مقالاتكيف ستتسبب سياسات الاحتلال الإيراني بمجاعة في الأحواز مستقبلا!؟

كيف ستتسبب سياسات الاحتلال الإيراني بمجاعة في الأحواز مستقبلا!؟

يونس سليمان الكعبي، كاتب وناشط سياسي أحوازي

التاريخ:

إشترك الآن

اشترك معنا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد.

 منع الاحتلال الإيراني عن الشعب الأحوازي الزراعة عبر مصادرة المياه؛ وتشييد عشرات السدود؛ حيث حولَّ سهل الأحواز المعروف تاريخيا بكثرة الوديان والأنهر وخصبة الأرض إلى صحاري تتطاير فيها الكثبان وتنعدم فيها الزراعة على مقربة من السدود التي تراكم المياه المنهوبة. فمنذ أولى أيام الاحتلال الإيراني عمدت الدولة إلى ضرب الحياة بالتحكم بالمياه، وتغيير مسار الأرض، مما خلق جفافا متفاقما، دونما اهتمام بمصير ملايين العرب، وقد مُنعت المياه عنهم وانعدمت إمكانية الحياة على الفلاحة بوصفها مصدر الرزق الوحيد.

وقد كان المجتمع الأحوازي تاريخيا مجتمعا فلاحيا تعيش جل فئاته على الزراعة وتربية المواشي. وتتقوم العلاقات الأسرية والروابط الاقتصادية فيه على أساس نمط الانتاج الزراعي وما تتقوم على حاشيته من ترابط وتعاقد مجتمعي. ولذلك لا يعد هذا النمط من الانتاج مجرد تحصل القوت اليومي، بل هو علاقات مترابطة، ووشائج متوارثة هي التي خلقت الشخصية الأحوازية وميزت الحضارة فيها عن باقي المناطق في العام. 

وهذا بالتحديد يجعل كل استهداف لنمط الانتاج الزراعي، عبر مصادرة المياه، استهداف لماضي الأحواز وحاضرها ومستقبلها. لقد تسرى إثر هذه السياسات الجفاف إلى كل شبر وموقع من أرض الوطن: شُح فظيع في مياه الأنهر (كارون، والدز، والشطيط، الكرخة والجراحي وفروعهما) التي تحولت إلى ساحات شبه فارغة ومتصحرة بعدما كانت تشطر فيها المياه وتصب في  الأهوار (الأغوار) وشط العرب والخليج العربي.  

ولكنَّ مصادرة المياه هذه لم تكتف بمنعها عن التدفق في مجراها الطبيعي، بل تعمَّد الاحتلال الإيراني تخزين أكبر قدر من المياه خلف السدود، ثم تَركها في بداية كل خريف، بحجة امتلاء الخزان وتوقع أمطار في الشتاء، ليُوهِمَ أنَّ ذلك اجراء وقائي، وليس سياسة متعمدة غاياتها تدمير مصدر الرزق الوحيد، وتفقير الناس من جهة، وتشجيعهم على الهجرة وترك الوطن، واختيار وطن بديل في المدن الفارسيَّة من جهة أخرى. لا يمكن النظر إلى سياسة بناء السدود وعمليات التحريف والتجفيف ونقل المياه التي فاقمت الحياة والمعيشة سوءا وذلا، بمنأى عن غاياتها الرامية إلى تهجير الشعب العربي الأحوازي تدريجيا من خلال التضييق عليه في رزقه ومعيشته، وفق خطط مدروسة وممنهجة، تتخذها الدولة المحتلة. 

لقد تزامنت سرقة المياه مع فيضانات مفتعلة حافَظَ الاحتلال على تنفيذها كل عام! وفي هذا العام تتكرر السياسة ذاتها بعد أنْ أخذت تعلو تحذيرات من أمطار غزيرة وتوقعات بوقوع فيضانات واضطرار السلطات لفتح السدود من المنابع والروافد الرئيسة، لتفريغ الخزان. لقد أحدثت هذه السيول تلفا كبيرا للأراضي والمحاصيل الزراعية والمواشي (الحلال) ثمَّ دمَّرت بشكل مخيف البيئة، بماء جارف اقتلع كل ما في طريقه من الحياة الطبيعية والبريَّة بشكل عام. 

