الحياة العربية دون تقييمها أو إطلاق أحكام قيمة تريد قولبتها وفق الصور المطلوبة لها. 

أما سوق العمل في الأحواز الذي تمكن من التنصل من السطوة المعمولة في النظام البيروقراطي اصطدم باستحواذ المستوطنين عليه: فأسواق الأحواز العاصمة (نادري، كيانبارس، كلستان، زيتون، خشايار) وسوق الأميري في عبادان، وسوق السوس إلخ، تحت سيطرة المستوطنين بنسب تراوح 90 بالمئة على وجه التقريب. وهؤلاء المستوطنون يجتنبون التعامل مع العربي، ويضعون التاجر العربي في وضع أنزل بمراتب من التجار الفرس، في شبكة من التناصر تحرص عليها الدولة، في الاقتصاد الاستعماري الذي ترعاه، وتمده لصالح المستوطنين. 

   الختام

كيف السبيل إلى التخلص من طوق الاستعمار الكولونيالي الفارسي؟ إن أولى الخطوات الواجبة في سبيل التخلص من تركة قرن من الاحتلال الاستعماري الاستيطاني هو كسر القيد المعرفي للمستعمر وإنتاج معرفة أحوازية الأغراض، لا تنحصر في الرؤية التي تقدمها المعرفة الاستعمارية الفارسية وتفرضها. وذلك عبر خوض عملية عكسية تمنح للذات الأحوازية فاعليَّتها، تبدأ من المقاومة اللغوية، والإصرار على العروبة. إن محل العربية من كل ذلك هو محل القلب، ومن دون العربية والحفاظ عليها، وممارستها، والتفكير بها، لا يكتب لأية مجابهة مع الاحتلال الفارسي الظفر. 

وعبر هذه اللغة يتم إنتاج خطاب مقاومة وسردية عربية أحوازية تفكك الخطاب المهيمن للفرس وتفضحه. وبعد تبلور هذا الخطاب وتمفصله، حينها لا بأس من نشره وبثه بالفارسية نفسها، بل وعبر اللغة العالمية الانكليزية. (وهذا ما يضطلع به معهد الحوار منذ سنوات). إن البداية هي التعرف على طبيعة الفارسي المحتل، ثم تحديد مكامن قوته وضعفه، لتسديد الضربة القاضية لرؤيته التي حبست الشعب الأحوازي في نطاقها، وجعلته يرى ما يريد المحتل له أنْ يراه.  

 

 

 

رحيم حميد، كاتب وباحث في معهد الحوار للابحاث والدراسات

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here