وقد اعتاد المجتمع هذه التحذيرات في كل عام، بيد أنَّ الخطير في كل ذلك هو مجرى المياه الآتيَّة من خلف السدود وتسببها بأضرار جسيمة.  إنَّها ليست إلا أعمال ممنهجة وفيضانات مفتعلة ومقصودة تستهدف اقتصاد المواطن الأحوازي. مخطىء من يظن أنَّ الاحتلال سيكتفي بما ناله من سلب ونهب للأرض وما عليها وما في بواطنها، بل ما زال يمارس ما بدأه، يلاحق الأحوازي في كل شيء، ليقضي على ما تبقى لديه، ولو كان ذلك في قوت يومه وعرق جبينه وتعبه في أرضه التي عمّرها وأصلحها، وأحبها وأحبته. 

كيف سيعيش الإنسان الأحوازي على أرضه في الأيام القادمة ومياهه شحيحة سليبة؟ وزراعته منعدمة؟ وأرضه متصحرة؟ هل يمكن له أن يصمد؟ هل يمكن أن يحافظ على ما تبقى من أرزاقه ويوفر قوت يومه وطعام أولاده؟ ويواظب على صحته؟ بينما المياه ملوثة والبيئة مدمرة والفقر منتشر والبطالة متفشية؟ 

وعلى العموم قد تركت هذه السياسة مفعولا مدمرا مزدوجا في الأحواز، فهي من جهة منعت المياه عبر تخزينها في السدود فتسببت بجفاف التربة وانعدام إمكانيَّة الزراعة وما في ذلك من تبعات جسام؛ ومن جهة أخرى تسببت سياسة تفريغ خزان السدود بفيضانات مصطنعة أغرقت الأراضي الزراعيَّة وأماتت المحاصيل ودمَّرت ما على وجه الأرض كل عام!(1) وذلك رصد لبعض تبعات هذه السياسة المزدوجة الدمار:                                                 

أول ما يضر به التفريغ الوقائي للخزان هو الفلاح وأرضه ومحاصيله. هذا التفريغ خبيث النوايا بتوقيته، لأنَّه يتم قبيل الحصاد، فيغرق المزارع في مختلف قرى الأحواز ومدنها المترامية الأطراف، ليتسبب بخسائر فادحة وجسيمة عامة. لا يتضرر من هذه السياسة مباشرة غير الفلاح الذي تعدُّ الزراعة مصدره الوحيد للدخل. فعلى الرغم من توسع المدنيَّة، ما زالت شرائح واسعة من المجتمع تعيش على الزراعة، كما قيل، ومنها تتوفر الاحتياجات اليوميَّة لشرائح أخرى نظير الطلاب، طلاب الأسر الفلاحة، ومختلف الأبناء الذين قد يعيشون خارج القرية في المدارس والجامعات، ما يعني تعطيل حياة أجيال بتعطيل الزراعة وتدمير المحاصيل. 

‎إنَّ توقيت تفريغ خزان السدود، إلى جانب تكراره عند كل عام، يفضى إلى استنتاج قابل للإثبات مفاده أنه سياسة متعمدة تتقصد غايات معينة. وهذه السياسة تندرج ضمن سياق عام من العنصرية ضد الشعب، تفاقمت بالتحديد في العقدين الأخيرين، واشتدَّت في العقد الأخير، وأخذت من منابع المياه ذريعة لضرب ما تبقى من اقتصاد الأحوازيين. وقد تقصَّد الاحتلال الإيراني من هذه السياسة غايتين: أولهما سياسة تحريف المياه لتحويل مجرى الأنهر إلى المدن الفارسية، بغض النظر عما يحدثه ذلك من مشاكل وكوارث للشعب عامة والفلاحين خاصة، إذ انعدمت إثر ذلك إمكانية الزراعة، وأفقدت مصدر رزق فئات كثيرة وفاقمت البطالة؛ وثانيهما جعل هذه البطالة وانعدام مصدر الرزق حافزا للهجرة وترك الوطن، بغاية العبث في التركيبة السكانية العربيَّة والتغيير الديموغرافي. فإذا ما كان ظاهر هذه السياسة هو بناء السدود، بيد أنَّ أدنى تتبع لمغبَّاتها يثبت غاياتها الخفيَّة التي تجعل من مصادرة المياه ممهدا لبطالة متفشيَّة ثم اقتلاع الفلاح الأحوازي عن أرضه وموطنه منذ أقدم العصور، لجعله يبحث عن مصادر للرزق سيجدها في مدن غير الأحواز ليضطر إلى الهجرة عن موطنه.

اتخذت سلطات الاحتلال الإيراني بعد أن واجهت مظاهرات واحتجاجات مجتمعيَّة ضد سياسة تجفيف الأحواز، سياسات أكثر خبثا من سياسة تجفيف المياه ومصادرتها إلى أصفهان ورفسنجان ويزد: وذلك عبر تعويض مياه الصرف الصحي بالمياه العذبة التي صادرتها. لقد عمدت السلطات الإيرانية بعد ملاحظة السُخْط الشعبي العارم من جفاف نهر كارون والكرخة والجراحي إلى ملء هذه الأنهر بمياه سامة، من مخلَّفات الصرف الصحي والصناعات البتروكيماوية وصناعة الصلب؛ في تجاهل تام لما تحمله معها هذه المياه الملوثة الخطيرة من جزيئات تقتل الإنسان إذا شربها وتصيبه بمختلف الأمراض إذا مسَّها، ناهيك عن تسببها بموت العشب البحري، والغطاء النباتي، ونفوق الأسماك، وقتل التربة. 

لقد حرص الاحتلال على مزامنة مصادرة المياه من منابعها وتجفيف الأنهار، مع تعويض ذلك بمياه سامة وملوثة من مجاري الصرف الصحي ومخلفات المشافي والصناعات الصلبة. فوقف الأحوازي هذه المرة، الفلاح وغير الفلاح جميعا، ليرصد  مشاهد حزينة من جريان المياه الآسنة في الأنهر، وليلاحظ دمار الثروة السمكيَّة، والغطاء النباتي البحري، بل ليلاحظ مخلفات هذه المياه على جسمه وصحته وحياته. 

يقف الشعب الأحوازي، في العقد الأخير، من كل خريف وفي بداية الشتاء أمام موعد لتفريغ خزَّان السدود، تلافيا لأنكسار بواباتها بعد أن غمرتها المياه وبلغت الحافة؛ بينما لم يُسمع عن بلد من بلدان العالم مثل هذه الظاهرة المسببة بفيضانات سنوية أو شهرية متواصلة، بهذه الطريقة المتكررة المُريبة. وإذا ما حدث ذلك في بلد ما فإنَّ أولى الخطوات هي اتخاذ اجراءات وقائية تساعد في تفادي الأمر وتقليل أضراره أو منعه كليَّا. ولكن على الضد من ذلك لا يبالي الاحتلال الإيراني بتبعات السيول المتكررة، ولا يعير لما تسببه من قتل الحياة أي اهتمام، ما يجعل القضيَّة أكثر من مجرد إهمال تقني وسياسة وقائية، ويحدو بها إلى أن تكون سياسة متعمدة، إنمَّا نفَّذها الاحتلال لتظهر أنها مجرد كارثة طبيعية.  

ولم يمنع هذه السياسة تساؤلات حول ماذا لو وزعت المياه توزيعا مقننا وتقسيما عادلا، بوضع النوافذ والسدود المنضبطة و المُحكمة هندسيا للتحكم بالمياه وتدفقها في فصلي الشتاء و الصيف؟ وهل كانت ستتكرر السيول والفيضانات الجارفة لو تمت عمليات شطف الأنهر وتنظيفها من الوحل في قاع الأنهر؟

السلطات الإيرانية تمارس ما يشبه عمليات الإبادة الجماعية والموت البطيء ضد شعب تعداده يقارب عشرة ملايين نسمة. إنَّها حرب مختلفة، حرب الموت البطيء، وهي الأخطر من نوعها على الشعب الأحوازي، لأنَّها نابعة من قبل دولة تنفذ سياسات عنصرية قومية، دأبت عليها واتخذت منها مشاريع تدميرية ومنظمة ومتواصلة غايتها إماتة الشعب العربي الأحوازي وصهره في التفريس وقتل عروبته وهويته.

ولذلك لا يعد جفاف الأنهر الغاية بحد ذاته، بل هو يتقصد غاية أكبر وهي تجفيف مصدر الرزق ليجري الموت، موت الإنسان العربي في قوته ومصدر رزقه، تحت ستار الطبيعة، وبوسائل غير تقليدية تتعدى أثر البنادق والصواريخ وأسلحة الدمار الشامل ولذلك فإنَّ المضي في مثل هذه السياسة ينبئ بيوم قد لا يجد الإنسان الأحوازي ما يأكله و يشربه في موطنه، أو أن لا يجد ما  يروي به أرضه، وما تورده أنعامه من دواب وأغنام. إنَّ انعدام امكانية الفلاحة بسبب الجفاف والتصحر التي بدأت منذ عقدين، وجفاف الأنهر الأحوازيَّة إلا من مياه المجاري والصرف الصحي وما تنقله من مواد سامة له نتيجة مباشرة ومتوقعة هي قرب شبح المجاعة.

وإذا ما ظهر هذا الاستنتاج بعيدا، فإنَّ ذلك ليس ناتجا عن انعدام هذا الاحتمال، بل هو حصيلة الإهمال الحكومي المتعمد، ولأنَّ الخبراء الأحوازيون أهملوا هذا الاحتمال القائم والقريب، نتيجة عنايتهم بشؤون أخرى نظير التفريس والكفاح من أجل حفظ الهوية واللغة ومكافحة الاستيطان. والحال أن قتل الأرض بالجفاف وما ينتج عن ذلك من قرب شبح المجاعة هو أشد فتكا من التفرس لأنَّه لن يذر على وجه الأرض الأحوازية من دابة حتى تتفرس. إننا لا نشك بأنَّ استمرار سياسة التجفيف، المتزامنة مع القضاء على الفلاحة، ستفضي إلى مجاعة في الأحواز، وستجعل هذه الأرض الأكثر غناء في الشرق الأوسط صحراء قاحلة غير قابلة للسكان.   

ولذلك تعد العناية والاهتمام بهذا الجانب من جوانب السياسة الاستعمارية للاحتلال الإيراني مسؤلية أخلاقية، على الجميع أخذ متغيراتها الخطيرة بعين الاعتبار، واستيعاب مخاطرها، وبيان انعكاساتها على المستقبل القريب والبعيد، ودراسة ما ستخلفه من أضرار جسيمة على أبناء الشعب في المستقبل. ولا يخفى مثل هذا الأمر على ذوي البصيرة من أولئك الذين يتابعون أوضاع وطنهم بدقة! 

وفي السنوات الأخيرة ما انفكت سلطات الاحتلال الإيراني تنفذ سياسات أخبث من سابقاتها، تمثلت هذه المرة بتشجيع الفلاحيين الأحوازيين على تدمير أرضهم ومحاصيلهم بغية الحصول على التأمين والتعويض، وبذريعة عدم هدر المياه، والحصول على مبالغ من التأمين دون كدَّ الفلاحة والحصاد. أليس حريا بالجميع أن يتسائل عن قصد السلطات المحتلة من ذلك، وما هي الغاية بالتحديد من طلبها هذا، وإصرارها على تشجيع المواطن الأحوازي لتدمير محاصيله ونخيله بيده وبنفسه؟ أليس غاية ذلك هو التفقير فالتهجير!؟ هل سبب ذلك فعلا شح المياه فقط، أم أنَّ هناك حيلة وخطة وتمهيدا لتهجير السكان الأصليين تباعا من أرضهم؟

إنَّ تتبع السياسات الإيرانية في الماضي يفيد بأنَّ هذه السياسات قد تُرفق بعمليات اقتطاع للأرض أو شراء الأراضي ثم الاستطيان و التهجير القسري. وهذا بالتحديد هو ما يثبته التتبع للشأن الأحوازي، وما تعززه نخبة مثقفة في الداخل تناولت هذه السياسة ورصدت ملامحها. ولذلك أثبت التتبع تصاعدا ملحوظا بوتيرة حرق الأراضي والمحاصيل أكثر مما كانت عليه في العام الماضي، أو حتى عما كانت عليه في  العامين الماضيين. وأخطر ما في هذه السياسة هي معاكستها للواقع،إذ تبدو السلطات كمساندة تقف للفلاح تساعده في حرق محاصيله حتى يحصل على تعويضات، وأنَّها تسعفه في الأصل لأنَّ توجيهها بحرق المحاصيل جاء نتيجة للجفاف، وهي اضطرت لهذه السياسة لشح المياه وقلة الأمطار. والحال أنَّ الحقيقة هي أنَّ هذه الأرض لم تشهد قلة أمطار أو شح مياه، بل هي على سابق عهدها من وفرة المياه وتدفقها بالمنسوب نفسه الذي كان طيلة القرون الماضية، لكنَّ السدود هي وحدها التي حجبت المياه ومنعتها. 

لقد كان بدء تنفيذ مثل هذه السياسة بالتحديد في مدينة الفلاحية، ثم توسع التنفيذ إلى أن شمل مدن وقرى أخرى نظير معشور والخلفية والجليزي: هل يمكن السؤال عن وجود حكومات في العالم تطلب من المواطنين أو من إنسان ما تدمير الشيء بيده ثم تعوضه مقابل ذلك؟ هل تلك التعويضات بريئة أم هي تخفي شيئا أكثر فداحة وغاية معينة!؟ وذلك تساؤل مفتوح أمام أصحاب العقل والرويَّة. 

المجتمع الأحوازي مجتمع ذو اقتصاد تقليدي قائم على الفلاحة، كما قيل، والفلاحة من دون مياه لا تستقيم. ولذلك أتت سياسة تجفيف الأحواز بالمصميم تستهدف الأحوازي في رزقه ومصدر رزقه الوحيد، لترميه في بطالة وتفقره. ولذلك ظهرت أكبر تبعات انعدام إمكانيَّة الفلاحة في تفشي البطالة، وما رافق البطالة من تبعات كانت أكثرها فداحة هي الإدمان، الذي جاء كمسكن روحي لأصحاب الأسر والشباب، يبعدهم عن واقعهم المقيت.

وبشهادة دول المنطقة والمعطيات في سوريا التي كانت أكبر مصدر لمادة الكبتاغون، فإنَّ الحرس الثوري يشرف مباشرة بمساندة المخابرات على دعم تجارة المخدرات في الأحواز وتفشي ظاهرة تعاطيه. ولو كانت الاستخبارات والحرس الثوري قد اهتمَّ بمراقبة ومطاردة تجار المخدرات كما يفعل ضد من يناهضه من النخبة والمثقفين والشعراء والكتاب والنشطاء و الناشطات لاستأصل شأفة المخدرات في الأحواز؛ ولكن منحتهم مساحة مفتوحة وآمنة لممارسة تجارتهم؛ تاركة أحكام المؤبد والإعدام للمثقفين الأحوازيين والمناضلين الشرفاء.

ينشط تجار المخدرات بالمواد الأفيونيَّة القاتلة تحت بصر الدولة “الإسلامية”، وهي ترصد دورهم في تدمير الشباب الأحوازي وتفكيك الأسر والعوائل في كل مدن وأحياء الوطن. ويكفي إثباتا في ذلك أنَّ ظاهرة  تفشي بيع المخدرات وتعاطيها لا تنتشر إلا بالأحياء ذات الأكثرية العربيَّة في المدن المختلطة، إذ تضربها السلطات بيد من حديد في الأحياء ذات الأكثرية المستوطنة، ليتبيَّن جليَّا عن ذلك حرص الاحتلال على هذه التجارة وتفشيها بين العرب. 

لقد تساند ثالوث الجفاف والفقر والإدمان ليضيق الحياة على الشعب الأحوازي ويحيط بهم المعاناة من كل صوب. وقد جلب الفقر المدقع والإتجار بالمخدرات الويلات للناس: وذلك لأنَّ التاجر بالمخدرات والمتعاطي لها كلاهما ضحية الفقر معا، وحصيلة مباشرة لانعدام الدخل الذي كان يتحصل من الزراعة أيام توفر المياه. فتاجر المخدرات العربي اضطرَّ أمام ضغوط الحياة إلى ممارسة هذه المهنة الهدَّامة، وإنْ كان اضطراره لا يلغي مسؤليته الأخلاقية القانونية، كما أن المتعاطي وقع بهذا الفخ هروبا من فقره وفاقته؛ وفي كلِّ ذلك الاحتلال هو من وضع الكافة أمام هذا الواقع المقيت؛ بعد أن صودرت المياه وانعدمت الفلاحة والحصاد. 

لقد تحول بلد الماء الوفير والخضرة العميمة والنخيل الأشم إلى شبان ذابلة في عنفوان العمر، لا يملك نخيلا ولا تمرا ولا ماءً، وتكاد الأرض تتصحر وتتحول الي قفرة، وقد كانت في عهده القريب غفيرة الخير جمة المياه تتزين بنخيلها وسعفها!

يلاحظ كل أحوازي ما يحصل حوله من فجائع وتغيَّرات سلبية كبيرة طرأت، ويرصد الشر الإيراني المضاعف الذي اشتدَّ أكثر من ذي قبل ضد الشعب الأحوازي:

مصادرة المياه وتجفيف الأراضي وقتل الزراعة وانعدام مصدر الرزق الوحيد لملائين من الشعب؛ وتقلص مساحات الأراضي الزراعيَّة داخل الوطن؛ وتضائل واسع  في كل الزراعة في السنوات الأخيرة تمثل في نقص كبير ومخيف في عدد الأشجار المثمرة، و النباتات و المحاصيل الزراعية، كالقمح والأرز والحبوبات بمختلف أنواعها، يليه تقلص في أعداد النخيل، وتوسع الاستيطان وتفاقم للمستوطنيين الفرس. كل أحوازي يعي ما يجري حوله، لكنَّه رغم ذلك لا يتخذ الأسباب المناسبة الواعية لمواجهة أو الحد من وطأته أو الوقاية منه.

على النخبة المثقفة في الداخل و الخارج أن تقوم بمسؤولياتها وواجباتها الممكنة تجاه الوطن، وأن تقوم بتحذير وتحشيد وتثقيف الجماهير حول ما يحيط بهم من أخطار؛ ثم العمل المتواصل في نشر التوعية الوطنية والثقافية والأخلاقية بين أوساط المجتمع. فربما سيُقبل الشعب على أيام  أصعب من يومهم هذا. ولذلك يتوجب على أبناء الشعب جميعا، ومن الآن، البحث عن حلول وسبل متاحة يتخطى بها هذه المراحل العصيبة التي تعصف بالجميع في الوقت الراهن. لأنَّ الاستسلام أمام هذه السياسات الشوفينية والعنصرية والقومية الفارسية، هو بمثابة انتحار بعينه، ودمار لشعب بأكمله. 

إنَّ المجاعة التي ربما قد تحصل والشواهد عليها كثيرة، هي أقرب مما قد يُتصور في بادئ الرأي، ومؤشراتها بدأت تتضح بحرق المحاصيل وتقلص المساحات والأراضي الزراعية، بعد أن جفف الاحتلال الأرض وتصحرت المدن والوطن برمته. إنَّ حقيقة الجوع هي واقع الحال، اليوم، داخل الوطن. فالأحواز التي كانت تملك في أيامها الزاهرة 14 مليون نخلة(2)، لم تعد اليوم تتوفر على المياه اللازمة لري زراعتها، ولم تعد تمتلك أراض زراعية توفر زرع ما يحتاجه الناس لتأمين قوتهم اليومي. لمَ لا وقد تحولت جل هذه الأراضي الخصبة إلى مشاريع صناعية للمستوطنين وإلى قطع سكنية لبيوتهم الفارهة بعد أن استلبت من أيادي أهلها. 

ولقد بات اليوم لزاما على الجميع، وفي ظل وجود شح المياه والوضع الذي يهدد بالمزيد من الفقر وربما المجاعة، التشجيع على الزراعة المثمرة، وخاصة النخيل في القرى والمدن والأحياء والغابات والأماكن السكنية وغير السكنية وحتى في البيوت، على الرغم من شح المياه، ومع العلم بأنَّ النخيل لا يستهلك الكثير من الماء كالأشجار الأخرى، مما يكفيه في الري السقي من مياه الشرب المنزلية.

كما يجب الوعي بأنَّ الغايات غير المعلنة خلف سياسة تجفيف الأحواز ومصادرة المياه عنها، هي ضرب الشعب في صميم قوته، لتفقيره واجباره على الهجرة وترك الوطن، للمستوطنين المقبلين من الأراضي الإيرانية. لم تكن المياه ومصادرتها مجرد أطماع في كل ما على أرض الأحواز من خير فحسب، بل هي سياسة لها غايات أخرى تجعل إبادة الشعب وموطنه يجري مجرى الطبيعة، لأنَّ ذلك أقل تكلفة على السلطات الإيرانية، لا يجلب انتباه العالمين، والشعب الأحوازي ذاته؛ بيد أن مثل هذه السياسة الخبيثة سرعان ما تكشفت غاياتها، ووعى الشعب مآلاتها، مما يجعل الجميع أمام مسؤلية قوميَّة وأخلاقيَّة للتصدي لها. 

وأولى الإلزامات الأخلاقيَّة تجاه ذلك هي تكثيف الكتابة حول هذا الموضوع، واشباعه بحثا ونشرا على وسائل الإعلام ومراكز الدراسات، حتى يصبح حديثا متداولا، وقضيَّة في الحياة اليوميَّة. إنَّ استهداف الأرض وقصد قتلها، أوْلى من اللغة والثقافة والتاريخ، لأنَّ العروبة والثقافة والتاريخ بل والحاضر والمستقبل كله منوط بوجود الأرض الوطن والحفاظ على سلامتها وبقائها والذبِّ عنها أمام كل فارسي حقود. 

بقلم: يونس سليمان الكعبي، كاتب وناشط سياسي أحوازي

 

الهوامش: 

1. ينطبق على الاحتلال الإيراني المثل العربي الشعبي القائل (لا أرحمك ولا أخلي رحمة الله تنزل عليك).  

2. حيث أوصانا النبيﷺ بقوله: إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها؛ أي يزرعها. بينما تأمر السلطة الفارسية بحرق الأشجار و قطع النخيل المبارك الذي قال عنه النبي الكريم (النخلة عمة العرب، فاعتنوا بعمتكم). إنها عمتنا نحن العرب وليست عمة الفرس. فهم أعداء الفلاح الأحوازي والنخلة معا وأعداء لكل ما هو عربي ولكل ما يمت للعرب والعروبة بصلة. 

 

"الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع معهد الحوار للأبحاث والدراسات"

اكتب ردّاً

الرجاء كتابة التعليق:
Please enter your name here